آخر الأخبار

إسلاميو المغرب.. من هموم المرأة الحقيقية إلى الأجندة الدولية

بلال التليدي الإثنين، 08 نوفمبر 2021 03:06 م بتوقيت غرينتش

نشأ العمل الدعوي النسائي بالمغرب في بداية السبعينيات من القرن العشرين، وهي نشأة متأخرة تتناسب وتأخر نشأة الحركة الإسلامية نفسها. وقد كان موضوع الأمومة، ورعاية البيت، وتربية الأبناء محور انشغال هذا العمل حتى الثمانينيات، حيث بدأت مرحلة جديدة بدأ فيها العمل الدعوي النسائي يتحدث عن الحجاب، والدور الرسالي للمرأة.

في البدء كانت التجربة الإخوانية، وتجربة زينب الغزالي نموذجًا للمرأة الحركية بالمغرب، ومصدر إلهام لتجربتها الدعوية، كما صارت كتابات سيد قطب، ونظراته التأملية المبسوطة في ظلال القرآن، وكتب محمد قطب خاصة "معركة التقاليد"، و"شبهات حول الإسلام" محور الانشغال الفكري للمرأة الحركية المغربية.

وحيث إن المشهد الثقافي المغربي كان يعيش على إيقاع الهيمنة الفكرية للتيار الماركسي والليبرالي، فقد طُبع العمل الدعوي النسائي بالنزعة الدفاعية التي تروم التصدي للتهم الاستشراقية، والهجومات اليسارية، خاصة الموضوعات ذات الصلة بالمرأة في القرآن ونصوص السنة، أو علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمرأة، أو المرأة في التجربة التاريخية الإسلامية.

وبانفتاح المرأة الحركية المغربية على فكر المودودي، خاصة كتابه "الحجاب" بدأ العمل النسائي في المغرب يتشكل وفق رؤية تولي اهتمامًا بالموضوع، بقدر ما تولي الاهتمام بالمنهج.

ـ فمن حيث الموضوع، طرأ تحول نوعي في التفكير النسائي؛ إذ لم يَعُد الحديث عن وظيفة المرأة في البيت فقط، بل تجاوز الأمر ذلك إلى طرح الوظيفة الرسالية. ويمكن أن نستقرئ نصًّا فكريًّا تأصيليًّا للعمل النسائي يظهر لنا هذا التحول.

يقول الدكتور سعد الدين العثماني، وهو من أوائل المنظرين للرؤية الدعوية والفكرية النسائية بالمغرب: "لا يزال هناك استخفاف من الأوساط الإسلامية بمساهمة المرأة بفعالية في المجالات الاجتماعية والعلمية والدعوية، فرغم أن الأمومة هي مهمة المرأة الأساسية -استنادًا إلى معطيات علمية بيولوجية ونفسية موضوعية- فإن هذا لا يعفيها من الحضور في مختلف مؤسسات المجتمع حضورًا علميًّا فعالاً. وخلو هذه الميادين من المرأة الملتزمة بدينها إنما يفتح المجال لطفو النماذج المتغربة فكرًا وسلوكًا"، (الفرقان المغربية: ع11 ص4).

ـ أما من حيث المنهج، فقد تأكد في هذا الموضوع ضرورة الالتفات إلى الآليات الأصولية والمنهجية للخروج من مواطن الاختلاف، وتحديد ضوابط للتفكير في هذا الحقل. وهذا يعني إعمال الصرامة المنهجية المستحضرة لعلم المصطلح، والجرح والتعديل، ونقد المتن، وكذا علم الأصول للتعامل الصحيح مع النصوص الشرعية المتعلقة بالمرأة. 

يقول د. سعد الدين العثماني في هذا الصدد: "إن هناك قطعيات في الشرع تشكل ثوابت لا معنى للالتزام بالدين دون الالتزام بها. وهي لا شك تنسجم مع فطرة الإنسان وتحقق له مصالح ضخمة في واقعه الفردي والاجتماعي. فلا مجال للنقاش في أمور ثبتت بالنصوص الصريحة المحكمة لكثير من قضايا الأسرة. ولا مجال للتردد في وجوب الالتزام باللباس الشرعي (الحجاب) الذي زيادة على كونه برهانًا على العبودية لله والالتزام بأمره، فهو تعبير عن رفض التعامل مع المرأة جسدًا وجنسًا، والتعامل معها إنسانًا يشارك الرجل في أداء مهمة الاستخلاف في الأرض، وعمارتها وفق منهج الله" (نفس المجلة ونفس الصفحة والعدد).

جنينيات التحول في النظرة للعمل النسائي بالمغرب

تعتبر مجلة الفرقان المغربية مظهرا من مظاهر التعبير عن التطور الفكري الحاصل لدى الحركة الإسلامية المغربية، ويسمح رصد المواد التي تتعلق بالعمل النسائي بهذه المجلة، باكتشاف جنينيات التحول في موضوعات العمل الدعوي النسائي، وذلك كالآتي:

ـ في العدد 11 من سنة 1988: التأكيد على وظيفة الأمومة ورعاية البيت "مقالة تحليلية للأستاذة بسيمة حقاوي ـ وقد أصبحت الآن من القيادات النسائية بالمغرب" ـ وبداية التأشير للتطور الضروري في موضوعات العمل الدعوي، ووظيفة المرأة.

ـ في العدد 13 من نفس السنة: فمن خلال تأمل ندوة الحجاب التي شاركت فيه قيادات للعمل الدعوي النسائي، يمكن أن نلمس بوضوح من خلال الإشارة إلى الدلالات الرمزية للحجاب الدور الرسالي المنوط بالمرأة الحركية.

ـ في العدد 22 من سنة 1990: من خلال تأمل المقالة المطولة للدكتور سعد الدين العثماني حول المرأة ونفسية الاستبداد، نلمس بداية الوضوح للرؤية الفكرية التي تؤطر العمل الدعوي النسائي بالمغرب.

ـ في العدد 36 من سنة 1996: اكتمال المشروع الدعوي النسائي، وذلك من خلال طرح المسألة النسائية بأبعادها التربوية والثقافية والاجتماعية والقانونية والسياسية.

ويمكن من خلال هذا الملف أن نفهم هذا التطور في طبيعة التحولات التي عاشتها الحركة الإسلامية بالمغرب، والمخاض الفكري الذي كانت تعيشه، فضلاً عن التطور الذاتي للعمل النسائي نفسه.

وحاصل الحاصل أن الرؤية الناظمة للعمل الدعوي النسائي بدأت متمركزة حول الحديث عن الوظيفة المحورية للمرأة، كالأمومة ورعاية البيت وتربية الأبناء، وانطلقت ترتاد فضاء العمل الرسالي بجميع أبعاده؛ لتصير المرأة مشاركًا طبيعيًّا في كل الحقول التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية والقانونية والحقوقية.

من تأصيل فكر المشاركة السياسية إلى إبداع فكرة التخصص النسائي

احتفلت الحركة الإسلامية بكتاب عبد الحليم أبي شقة "تحرير المرأة إلى عصر الرسالة" احتفاء كبيرا، ذلك أنه قدم لها خدمة غير مسبوقة، اختصرت لها العديد من الجهود التي كان من المفترض أن تقوم بها لتأصيل فكرة مشاركة المرأة في المجال العام، لا سيما وأن المكتبة الإخوانية في موضوع المرأة، كانت تركز بشكل أكبر على وظيفة المرأة في البيت وأهمية الأمومة في إنتاج الجيل وتربيته، وقد بدا التفاعل بشكل مبكر مع فكرة مشاركة المرأة في المجال العام، وتقدم المواضيع النسائية التي نشرت في مجلة الفرقان نموذجا عن تطور اهتمام الحركة الإسلامية بفكرة مشاركة المرأة في المجال العام، إلى أن صارت مفهوما مركزيا في فكر الحركة الإسلامية المغربية، ولأجله، تطور الأدوات التنظيمية للحركة، وأنتجت التخصص النسائي الذي اضطلعت بالقيام عليه جمعيات وطنية تتقاسم مع الحركة مشروعها ونظرتها لقضية المرأة لكنها تتمتع بكامل الاستقلالية عن الحركة، وفي هذا الإطار، يمكن أن ندرج تأسيس منظمة الوعي النسائي، ومنتدى الزهراء للمرأة المغربية، والتي عملت على تنزيل الرؤية المؤطرة للمشاركة السياسية للمرأة مرتبة ضمن أولويات يحضر فيها البعد الفكري التأصيلي والبعد القانوني والبعد الحقوقي والاجتماعي وأهداف.  

في تحول رؤية للعمل النسائي المغربي: نموذج منتدى الزهراء

من خلال تأمل الأهداف التي سطرها هذا المنتدى لوظيفته الرسالية في المجال النسائي، يمكن أن نلمح تحولات مركزية للعمل النسائي بالمغرب، فقد توجهت هذه الأهداف إلى البعد القانوني والحقوقي والاجتماعي، وركزت على ضرورة رؤى أصيلة ومتطورة في المجال القانوني والحقوقي والاجتماعي مرتبطة بقضايا المرأة والأسرة، وذلك تقديرا منها لخطورة هذين البعدين في تكريس الوضعية الدونية للمرأة في السياق المغربي، وظهر من خلال هذه الأهداف أيضا حضور البعد الفكري التأصيلي، وذلك من خلال استحضار النموذج الحضاري لتحرير المرأة، وكيف يتمثل العقل النظري للحركات الإسلامية دور المرأة ورساليتها في المجتمع، وكيفية صون كرامتها، كما ركز على البعد الإعلامي في الموضوع، وما يتعلق بصناعة الصورة، التي لطالما كانت المرأة هي الضحية الأولى فيها، فركز المنتدى على ضرورة ترويج صورة إيجابية عن دور المرأة في المجتمع، ومقاومة كل الصور النمطية التي تكرس دونية المرأة أو حصر مجالها في أدوار ضيقة. 

 

باستثناء الجهد الذي قام به رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في تخصيص الأرامل بدعم مالي، وإنشاء صندوق دعم المطلقات، فإن الرؤية التي تبنتها وزارة التضامن والأسرة التي كانت تقودها الوزيرة بسيمة حقاوي من العدالة والتنمية، لم تستطع التحرر من ثقل الأجندة الدولية، التي تجعل مجمل الرؤية النسائية مركزة على المناصفة بين الرجال والنساء ومحاربة العنف ضد المرأة

 



وكان لافتا أيضا في مقاصد الرؤية عند المنتدى البعد الحقوقي والاجتماعي، إذ جعلت من بين أهم أهدافها الدفاع عن حقوق المرأة وقضاياها المشروعة ومناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، مع خوض معركة الارتقاء بالمستوى التعليمي والثقافي للمرأة المغربية وتقوية قدرات الجمعيات النسائية، والمساهمة في تكوين الأطر الفكرية والعلمية والثقافية النسائية، دون إغفال لخصوصية الفتاة في العالم القروي (الأرياف)، إذ تم التركيز في رؤية هذا المنتدى على دعم تمدرس الفتاة بالعالم القروي. 

وقد كانت المسألة الأسرية حاضرة بقوة في رؤية المنتدى، شأنه في ذلك شأن الجمعيات النسائية المنتظمة في إطار الحركات الإسلامية، إذ ركز على ضرورة رعاية المؤسسة الأسرية وتعزيز مكانة الأمومة.

وفي الشق السياسي، ساير المنتدى المطالب النسائية الليبرالية واليسارية التي تركز على تعزيز قدرات المرأة وتمثيليتها في المؤسسات السياسية، فتبنى المنتدى هدف المساهمة في إعداد وإنجاز المشاريع والبرامج التي تهدف إلى تحسين وضعية وصورة المرأة وتعزيز تمثليتها في الهيئات المنتخبة.

تعزيز التمثيلية في هياكل الحركة الإسلامية

كان أول بداية اعتمدتها الحركة الإسلامية لنقل رؤيتها التأصيلية لقضية المشاركة السياسية للمرأة، أنها مارست هذه القناعة على مستوى بنياتها وهياكلها التنظيمية، بحيث لم يعد عمل المرأة مجرد قطاع نسائي ملحق بالعمل العام، يأتمر بقرارات الهيئة التنفيذية، وإنما تحركت دينامية جديدة داخل الحركة الإسلامية بشتى تلويناتها في اتجاه الحضور الوازن للمرأة في الهيئات القيادية والتقريرية للحركة الإسلامية. 

فبالنسبة لحركة التوحيد والإصلاح، بدأ يتعزز حضور المرأة في الهيئات القيادية مع دخول الوحدة مرحلتها العادية، إذ تعززت صفوف المكتب التنفيذي للحركة بالأخت نعيمة بن يعيش، وتعزز هذا الحضور أكثر على مستوى مجلس الشورى قبل المرحلة العادية للوحدة، وبحسب الأستاذ محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح، فإن المرأة تشارك في الهيئات القيادية التنفيذية على المستوى المركزي والجهوي والمنطقي، وأن الأمر أصبح جزءا من خيارات الحركة، فعلى المستوى المنطقي، تمثل المرأة بقوة القانون بحكم مسؤوليتها الوظيفية، أما على مستوى المكتب التنفيذي الجهوي، فقد أنتجت الحركة صيغة جديدة على مستوى الانتخاب فيما يخص التمثيلية النسائية، إذ أن الضابط في انتخابات الهيئات التنفيذية على المستوى الجهوي، أن المرأة، إن لم تحضر بقوة الانتخاب بين المقاعد الثلاثة الأولى، يصبح لزاما على الجمع العام أن يختار امرأة في المقعد الرابع لتعزيز حضور المرأة في هذه الهيئات. 

ولم يقتصر تنزيل هذه الرؤية داخل الحركة الإسلامية على الهياكل التنظيمية والأجهزة القيادية، ولكنه تعدى ذلك إلى المجال العام، حيث حرص حزب العدالة والتنمية في كل الاستحقاقات الانتخابية بدءا من استحقاق 2002، على تقديم مرشحات ضمن لوائحه الانتخابية التشريعية والمحلية، وترجم قناعته الجديدة، عندما وصل إلى رأس التدبير الحكومي، فاقترح رئيس الحكومة، عبد الإله بن كيران، في الولاية الحكومية 2012 ـ 2016، نساء من حزبه لتقلد مناصب وزارية، وساير الدكتور سعد الدين العثماني المنهج نفسه، في الولاية الحكومية 2017 ـ 2021، مقترحا عددا من نساء العدالة والتنمية لتولي مسؤوليات مهمة في التشكيلة الحكومية.

غير أن هذا التحول، المرتبط بالدفع بنساء لتقلد مسؤوليات وزارية، لا يمكن الجزم بكونه حصيلة تحول داخل إسلامي المغرب، بقدر ما يفسر بكونه تكيفا مع إكراهات الدولة، أو استجابة لمعاييرها في اقتراح الأسماء، وما يتطلبه التدرج في تطبيق مبدأ المناصفة الدستوري في المسؤوليات السياسية، وفي مقدمتها المسؤولية الحكومية.

من الحضور في اللوائح الانتخابية إلى الرفع من تمثيلية النساء المغربيات

لعل الملمح الأكبر في تطور مفهوم المشاركة السياسية للمرأة في فكر الحركة الإسلامية أنها انتقلت من مستوى تأهيل المرأة الحركية عبر ضمان تمثيليتها داخل هياكل الحركة والدفع بها إلى المجال العام وتعزيز قدراتها ومهاراتها في متابعة الشأن العام، إلى التأسيس لمرحلة أخرى خارج الذات الحركية، بحيث بدأ التفكير داخل المنظمات والهيئات القريبة للحركة الإسلامية في حلقة أكبر وهي تقوية قدرات المرأة التمثيلية والمساهمة في رفع مستوى حضورها داخل المؤسسات التشريعية والمحلية. 

فقد ظل منتدى الزهراء، يردد عبر قياداته النسائية، أن تقوية حضور المرأة في المجال العام، وتعزيز قدراتها ومهاراتها في المجال السياسي هو جزء من رسالة ورؤية المنتدى، فإذا كانت المرأة المغربية، قد برهنت في مجالات متعددة كالأسرة والتنمية وغيرها من المجالات على كفاءاتها وقدراتها الريادية، فإن الدور المنوط بالجمعيات النسائية أن تنخرط ضمن دينامية الرفع من تمثيلية المرأة في المجال العام وإعطائها الفرصة لتثبث من جهة كفاءاتها ومهاراتها، ولتضع في المجال العام بصمتها الخاصة. 

وضمن هذه الدينامية، يندرج انخراط كل من منتدى الزهراء ومنظمة تجديد الوعي النسائي، في مشروع الرفع من تمثيلية النساء الذي أحدث بموجبه صندوق لدعم المشاريع التي تتوفر على المعايير الإدارية والقانونية والفنية، والذي استقبل 65 مشروعا قدمت من طرف الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية، وتم الإعلان عن اعتماد 14 مشروعا، (9 للأحزاب السياسية، و5 من الجمعيات الوطنية، وينتظر أن يتم الإعلان في هذا الأسبوع عن أسماء الجمعيات المحلية والجهوية التي اعتمدت مشاريعها).

 

الملمح الأكبر في تطور مفهوم المشاركة السياسية للمرأة في فكر الحركة الإسلامية أنها انتقلت من مستوى تأهيل المرأة الحركية عبر ضمان تمثيليتها داخل هياكل الحركة والدفع بها إلى المجال العام وتعزيز قدراتها ومهاراتها في متابعة الشأن العام، إلى التأسيس لمرحلة أخرى خارج الذات الحركية

 



وعلى العموم، يعكس هذا التحول في رؤية الحركة الإسلامية لقضية المشاركة السياسية للمرأة تحولا عميقا في فكر الحركة الإسلامية ورهاناتها الإستراتيجية، ويعبر في الوقت ذاته عن حصول نقلة نوعية في نظرة الإسلاميين إلى الواقع. فبدل الرهان في تعزيز خيار المشاركة السياسية على تأهيل القيادات النسائية الحركية، وسعت الحركة الإسلامية أفقها الاستراتيجي، وبدأت تراهن على تأهيل المجتمع ككل، وبشكل خاص المرأة التي تعتبر الحلقة الأضعف في المشاركة السياسية. 

الرؤية النسائية من داخل التجربة الحكومية

العمل الحكومي، وضع رؤية الإسلاميين للعمل النسائي في المحك، فالقضايا الرئيسة التي تستأثر باهتمام السياسات الحكومية في موضوع المرأة، تركز على موضوعين رئيسيين، المساواة ورفع جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومحاربة العنف ضد النساء بجميع أشكاله.

والحقيقة أن رؤية العدالة والتنمية من موقع التدبير الحكومي، لم تستطع التحرر من ضغط هذين الموضوعين، فاشتغل على استكمال متطلبات الاستحقاق الدستوري بهذا الخصوص لتحقيق مطلب المناصفة، وذلك بالاشتغال على تحيين وتعديل المنظومة التشريعية للمواءمة مع المقتضيات الدستورية الجديدة وكذا مقتضيات المواثيق الدولية في هذا الاتجاه، هذا فضلا عن اعتماد جملة إجراءات تقوي تمثيلية المرأة في المؤسسات المنتخبة، ومن ذلك اعتماد نظام الكوطا في القوانين الانتخابية، كما حاول أن يخرج بقانون متوافق حوله يناهض العنف ضد المرأة ويجرم التحرش الجنسي ضدها، وذلك في سنة 2013، لكن التدافع السياسي والحقوقي، أخر التصديق عليه إلى ولاية الدكتور سعد الدين العثماني، حيث لم يتم التصديق عليه برلمانيا إلا سنة 2018.

والواقع، أنه باستثناء الجهد الذي قام به رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في تخصيص الأرامل بدعم مالي، وإنشاء صندوق دعم المطلقات، فإن الرؤية التي تبنتها وزارة التضامن والأسرة التي كانت تقودها الوزيرة بسيمة حقاوي من العدالة والتنمية، لم تستطع التحرر من ثقل الأجندة الدولية، التي تجعل مجمل الرؤية النسائية مركزة على المناصفة بين الرجال والنساء ومحاربة العنف ضد المرأة، مكرسة بذلك، رؤية تمييزية، تضع ضمن رأس اهتماماتها امرأة المدينة، أو المرأة النخبوية، وذلك بتقوية حضورها في المؤسسات ومنافسة الرجل في التمثيلية، والمشاركة الوازنة في صناعة الثروة والتنمية في البلد، وهي في المحصلة لا تمثل إلا نسبة ضئيلة لا تمثل الحد الأدنى من الهموم الحقيقية للمرأة المغربية. 

في حين لم تستطع سياسات حكومة العدالة والتنمية أن تترجم أولويات رؤية الحزب النسائية، التي تولي الاهتمام إلى تعليم المرأة ومحور أميتها، وإخراجها من واقع التهميش في القطاع الواسع الموصوف استعماريا بالمغرب غير النافع، وتمكينها من وسائل العيش الكريم وتوفير الخدمات الاجتماعية، وتيسير شروط الحياة بالنسبة إليها، والرفع من منسوب ثقافتها. فهذه الهموم، التي كان الحزب يجعلها جزءا أساسيا من اهتماماته وانشغالاته، هي التي تمثل الاحتياجات الأساسية للقطاع العريض من النساء، لا النخبة النسائية المدينية، وهي الأجدر بأن تفرد لها الاستراتيجيات، ويتمحور حولها الحراك النسائي، وتنهض لها السياسات العمومية.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا