آخر الأخبار

دبلوماسي تونسي: هذا إطار دخول الفلسطينيين في التسوية

حاوره توفيق المديني الجمعة، 03 ديسمبر 2021 08:09 ص بتوقيت غرينتش

إنَّ الثورة الفلسطينية المعاصرة، إِنْ جاز هذا التوصيف، تكمن في قدرة الشعب الفلسطيني على الحفاظ على قضيته حية في ضمير الإنسانية، رغم الخيانات والحصار والنكسات التي تعترضها منذ قرار التقسيم الجائر، مرورا بتنكر الأسرة الدولية والدول العربية لواجباتها والتزاماتها، ووصولا إلى الانقسامات والخيانات الداخلية صلب القيادات والسلطة الفلسطينية. 

وإذا كانت هناك مصادر يستلهم منها الشعب الفلسطيني هذه النضالية وهذه القدرة على الصمود أمام القمع الدموي والزحف الاستيطاني والاستئصالي الإسرائيلي، فإنَّها دون شك إرادة الحياة والبقاء والاستمرار في مواجهة محاولات التطهير العرقي ومساعي التصفية التي تتعرض إليها القضية الفلسطينية، و كل ذلك في ظل الصمت والتوا طؤ المخجل على الصعيدين العربي والدولي.
 
تلك هي الرؤية الثاقبة التي يدافع عنها السفير التونسي السابق أحمد بن مصطفى، الذي يُعَدُّ واحدا من ألمع الدبلوماسيين التونسيين في مجال الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني. فمن هو السفير أحمد بن مصطفى؟

أحمد بن مصطفى: وزير مفوض وسفير تونسي سابق من مواليد تونس عام 1952، التحق بالعمل الدبلوماسي سنة 1975. وقد عمل سفيرا في كل من ليبيا والسعودية ومصر والإمارات، إلى جانب عمله  بالإدارة المركزية لوزارة الخارجية التونسية.

ومنذ عام 2012، ساهم كناشط في المجتمع المدني في الحوار الوطني، وله عديد الكتابات المتعلقة بالعلاقات شمال جنوب والعلاقات المختلة بين تونس والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تجربته في التدريس الجامعي بالجامعة المركزية في مادة التاريخ الدبلوماسي والقضايا الاستراتيجية والدبلوماسية.  

في هذا اللقاء مع "عربي21"، حول فلسطين الهوية والذاكرة، يشرح السفير أحمد بن مصطفى رأيه في القضية الفلسطينية وسبل فهمها والتعاطي معها.


س ـ هل أسهمت البرجوازية الفلسطينية الجديدة التي كان قوامها الفلسطينيون الذين تمكنوا من تحويل رؤوس أموال كافية للبدء بأعمال جديدة خارج فلسطين، وأولئك الذين تمكنوا من الإقامة في الخليج، ومن كان لهم دور في التطور الاقتصادي السريع الذي طرأ على البلدان العربية الرئيسية والنفطية منها، التي كانت تفتقد للأرض والممتلكات العقارية والمصانع (إذ إنها في دول الخليج شريك للكفيل المحلي ومعظمهم ليس مستقلا)، في تأسيس ودعم حركة "فتح" كبرى الحركات الوطنية الفلسطينية، وبلورة المشروع الوطني الفلسطيني لإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية؟ 


 ـ البورجوازية الفلسطينية في الشتات العربي والدولي ساعدت ماديا وكانت إجمالا، متضامنة مع حركة التحرير الفلسطينية في مراحل تأسيسها الأولى وحتى في سنوات الجمر، ولكنَّ المؤسسين الحقيقيين لخط المقاومة، ربطوا مصيرهم بهذا الخيار وانضموا إليه عقائديا ووجدانيا وميدانيا؛ لأنه من الصعب أن نتصور الحفاظ على استمرارية المقاومة في غياب القيادات عن الميدان واستعدادهم للتضحية إلى جانب الشعب والمقاومين، فضلا عن توفر الدعم والمؤازرة السياسية والمادية من البلدان العربية المحيطة بفلسطين.

غير أنَّ البورجوازية الفلسطينية حافظت إجمالا على مصالحها بالخارج، حتى بعد التحول الحاصل في المستوى القيادي الفلسطيني والدخول في مسار التسوية. هذا إلى جانب الضغوط والمحاصرة التي أضحت مسلطة، في ظل الأحادية القطبية، على مصادر الدعم العربية والفلسطينية الموجهة إلى الداخل الفلسطيني؛ بحجة التصدي "للإرهاب" الذي أضحت توصف به المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي.

س ـ لماذا سَمَّيْتَ الثورة الفلسطينية التي انطلقت من 01/01/1965 وقد أطلقتها حركة "فتح" بقيادة ياسر عرفات، وقادت المقاومة الفلسطينية في مرحلتها الثانية بعد هزيمة حزيران / يونيو 1967 (الهزيمة العسكرية واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء)، ضد الاحتلال الصهيوني، خداعا، ولم تكن ردّا فلسطينيا على الهزيمة الكارثية للمشروع القومي العربي بشقيه  الناصري والبعثي، لا سيما بعد أن تبنت "فتح" نهج التسوية، الذي توج بعقد اتفاقيات أوسلو سنة 1993، وقادت القضية الفلسطينية إلى التصفية؟


 ـ لا أعتقد أنَّ الثورة الفلسطينية كانت خداعا لدى انطلاقتها بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، لاسيما أن ميثاقها التأسيسي كان ينص على تحرير كامل فلسطين بالاعتماد على المقاومة المسلحة، ولكن بداية العمل المسلح الفلسطيني لم ينطلق إلا بعد الهزيمة العسكرية العربية لسنة 1967، وكانت معركة الكرامة عام 1968 التي تصدت فيها المقاومة الفلسطينية بنجاح للجيش الإسرائيلي بدعم من الجيش الأردني، من أبرز المحطات في مسيرة العمل العسكري الفلسطيني. 

كما يجدر التذكير بأنَّ المشروع القومي العربي لم ينهر في تقديري بفعل الهزيمة، بدليل أنَّ مصر وسوريا شرعتا مباشرة في الإعداد لحرب 1973 التي تم التمهيد لها بحرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، ما يؤكد أنَّ الظرفية ظلت سانحة للتحرك الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل بفعل استمرار إرادة المقاومة لدى القيادات المصرية والسورية، بخلاف القيادة الأردنية التي اتضح لاحقا أنَّها غير مستعدة لتحمل تبعات استمرار المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.
 
وكلنا يعلم ماذا كان مصير المقاومة المسلحة الفلسطينية بعد إخراجها بقوة السلاح من الأردن، وما تعرضت له أيضا من حصار وتدمير من قبل أطراف لبنانية وعربية  بعد انتقالها إلى لبنان، وصولا إلى العدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان الذي كان يهدف إلى التصفية الجسدية للزعيم ياسر عرفات وللقيادات الفلسطينية، فضلا عن إنهاء القضية الفلسطينية من خلال إبعاد المقاومة ومنظمة التحرير عن فلسطين وعن الحدود الإسرائيلية. 

ولا شك أنَّ وفاة الرئيس عبد الناصر والتحول الحاصل في سياسة مصر في ظل رئاسة السادات، هو الذي ساهم بقسط وافر في هزيمة القومية العربية التي لم تنكسر في تقديري بفعل القوة الإسرائيلية، بقدر تأثرها بالتراجع العربي عن نهج المقاومة وتخلي الدول العربية دون مقابل عن الحقوق العربية والفلسطينية.
 
والملاحظ أنَّ انتقال القيادة الفلسطينية إلى تونس لم ينه الصراع رغم خروج مصر من دائرة المواجهة بإبرامها للصلح المنفرد، اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل في عام 1979، ورغم دخول الدول العربية في مسيرة السلام من خلال مبادرة السلام للملك فهد، التي تبنتها القمة العربية في فاس عام 1982.

ولكن القضية الفلسطينية دخلت منذ ذلك التاريخ في مرحلة جديدة تتسم بالانقسامات العربية، مما أدى إلى إضعافها وتهميشها عربيا ودوليا، وصولا إلى مطلع التسعينيات وانهيار الاتحاد السوفييتي، الذي مهد السبيل لتدمير العراق وخلق موازين قوة جديدة لصالح الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة والكتلة الغربية المنحازة انحيازا مطلقا إلى جانب إسرائيل. 

هذا هو الإطار الممهد لدخول الفلسطينيين مُكْرَهِينَ في مسار التسويات السلمية الوهمية الذي انطلق باتفاق أوسلو، واستمر بمسار برشلونة الذي كان جسرا للتطبيع العربي مع إسرائيل، ومهد لتخلي الدول العربية عن الربط بين التطبيع وإقامة الدولة الفلسطينية.

وفي مطلع الألفية الثالثة، تخلت الدول العربية عن القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل الذي أصبح يدار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار ما يسمى باللجنة الرباعية، وهي الغطاء الذي تم من خلاله تجميد القضية نهائيا، خاصة بعد تفشي الانقسامات والصراعات صلب القيادات الفلسطينية.
 
وفي ظل رئاسة ترامب، برزت "صفقة القرن" الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية لدفع عديد الدول العربية على إبرام "اتفاقيات سلام" وإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فضلا عن إبرام اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والأمني معها، وهو ما تم بالفعل مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. وهكذا تحول التطبيع العلني مع إسرائيل إلى شكل من أشكال التنسيق أو التحالف الضمني الموجه ضد إيران ومحور المقاومة، وهو ما تجسَّد في الصراعات الدائرة بالوكالة بين الجانبين في اليمن ولبنان وسوريا والعراق، حتى في فلسطين وخاصة في قطاع غزة.

س ـ شكلت العلاقة بين حركتيْ "فتح" و"حماس"، وهما أكبر فصيليْن للمقاومة الفلسطينية، إحدى المعضلات السياسية الكبيرة في تاريخ القضية الفلسطينية، كما أفرزت تلك العلاقة، خلال العقدين الماضيين، انقساما حادّا في الحركة الوطنية الفلسطينية، على المستويات كافة؛ السياسية والاجتماعية والجغرافية والديمغرافية والمؤسسية، وانعداما واضحا للثقة بين الطرفين، الأمر الذي قاد إلى إحداث شروخ عميقة في العلاقات الفلسطينية الوطنية، وحالة من الاستعصاء في رأب الصدع، وتسوية الخلافات بينهما، فكيف تحلل هذا الانقسام بين السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس وحركة "حماس"، الذي أدَّى إلى ضياع المشروع الوطني التحرري؟


 ـ أعتقد أنَّ الخلافات بين "فتح" و"حماس" ليست مجرد انقسامات، بل هي تترجم عن تناقض جوهري في الخيارات حول سبل التعاطي مع إسرائيل وما يسمى بمسيرة السلام. وهو ما أدَّى في مرحلة ما إلى الاقتتال الذي أفضى إلى سيطرة "حماس" على قطاع غزة، ولم يتسن رأب هذا الصدع رغم محاولات الوساطة المصرية العديدة؛ لأنَّ الخلاف خرج في تقديري عن الدائرة الفلسطينية، وذلك بعد دخول إيران على الخط وانخراطها المباشر في تقديم الدعم العسكري والتكنولوجي والمالي لحركات المقاومة المسلحة في غزة، لتمكينها من الصمود في مواجهة الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وهو السيناريو نفسه الذي حصل في جنوب لبنان مع حزب الله، الذي أقر أمينه العام بأنَّه ساعد على نقل الأسلحة والتكنولوجيا الحربية الإيرانية إلى قطاع عزة. 

وهكذا، تسنَّى لإيران تمديد دائرة نفوذها في العالم العربي، في ظل الفراغ الناجم عن الاستقالة العربية الجماعية عن قضايا الأمة وانخراطها في الصراعات والحروب الأهلية الداخلية التي لا طائلة من ورائها. ولا يجوز أن نلوم إيران على سياساتها الإقليمية والدولية التي تهدف بالدرجة الأولى للدفاع عن مصالحها في صراعها الوجودي مع إسرائيل والكتلة الغربية، التي تعتبر إيران العقبة الأخيرة أمام بسط نفوذها على كامل المنطقة.

س ـ حتى لو كان صعود حركة "حماس" بالمعنى التاريخي متواصلا كجزء من صعود التيارات  الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، فإنه من الصعب جدا في ظل تمزق المقاومة الفلسطينية بين سلطتين عاجزتين عن مواجهة "إسرائيل"، ومسؤولية ذلك تقع أساسا على فريق أوسلو الذي كاد يودي بالقضية الفلسطينية، استبدادا وفسادا وتنازلات (أمام "إسرائيل" وأمريكا لا أمام الشعب الفلسطيني)، لكنها تقع أيضا على اليسار الفلسطيني المفكك والمهمش بوعود محمود عباس، وعلى نهج "حماس" المعكوس الذي يستعدي ـ تدريجيا ـ فئات متزايدة من الفصائل والشخصيات الوطنية الفلسطينية، فإنه من الصعب جدا على حركة "حماس" بعد ما تماهت تماما مع مرحلة التحرير الوطني، وذاقت طعم السلطة، أن تكون قادرة على استمرار الاحتفاظ بديناميكيتها كحركة مقاومة وطنية، خاصة بعد تبنيها مقولة التسوية بإقامة الدولة الفلسطينية في حدود سنة 1967؟


 ـ أعتقد أنَّ السلطة الفلسطينية هي التي تتحمل المسؤولية الكبرى في ما آلت إليه الأوضاع في فلسطين المحتلة وفي الساحة الفلسطينية، فضلا عن حالة التهميش الكلي الذي تعاني منه القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي؛ بسبب استمرارها في المراهنة على إحياء ما يسمى مسيرة السلام التي ليس لها في تقديري أساس من الوجود أصلا. وهكذا تسنى للإسلام السياسي المدعوم من إيران أن يبرز في  فلسطين ولبنان واليمن؛ كالمدافع الحقيقي عن القضية الفلسطينية والسد المنيع ضد العدوان الغربي الإسرائيلي ضد الشعوب العربية.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

برتقال يافا "الحزين" ثروة مسروقة 1/24/2022 9:12:46 AM بتوقيت غرينتش