كتاب عربي 21

المهدي بن بركة.. الملاك!

طارق أوشن
1300x600
1300x600

في العام 2009، ألقى حميد شباط حجرا في البركة الآسنة لتاريخ ما بعد استقلال المغرب، والصراعات التي عرفتها صفوف "الحركة الوطنية" بين المنادين بالاستمرار في المقاومة المسلحة، ومن اختاروا العمل تحت سقف الملكية وارتضوها نظاما سياسيا للبلاد. 

يتعلق الأمر بفترة اختصرها شباط، الذي كان وقتها كاتبا عاما للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وهي النقابة العمالية التابعة لحزب الاستقلال، في أربع سنوات انطلقت شرارتها في 1955 وخلفت عددا من الضحايا من القتلى والمعطوبين. 

يومها، لم يتردد الزعيم النقابي، الذي صار بعدها أمينا عاما لحزب الاستقلال، في نعت المهدي بن بركة بـ "القاتل"، محملا إياه وزر اغتيال عدد من المقاومين الرافضين لنهجه السياسي. حدث ذلك وحزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، باعتباره وريثا محليا للمهدي ورفاقه ممن انشقوا عن الاستقلال، شريكان أساسيان في حكومة عباس الفاسي، ما نقل الجدل من الساحة الحزبية إلى داخل الحكومة وإن لم يكن له أي تأثير على استمراريتها، فالمقاعد الوزارية أهم من أي سجال تاريخي، ولو انتهى باتهام "عريس الشهداء" وتقزيمه إلى مجرد "قاتل" للرفاق.

قبلها بسنوات، كان عبد الباري الزمزمي، وهو من أشهر خطباء المغرب وشيوخه، قد نفى عن المهدي صفة "الشهيد" في مقال بجريدة التجديد، التابعة لحزب العدالة والتنمية، في سياق الصراع المرجعي بين الحزبين الممثلين لتوجهين "نقيضين"، وإن لم يمنعهما ذلك من العمل تحت سقف حكومة سعد الدين العثماني، بعد أن جرت تحت الجسر مياه كثيرة اختلطت معها الثوابت والمرجعيات.

مناسبة استحضار هذه المحطات التاريخية، عودة السجال حول شخص المهدي بن بركة، نصف قرن أو يزيد عن اختطافه بباريس واتهام مخابرات دولية عديدة بالمساهمة في ذلك، في ظل غياب أية دلائل مادية، بالنظر إلى امتناع سلطات الدول المعنية عن رفع السرية عن أرشيفها الاستخباراتي المتعلق بالرجل بدعوى "المصلحة العليا للدولة". 

محاولات إقبار الملف المتعلق بالاختطاف وما تلاه، يقابله نشر متقطع لروايات تاريخية مقابلة، كان آخرها مقال صدر عن صحيفة الغارديان البريطانية، يشير إلى احتمالية "عمالة" المهدي بن بركة للمخابرات التشيكوسلوفاكية، بناء على قراءة قام بها باحث جامعي لبعض من الوثائق السرية التي أمكن الوصول إليها. 

وبالرغم من أن المعلومات الواردة في المقال لم تأت بجديد يضاف إلى مقال مشابه كانت صحيفة فرنسية قد نشرته قبل سنوات، فقد كان لاهتمام الغارديان، الصحيفة العالمية العريقة بالموضوع ونشره، الأثر الكبير في خلق حالة جدل دفعت عائلة المهدي وحزبه وأنصاره للتعبير عن الغضب والاستنكار والدفع ببطلان الاتهامات.

القصة وما فيها أن الوثائق التي اعتمدتها الغارديان، نقلا عن جان كورا، الأستاذ المساعد بجامعة تشارلز ببراغ، تشير إلى ارتباط الزعيم اليساري بأجهزة مخابرات عديدة وإلى "عمالته" لصالح المخابرات التشيكوسلوفاكية، بالرغم من أن الوثائق تلك لم تشمل دليلا ماديا وحيدا يحمل توقيع الرجل أو صوته لتبرير الاستنتاجات التي وصل إليها، وهو ما دفع جان كورا، ربما سعيا منه لمنح قراءته بعضا من الصدقية والنزاهة العلمية، إلى تأكيد أن مكتب المخابرات التشيكوسلوفاكية لم يصنفه كعميل، بل اعتبره مجرد جهة اتصال سرية تقدم معلومات وتتلقى مقابلها مبلغا ماليا.

 

محاولات إقبار الملف المتعلق بالاختطاف وما تلاه، يقابله نشر متقطع لروايات تاريخية مقابلة كان آخرها مقال صدر عن صحيفة الغارديان البريطانية، يشير إلى احتمالية "عمالة" المهدي بن بركة للمخابرات التشيكوسلوفاكية، بناء على قراءة قام بها باحث جامعي لبعض من الوثائق السرية التي أمكن الوصول إليها.

 



هنا يأتي السؤال عن تعريف العمالة وحدودها. فأن يتحول المرء إلى مصدر معلومات، وإن كان بمقابل مالي، فأمر شائع لعل جان كورا ذاته يدخل في إطاره وهو يسلم للغارديان وثائق حصل عليها أو اكتفى بمنحها قراءته الشخصية وتحليله العلمي لها بمقابل مادي، ليصبح بذلك مصدر معلومات مؤديا عنها. صحيح أن كورا لم يتعامل مع جهاز مخابرات بشكل مباشر، لكن ما الذي يضمن ألا يكون أحد ممن عرض عليهم الوثائق والتحليل قبل أن تقبل الغارديان بنشرها عميلا مخابراتيا؟ 

العمالة في حقيقة الأمر تسريب لمعلومات سرية بغرض الإضرار بمصالح الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية لجهاز مخابراتي، مقابل عائد مادي أو حماية أو قناعة إيديولوجية أو غيرها. وإلا فإن كتاب الرأي والصحفيين الاستقصائيين والمشاركين في الندوات والنقاشات ومحرري الأوراق البحثية في مكاتب الدراسات، وغيرهم من العاملين في المؤسسات الأهلية عملاء استخباراتيون يتقصون المعلومة ويحللونها ويخرجون باستنتاجات، لا تقل عما تقوم به المخابرات وجيوشها من المحللين والخبراء.

عندما قدمت الدولة المغربية الصحفي عمر الراضي أمام المحكمة، كانت صحيفة الاتهام الموجهة إليه تضم، بالإضافة لتهمة الاعتداء الجنسي، "الاشتباه في تلقيه أموالا من جهات أجنبية بغاية المس بسلامة الدولة الداخلية، ومباشرة اتصالات مع عملاء دولة أجنبية بغاية الإضرار بالوضع الديبلوماسي للمغرب".

دافع عمر الراضي عن نفسه بالقول؛ إنه تعامل مع من أسمتهم النيابة العامة "عملاء أجانب" بصفاتهم كمسؤولين في شركات تعمل في الاستشارات الاقتصادية، باعتباره صحفيا متخصصا في الاقتصاد طُلِب منه إنجاز دراسات في الاتجاه. كما أكد أن التمويلات التي تلقاها من مؤسسة دولية كانت عبارة عن منحة لإنجاز عمل صحفي. 

وعندما ألقت السلطات التركية، قبل أسابيع، القبض على "شبكة جواسيس" تعمل لصالح الموساد، دافع بعض من المعتقلين عن النفس بالقول؛ إن ما فعلوه مجرد إنجاز لدراسات ميدانية لصالح مؤسسات أجنبية مقابل أتعاب. أما في مصر، فلا يزال مرشد جماعة الإخوان المسلمين وعدد من قادتها يحاكمون بتهم التخابر مع حركة "حماس"، التي لا تكف سلطات البلد السياسية والأمنية والعسكرية عن تبادل المعلومات معها للتنسيق مع أجهزتها أو التواصل مع قادتها في أضعف الأحوال.

 

أي مصلحة للعالم اليوم ولصحيفة الغارديان من الحديث عن المهدي بن بركة عن نشاطه السياسي؟ وأي خطر يشكله الرجل ميتا ولا تراثه السياسي الذي انتهى في المحصلة إلى لا شيء؟

 



البشير، ابن المهدي بن بركة، لم يجانب الصواب عندما تحدث عن خلل منهجي في القراءة "الاختزالية" التي قام بها جان كورا للوثائق الاستخباراتية التشيكوسلوفاكية، حين أغفل ربط ما يمكن أن تكون قد حوته من معلومات، خطّها عميل مخابراتي مكلف بالتجنيد ووجّهها لرؤسائه في العمل، "دون ربطها بالسياق الجيوسياسي للفترة المعنية، حيث كانت براغ مقرا للمنظمات الدولية التقدمية، وكان لزاما على القادة السياسيين للمنظمات الدولية، مثل منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية، المرور عبرها من أجل الوصل إلى العواصم الأفريقية والآسيوية وكوبا". 

كما ذكّر بالدور الذي كان يؤديه والده في إطار تلك المنظمة، باعتباره منسقا عاما ومسؤولا عن جمع التبرعات. لقاءاته المتكررة مع رؤساء الدول وزعماء منظمات التحرر، جعلته لا محالة هدفا لأجهزة استخبارات ليس رغبة في الاغتيال أو التجنيد فحسب، بل مصدرا للتحليل المبني على دقة معلومات قد تكون تأتت له من جولاته ولقاءاته تلك.

كان بالإمكان أن يمر نشر المقال دون أدنى اهتمام لولا أنها الغارديان، وربما أيضا لحاجة العائلة والأنصار إلى فرصة سانحة لإعادة التذكير بقضية بن بركة التي يكاد النسيان يعتريها، باستثناء الوقفة السنوية أمام مقهى ليب الباريسية، حيث كان الظهور الأخير للمهدي قبل اختفائه الأبدي. 

المهدي بن بركة ليس بـ "المهدي المنتظر"،  وإن كان بعض من أنصاره يعتبرونه كذلك ويعتبرون أنفسهم بالتبعية سدنة المعبد وحماته. هؤلاء وجدوا في المقال المنشور مناسبة للتشكيك في أسباب النزول واعتبار ذلك حملة متواصلة للنيل من الرجل وتراثه وفكره السياسي الذي يقض مضاجع أعداء فكره التحرري، فاعتبروا المقال محاولة للاغتيال المعنوي بعد أن فشل الاغتيال الجسدي في تغييبه في مرافعات حماسية، تحول خلالها المرافعون لخبراء ضليعين في الجاسوسية وكيفية التعامل الأمثل مع مزدوجي الجنسية، بعد أن عابوا على كورا وسم بن بركة بالعمالة للسلوفاكيين، فالسوفيات أولى به وهم القوة العظمى. فأي مصلحة للعالم اليوم ولصحيفة الغارديان من الحديث عن المهدي بن بركة وعن نشاطه السياسي؟ وأي خطر يشكله الرجل ميتا ولا تراثه السياسي الذي انتهى في المحصلة إلى لا شيء؟
 
حزب الاتحاد الاشتراكي، ورفعا للعتب السياسي، أصدر بيانا اعتبر ما تم نشره مجرد "مزاعم لا تستند على أدلة" مستشهدا بخلاصات سابقة للقضاء الفرنسي، وهو الذي تولى حقيبة وزارة العدل في عدة حكومات مغربية، دون أن يحرك ملف اغتيال "زعيمه التاريخي" قيد أنملة إحقاقا للعدالة وإنصافا للتاريخ.


المهدي بن بركة لم يكن ملاكا كما يحاول الأنصار تصويره، وهو بالمقابل لن ينزل لدرك "العمالة" بالشكل الذي صوره مقال الغارديان على الأقل.


التعليقات (0)