آخر الأخبار

ما حقيقة الموقف الأوروبي من أحداث تونس و انعكاساته؟

عربي21- سليمان شعباني الأربعاء، 19 يناير 2022 11:17 م بتوقيت غرينتش

يتابع التونسيون مواقف الأطراف الخارجية من انقلاب 25 تموز/ يوليو بانتباه كبير، خاصة مواقف الدول الكبرى ومنها دول الاتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر الشريك الاستراتيجي لتونس.


خلال الأسبوع الماضي، طالب بعض أنصار الرئيس قيس سعيد، باعتبار سفير ألمانيا في تونس بيتر بروغل شخصية غير مرحب بها، في أعقاب نشر السفارة الألمانية تهنئة للشعب التونسي، عبر صفحتها بـ"فيسبوك"، بمناسبة الذكرى الحادي عشرة للثورة التونسية  مرفوقة بلافتة حائطية كتب عليها "شارع 14 كانون الثاني/ يناير"، في الوقت الذي غير فيه رئيس البلاد تاريخ الاحتفال بذكرى الثورة من 14 كانون الثاني/ يناير إلى 17 كانون الأول/ ديسمبر.

 


في المقابل، أكد وزير الخارجية التونسي، عثمان الجرندي، دعم فرنسا لإجراءات قيس سعيّد في أعقاب لقائه بسفير باريس، ما أثار غضب الأطراف المناهضة للانقلاب.


تردد وحذر


جاء الموقف الأولي للاتحاد الأوروبي من خطاب سعيّد بصفة سريعة، حيث أصدر بيانا بتاريخ 27 تموز/ يوليو 2021، دعا فيه السلطة في تونس إلى "احترام الحقوق الأساسية  واستعادة الاستقرار، واستئناف عمل البرلمان في تونس في أقرب الآجال"، مضيفا: "سنواصل مراقبة تطورات الوضع عن كثب، والأولويات هي الحفاظ على الديمقراطية واستقرار البلاد".


لم يسم الاتحاد الأوروبي ما قام به قيس سعيّد بالانقلاب، لكن شدد في المقابل على أن الحفاظ على الديمقراطية واستقرار البلاد يبقى من أولوياته.


هذا الموقف تلته ردود وبيانات أخرى، آخرها صدر يوم 16 كانون الأول/ ديسمبر 2021 عن الممثل السامي باسم الاتحاد الأوروبي،  والذي رحب بإعلان سعيّد عن رزنامة المرحلة القادمة إلى حدود إنجاز الانتخابات التشريعية في كانون الأول/ ديسمبر 2022، معتبرا تلك الخطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار المؤسسي.


وفي تعليق، قال الرئيس التونسي  الأسبق  محمد المنصف المرزوقي، إن "الأوروبيين ممسكون العصا من الوسط.. ليست لهم الشجاعة والقدرة الكافية للمطالبة بالعودة إلى الديمقراطية"  مضيفا أن " أعضاء الاتحاد الأوروبي نسوا أنه طيلة هذه السنة ستبقى الدولة محكومة بشخص قد يغير رأيه في أي لحظة".


ولاحقا، صدر عن البرلمان الأوروبي موقفا أكثر وضوحا، حيث صوت البرلمان الأوروبي، الخميس 21 تشرين الأول/ أكتوبر، لصالح قرار يدعو إلى "عودة الديمقراطية في تونس بشكل كامل، واستئناف عمل البرلمان في أسرع وقت ممكن"، فيما عبّر أعضاؤه عن "قلقهم العميق إزاء تركز السلطات بشكل كبير في يد الرئيس التونسي، قيس سعيّد"، كما حث البيان على عقد "حوار وطني شامل بشكل فعال، والذي يجب أن يشمل المجتمع المدني".


وفي نفس الاتجاه  أصدر عدد من نواب البرلمان الأوروبي على رأسهم نائب رئيس البرلمان فابيو ماسيمو كاستالدو  بتاريخ 14 كانون الثاني/ يناير  بيانا، أكدوا من خلاله على ضرورة العودة إلى الاستقرار المؤسسي والاستقرار الدستوري في أقرب وقت ممكن، واستئناف النشاط البرلماني، واحترام الحقوق الأساسية، من خلال اللجوء إلى الحوار الذي يجب أن يشمل ممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا  وكذلك المجتمع المدني التونسي".


يتضح من خلال موقف الاتحاد الأوروبي وموقف البرلمان الأوروبي، بالاضافة إلى المواقف الفردية للبلدان الأوروبية، غياب موقف موحد وواضح من مجريات الأحداث في تونس، بالإضافة إلى تميّز الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي في العموم بالتردد و الحذر.


وفي هذا الصدد، أكد أنور الغربي  الأمين العام لمجلس جينيف للعلاقات الدولية والتنمية  ومستشار سابق في رئاسة الجمهورية التونسية لـ"عربي21"،  المستويات المختلفة للموقف الأوروبي في علاقة بتونس، قائلا: "توجد مستويات عدة في التعاطي مع الوضع في تونس".


وتابع: "على مستوى المجتمع المدني والجمعيات، تتزايد يوميا الأصوات المتخوفة من تواصل وضع الاستثناء في تونس، خاصة الاعتداءات على الحريات والتضييق على حرية التنقل والسفر".

 

اقرأ أيضا: الأمم المتحدة تدعو تونس لإطلاق سراح البحيري والبلدي 


وأضاف الغربي: "أما على المستوى البرلماني، طالب مئات النواب، سواء من خلال البرلمان الأوروبي أو نواب حلف شمال الأطلسي أو عبر الاتحاد الدولي للبرلمانيين أو حتى البرلمانات المحلية، بإعادة فتح البرلمان، والقطع مع حالة الاستثناء، فيما ستنعقد نهاية هذا الشهر اللجنة البرلمانية المعنية بشمال أفريقيا؛ للنظر في تبعات تعطيل العمل بالدستور، وتأثيرها على العلاقات التونسية الأوروبية".


وتابع قائلا: "وعلى مستوى مجلس العلاقات الخارجية والسياسات الرسمية، أخذت الإجراءات منحى تصاعديا باتجاه دعم الديمقراطية والتنمية البشرية والحكم الرشيد وسيادة القانون، وهي الخطة التي سيقع العمل على تطبيقها مع تونس".


تطور الموقف الإتحاد الأوروبي من الوضع في تونس يحكمه قدرة السلطة على  التحكم في ملفي الأمن والهجرة أساسا، وقد قدم قيس سعيّد خدمات كبيرة في علاقة بملف الهجرة، إذ كشف مجدي الكرباعي، النائب بالبرلمان التونسي المجمدة صلاحياته عن دائرة إيطاليا، وجود اتفاقية غير معلنة بين وزارة خارجية تونس والسلطة الإيطالية، بمقتضاها تحولت تونس إلى حرس الحدود الإيطالية مقابل الحصول على مساعدات مالية تصل إلى 8 ملايين يورو سنويا.


تزداد المخاوف من قدرة قيس سعيد على إحكام السيطرة على تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية زاد الانقلاب من تدنيها، حيث تفيد تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن أكثر من 70 بالمئة من المهاجرين غير النظاميين لسنة 2021 تمت بعد شهر تموز/ يوليو.


من جانبه، قال حمزة المؤدب باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، في تصريح لـ"عربي21"، إن "الأكيد أن إعلان سعيّد عن خارطة الطريق يأتي استجابة لطلب مهم، ولكن المسار سيبقى محل اهتمام ومراقبة لعدة اعتبارات، أهمها تأثير تدهور الوضع الاقتصادي على الأمن وعلى قضايا الهجرة وعلى الاستقرار في تونس بصفة عامة".


الانعكاسات الاقتصادية 


تعتبر بلدان الاتحاد الأوروبي أهم شريك اقتصادي لتونس، حيث بلغت حجم التبادلات التجارية بين تونس وبلدان الاتحاد الأوروبي عام 2019، 33320.200 مليون دينار  حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء. 


وعلى مدى الفترة الممتدة بين 2011-2016، قدم الاتحاد الأوروبي لتونس مساعدات في شكل هبات تقدر ب 1.271 مليار يورو و800 مليون يورو كقروض. أي ما يقدر مجموعهما ب 2.071 مليار يورو، حسب تقرير صدر عن الإتحاد الأوروبي سنة 2017.


وتواصل دعم الاتحاد الأوروبي لتونس في مجالات التنمية والأمن و

الهجرة وغيرها، أملا في أن تكون تونس تجربة ناجحة ديمقراطيا وتنمويا،بطريقة تتحقق أهدافهم في الحد من الهجرة، والحد من خطر الإرهاب.


ويعود تاريخ آخر قرض صادق عليه البرلمان التونسي الى 21 نيسان/ أبريل2021  وقيمته 600 مليون يورو.


ولم تتجدد النقاشات حول تمويلات إضافية للاقتصاد التونسي منذ ذلك التاريخ، حيث أثر الموقف الحذر للاتحاد الأوروبي على هذه النقاشات، خاصة في ظل غياب برلمان يناقش اتفاقيات التمويل  وتعثر الحوار مع صندوق النقد الدولي.

 

اقرأ أيضا: أحزاب تنقلب على سعيّد.. و"النقد الدولي" يزيده حرجا

يعتبر حمزة المؤدب "موقف الاتحاد الأوروبي من تطور الوضع السياسي في تونس حذرا  وهو ما أثر على مواقفه الاقتصادية ، فقد جعل الاتحاد الأوروبي من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي شرطا لمواصلة الدعم الاقتصادي  هذا من ناحية. من ناحية أخرى طلب في عدة مناسبات وضع مسار تشاركي لإعادة بناء المؤسسات السياسية في تونس، وبالتالي هو يراقب تطور المسار السياسي باهتمام. 


في نفس الاتجاه  ذكر أنور الغربي لـ"عربي21" أنه "تم تطوير برنامج وخطة عمل لست سنوات بين الاتحاد الأوروبي وتونس للفترة 2021-2027، ولكن وقع تأجيل العمل به في الظروف الاستثنائية الحالية وإجراءات التدابير الخاصة".


الانعكاسات السياسية


لا ينتظر التونسيون المناهضون للانقلاب الكثير من الموقف الأوروبي، هذا ما أكده فتحي العيادي النائب بالبرلمان التونسي عن دائرة ألمانيا  ومسؤول العلاقات الخارجية الجديد بحركة النهضة  في تصريحه لـ"عربي21"، حيث قال: "لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي مواقف كثيرة من إجراءات قيس سعيّد، دعما للديمقراطية في تونس  ورغبة في عودة المسار الدستوري للبلاد، بعض هذه المواقف عبر عنها السيد المفوض السامي للاتحاد الأوروبي بعد زيارته لتونس ولقائه بالرئيس، وبعضها عبر عنها البرلمان الأوروبي بعد جلسته الشهيرة، وبعضها عبرت عنها مجموعة سفراء الدول السبع في أكثر من بيان".


وأضاف العيادي: "صحيح أن أوروبا اعتمدت الدبلوماسية الخفية للوصول إلى حل في تونس، لكن تقديرنا أن هذه الدبلوماسية الخفية لم تعد مناسبة لتطور الأوضاع في تونس، سواء من ناحية ازدياد حجم المعارضة لخيارات سعيّد، وحدّة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد، ومن ناحية أخرى حجم الاستهداف الذي تمارسه السلطة تجاه  معارضيها  وانتهاكها المتزايد لحقوق الانسان والحريات".

 

وأكد فتحي العيادي أن كل ما تريده المعارضة من الدول الأوروبية "هو أن تكون في صف الديمقراطية وحقوق الإنسان، وألا تساند انقلاب سعيّد على الدستور والثورة التونسية، وأن ترفع دعمها عن السلطة القائمة في تونس، أما إسقاط الانقلاب  فهو مهمة التونسيين وكل القوى الديمقراطية المؤمنة بالثورة من خلال الحوار والنضال السلمي الشعبي".


من الواضح أن الموقف الأوروبي من الانقلاب في تونس ليس حاسما، والحديث على مراهنة الاتحاد الأوروبي على نجاح التجربة الديمقراطية بات من المسائل غير المسلمة، حيث إن الهاجس الأساسي للأوروبيين هو الاستقرار الأمني، والحد من الهجرة غير الشرعية.

 

من جانب آخر، يتخوف الأوروبيون من تصاعد وتيرة الغضب السياسي والاجتماعي المعارض لسياسات سعيّد، وما قد ينجر عنه من انفلات ينعكس عليهم سلبا.


ومع ذلك، فإن سعيّد يراهن على دعم الاتحاد الأوروبي له، من خلال تمكينه من التمويلات المالية وإسناد ملف تونس لدى صندوق النقد الدولي، في المقابل، لا تنتظر المعارضة من الأوروبيين سوى الوقوف المبدئي مع الثورة التونسية وديمقراطيتها الناشئة.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا