آخر الأخبار

حقوقي جزائري لـ"عربي21": مبادرة لم الشمل لن تنجح

عربي21- طه العيسوي الأربعاء، 15 يونيو 2022 03:33 م بتوقيت غرينتش

قال الحقوقي الجزائري البارز، وأحد الوجوه المعروفة للحراك الشعبي، عبد الغني بادي، إن مبادرة "لم الشمل" التي أطلقها، مؤخرا، الرئيس عبد المجيد تبون "لن يُكتب لها النجاح خارج الإطار الحقوقي؛ فالأزمة في الجزائر سياسية بامتياز، لكن السلطة فاقمت تلك الأزمة وأضافت إليها أزمة حقوقية تضرر منها الكثير من الجزائريات والجزائريين".

وأكد، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "نجاح تلك المبادرة مرهون بمضمونها الذي لم تفصح عنه السلطة إلى الآن"، مضيفا: "لا يمكن لأي مبادرة سياسية أن تنجح في مناخ حقوقي منتكس جدا، لأن الحريات الأساسية هي مفتاح الحل السياسي ودونها الفشل".

ولفت بادي إلى أن "هناك أوساطا شعبية واسعة لا يمكنها أن تقبل بالإصغاء لأي صوت في ظل وضع حقوقي متدهور ومتراجع، حيث أن هناك عددا هائلا من السجناء والمُتابعين قضائيا بسبب نشاطهم السياسي".

وأشار إلى أن "مبادرة لم الشمل هي مبادرة غير مُحددة الأطراف والمضمون؛ فالسلطة تتكلم عن مبادرة وفقط، بينما تركت الناس تناقش ورقة فارغة المحتوى ولا تحتوي إلا على عنوان غامض، وربما تريد السلطة من خلال تأخير إعلان تفاصيل ومضمون تلك المبادرة جس نبض الشارع".

أما بخصوص موقف الحراك من تلك المبادرة، أضاف: "لا موقف لنا من مبادرة مجهولة؛ إذ سيكون لنا موقف واضح عندما تتضح معالمها"، منوها إلى أن "مشاركة الحراك في هذه المبادرة أمر سابق لأوانه ما دام الغموض والتكتم مسيطرا على الموضوع، وسيكون لكل حادث حديث".

 

اقرأ أيضا: لماذا أطلق تبون مبادرة "لم الشمل" في الجزائر؟

مبادرة "غامضة"

فيما عبّر بادي عن استغرابه بشأن الحديث والخوض في مسألة وصفها بأنها "غامضة تماما"، وقال: "أستعجب كثيرا من قيام البعض بتثمين عنوان مبادرة دون أن يكون لها أي محتوى أو مضمون واضح على الإطلاق".

إلا أنه استدرك قائلا: "ليس غريبا أن تلجأ بعض الكيانات السياسية إلى تثمين مبادرة مجهولة؛ فهي عودتنا على شيطنة ما تشيطنه السلطة ومباركة ما تباركه السلطة، حتى ولو كان عنوانا مجهولا. هي نفس ممارساتهم في عهد بوتفليقة، حيث سبق أن باركوا عهدة رابعة وخامسة لبوتفليقة؛ فهؤلاء يؤمنون بأن فلك السلطة يُعد صمام أمان بالنسبة لهم".

وعلّق على لقاءات الرئيس الجزائري الأخيرة بقادة الأحزاب، قائلا: "في الحقيقة تبون التقى أغلب أحزاب السلطة الذين لا يخالفونه الرأي، وبالتالي هو في لقاء مع نفسه؛ فأغلبهم يتماهون تماما مع رؤية السلطة وأجندتها، سواء طُلب منهم ذلك أو لم يُطلب، والسلطة تدرك ذلك جيدا وتعرف تحديدا أين هو بيت الداء".

فتح باب الحريات

وأضاف بادي: "لو أرادت السلطة معالجة الأزمة بصدق لقامت بداية بفتح باب الحريات عبر إطلاق سراح المساجين السياسيين، وفتح باب الممارسة السياسية، والتأسيس لحوار وطني جامع وجاد يعمل على وضع خارطة طريق حقيقية، لكن سلوكيات السلطة نفسها لا تنبئ بذلك على الإطلاق".

واستطرد قائلا: "حتى عهد بوتفليقة كانت السلطة تلجأ لذات الممارسات نفسها كإطلاق حوار كهذا؛ فعندما تشتد الأزمة لدى السلطة تلجأ لاستدعاء الأحزاب التي تدور في فلكها لتعطي انطباعا بأنها جادة في بحثها عن الحلول، وبالتالي فهي وصفة مكررة للأسف تعوّد عليها الناس ولا تأتي بأي علاج".

وحول قول البعض بأن استقبال تبون وفدا عن حزب "جبهة القوى الاشتراكية" (الأفافاس) يمثل تحولا في صفوف المعارضة الراديكالية، قال: "الأفافاس شارك السلطة مواقفها في محطات كثيرة، وشاركها مؤسسات مطعون في شرعيتها على مراحل، ومواقفه اختلفت وتناقضت من مرحلة لأخرى، وموقفه الحالي لم يكن ليُشكّل غرابة لنا، وحتى أن أوساطا شعبية واسعة لم تعد تصف الأفافاس بالمعارضة الراديكالية، وفي نهاية المطاف تبقى للأفافاس وجهة نظره وهو حر في قراراته أيّا كانت".

 

اقرأ أيضا: قيادة الجيش الجزائري تدعم مبادرة الرئيس تبون "لم الشمل"

رحيل النظام الحاكم

ورأى الوجه البارز بالحراك الجزائري أن "تغير قرارات المعارضة مرهون بتغير الظروف الحالية"، متابعا: "سقف مطالب المعارضة كان عاليا جدا في نظر السلطة، وكثير من الطبقة الشعبية ما زالت مُصرّة على رحيل النظام رغم كل القمع والتضييق تجد أن هناك قطيعة بين السلطة والمعارضة الساعية نحو التغيير الجذري".

وأكد بادي أن "السلطة تنتهج قطيعة تامة مع المعارضة الحقيقية؛ فقد وصل الأمر إلى حد تجريم الكثير من السياسيين والأفكار السياسية"، موضحا أن "القطيعة ذات اتجاهين متبادلين بين السلطة والمعارضة الراديكالية، وهذا أمر بات من الصعب التراجع عنه في ظل ظروف الاحتقان والتشنج السياسي والقمع والانتهاكات الحقوقية".

ولفت إلى أنه "لا توجد لدى السلطة إرادة في السعي وراء المعارضة الراديكالية لإقناعها بالمشاركة فيما يسمى بمبادرة لم الشمل، لأن السلطة أخذت مسارا راديكاليا بدورها، ووظفت ثنائية الأمن والقضاء منذ ثلاث سنوات دون أدنى تراجع، بل في منحنى تصاعدي، وهي تعتقد أن التخويف والردع هو الحل".

تبون يمد يده

يشار إلى أنه في 3 أيار/ مايو الماضي، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، بمناسبة اليوم العالمي لحرية التعبير، مقالة مفاجئة قالت فيها إن "الرئيس تبون الذي انتخبه الجزائريون المتطلعون لحلول جزائر جديدة، يمد يده للجميع بصفته رئيسا جامعا للشمل، إلا من تجاوزوا الخطوط الحمراء"، دون مزيد من التفاصيل.

ومنذ الإعلان عن المبادرة أثيرت أحاديث مختلفة وجدل واسع بشأن أبعادها ومآلاتها، وسط ترقب لما ستنتهي إليه.

وحتى الآن، لم تقدم الرئاسة الجزائرية تفاصيل كثيرة عن مضمونها، رغم اللقاءات والمشاورات المختلفة التي أجراها تبون مع الكثير من رؤساء وقادة أحزاب الموالاة والمعارضة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.

وفي 15 أيار/ مايو الماضي، تحدث تبون لأول مرة عن مبادرة "لم الشمل"، خلال لقاء مع الجالية بتركيا في مستهل زيارته السابقة إلى أنقرة، مكتفيا بوصفها إياها بـ "المشروع الضروري" من أجل "تكوين جبهة داخلية متماسكة".

 

الجيش في قلب السياسة

وبسؤال عن رؤيته لموقف الجيش من تطورات المشهد الجزائري، أجاب بادي: "الجميع يعرف أن الجيش كان دائما في قلب السياسة، إن لم نقل الفاعل القوي والحلقة الأقوى والأهم في المعادلة، والجميع تابع تدخلات قائد الأركان الراحل أحمد قايد صالح، ويتابع كيف يصرّح قائد الأركان الحالي في كل المجالات، حيث نرى أن له ظهورا يوميا في وسائل الإعلام الوطنية".

وأردف: "الجيش يُشكّل سلطة فعلية، والجميع يعلم هذا، بينما سلطة الواجهة لها هامش مسموح به في العمل السياسي ومرخص به من طرف السلطة الفعلية. الحياة السياسية في الجزائر ليست مدنية لذلك أصرّ الحراك على شعار دولة مدنية وليست عسكرية، شعار دخل بسببه الكثيرون إلى السجن".

ورأى أن "إبعاد العسكر عن القرار السياسي مرهون بإرادة سياسية حقيقية من طرفهم هم (العسكر)، لكن الأمر ما زال بعيد المنال، وقد يحتاج إلى فترة أطول يُعاد فيها بناء نسيج مجتمعي ينطلق من الإيمان فعلا بضرورة التخلص من فكرة العسكرة وصولا إلى الاقتناع بأن لمؤسسة الجيش صلاحيات واضحة يحددها الدستور تكون خارج الممارسة السياسية بكل وضوح".

عودة الحراك

ونوهّ إلى أن "الحراك قُمع بشكل كبير؛ إذ تم زرع الخوف في وسط الناس؛ فالكثير من الجزائريات والجزائريين سُجنوا بسبب الحراك الذي تم تصنيفه عند السلطة إلى ما تسميه حراكا أصيلا ينتهي عهده بتنصيب تبون، وحراكا مشبوها مُخونا موجّها من جهات بعينها. هكذا صارت السلطة تروّج للحراك، ورغم أنها في الدستور باركته، إلا أنها في الواقع قمعته وجرّمته".

وتابع بادي: "الحراك الآن صار فعلا مُجرّما قد تصل عقوبته إلى المؤبد أو الإعدام، لأن التهم التي ستطال الأشخاص الذين قد يعودون إليه تهم تصل إلى جنايات المساس بأمن الدولة أو حتى الإرهاب"، مضيفا: "أعتقد أنه لا يوجد سبب آخر لعدم عودة الحراك عدا تجريمه وسجن النشطاء بتهم ثقيلة جدا".

ولفت إلى أن "الحراك بالنسبة للنظام يُعد مظهرا من مظاهر الثورة ضده؛ فكل الشعارات التي لم يتصورها النظام صدح بها الحراك الذي قام بتعرية السلطة من خلال إبراز كل مفاسدها وانتهاكاتها وجرائمها"، مشدّدا على أن "النظام يحقد على الحراك حقدا شديدا، لأنه كسر جبروته وسطوته"، وفق قوله.

وتابع: "النظام يعلم جيدا أن الحراك هو وسيلة ضغط قوية قد تكون سببا في رحيله يوما إذا ما طالت أو اشتدت، ولذلك فهو يخشى تأثير الحراك في نفوس الناس، رغم أن هذا النظام في واجهته الحالية وظف شيئا من الحراك لصالحه؛ فلا أحد ينكر أن تبون استفاد من الحراك واستغل خروج الناس ولولاه ما كان ليكون".

وبشأن احتمالية عودة الحراك قريبا، قال: "الحراك تم قمعه بشكل مروع وقاس، وتم تخويف الناس بتهم ثقيلة، لكن الثورات البيضاء هي نتاج مخاض تراكمات أخرى؛ فحراك 22 شباط/ فبراير اندلع على إثر الرفض العارم لعهدة بوتفليقة الخامسة التي اعتبرها الناس إهانة لهم، وقد يتكرر المشهد بتغيرات لا نقدرها ولا نعرفها، لأن الشارع قد يفاجئ السلطة في توقيت سياسي يجمع فيه النظام في ذروة غير مسبوقة بين البشاعة والفشل، مع شعور الناس والإذلال والاحتقار".

إلا أن الحقوقي الجزائري البارز أشار إلى أن "الحراك قد يتخذ أشكالا وطرقا وصورا أخرى مستقبلا، فلا أعتقد أنه سيتكرر بنفس الأشكال".

 

اقرأ أيضا: مشاورات جديدة بالجزائر وتبون يلتقي سياسيين لأول مرة منذ عام

قمع غير مسبوق

وأكد أن أوضاع حقوق الإنسان في عهد تبون أسوأ بكثير مما كانت عليه في عهد بوتفليقة، خاصة في عهداته الأخيرة مع بداية ما سمي بالربيع العربي. بوتفليقة سمح بهامش صغير من حريات متعددة تمثلت في التظاهر والإعلام والرأي والفكر، بينما الآن الكل قمعي عند السلطة، ومجرد منشور في منصات التواصل الاجتماعي يضعك أمام مساءلة جنائية بتهم ثقيلة جدا".

وأردف: "حتى من الناحية التشريعية، سارع تبون ومَن معه، إلى سنّ ترسانة قانونية قمعية تحجر على الفكرة السياسية، وهذا لم يحدث مطلقا في زمن بوتفليقة، ومع ذلك فأنا أرى أن عهد بوتفليقة هو الذي مهد لهذا التهالك الحقوقي، كون بوتفليقة، ومَن معه، ساهموا في تحضير أرضية لكل هذا القمع".

ونوّه بادي إلى أن "بوتفليقة لم يؤسس لدولة الحق والقانون، بل أرادها دولته هو، دولة الشخص مع كثير البهرجة والتهريج، وبالتالي نحن ندفع فاتورة عهد بوتفليقة غاليا، وعلى كل الأصعدة، خاصة الحقوقية منها".

وانتقد دعوات تقنين نشاط "المؤثرين" على مواقع التواصل في الجزائر، وقال: "التقنين الذي يكون أساس تحقيق الأمن القانوني هو تقنين إيجابي وصحي، إن لم نقل إنه بات ضروريا، لكن أن نضع تقنينا وتشريعا بقصد الحد من مساحة الحريات والقمع عن طريق القانون والقضاء فهذه بشاعة تشريعية تضر ولا تنفع، ولا تؤسس لأي شيء".

بينما شدّد الحقوقي الجزائري على ضرورة "وضع قوانين تضبط وتنظم مشهد الإعلام والفضاءات الافتراضية، حتى لا تُستغل في تجاوزات وجرائم تمس بالفرد والوطن".

حركتا "رشاد" و"الماك"

كما انتقد قيام الرئاسة الجزائرية بوضع حركتي "رشاد" و"الماك" على قائمة "المنظمات الإرهابية"، مؤكدا أن "الإرهاب له تعريف في العهود والاتفاقات الدولية، وكثير من المؤتمرات تطرقت إلى تعريفه، والإرهاب يرتبط باستخدام العنف والجرائم التي تستهدف الناس، لكن النظام الجزائري استهدف واتهم نشطاء (رشاد) و(الماك) بالإرهاب، حتى قبل تصنيفهم كمنظمات إرهابية ودون تبيان أعمال عنف قاموا بها".

واستطرد بادي قائلا: "يختلف كثير من الجزائريين مع توجه حركتي (رشاد) و(الماك)، لكن وصفهم بالإرهاب دون إبراز الأعمال الإرهابية أمر يدعو للتعجب والاستغراب".

وأكمل: "في العالم، كل الدول تنفي وجود حركات إرهابية على أراضيها لتفتح البلد على الاستثمار، سياحة وصناعة واقتصادا، أما عندنا للأسف لا نعاني من أي أعمال إرهابية والحمد لله، لكن النظام يُصرّ على وجود إرهاب ومحاكمات وخلافه".

وأردف: "واضح أن التوظيف الأمني والمقاربة الأمنية للأزمة السياسية هي التي دفعت النظام للبحث عن كل ما من شأنه الزّج بخصومه في متاهة الإرهاب لردعهم وتأزيم الوضع لديهم".

وحركة "رشاد"، هي منظمة جزائرية معارضة للنظام ذات توجه إسلامي، تأسست عام 2007 في أوروبا، وأبرز قياداتها مراد دهينة، ومحمد العربي وعباس عروة ورشيد مصلي، ويعيش هؤلاء القيادات بين سويسرا وبريطانيا، حيث تمارس الحركة أنشطتها من خارج البلاد.

أما حركة "استقلال منطقة القبائل" المعروفة اختصارا بـ"ماك" فهي انفصالية تأسست عام 2002، حيث يتواجد معظم قادتها في فرنسا، وتطالب منذ إنشائها باستقلال محافظات يقطنها أمازيغ شرقي الجزائر، وأعلنت في 2010 من جانبها تشكيل حكومة مؤقتة لهذه المنطقة.

كذلك انتقد بادي استراتيجية السلطات الجزائرية فيما تسميه مكافحة الإرهاب، قائلا: "السلطات تحاول مرة أخرى نقل الخوف للجهة الأخرى بعد أن وجدت نفسها مُحاصرة بسقف عال جدا من المطالب السياسية التي تتمثل في (التغيير الجذري)، و(يرحل الجميع) أو ما أطلق عليه شعبيا (تتنحاو قاع)".

واستطرد قائلا: "الآن الكثير من نشطاء الحراك وجدوا أنفسهم مُتابعين قضائيا بتهم الإرهاب، ولك أن تتخيل أن تهمة الإرهاب تكون على خلفية مجرد منشور على الفيسبوك، بل وصل الأمر إلى أن أي شخص تصله رسالة نصية، حتى لو كانت تافهة، من أي شخص مطلوب لدى السلطات من حركتي رشاد أو الماك سيُتابع بتهمة الإرهاب".

واختتم بادي بقوله: "السلطة تستغل تهمة الإرهاب لقمع النشطاء، ورغم أنها تتراجع نسبيا في الفترة الأخيرة عن التهم المتعلقة بالإرهاب والتي تم إلغاؤها، لكن ما زال الكثير من النشطاء ينتظرون المحاكمة بتهم الإرهاب"، موضحا أن "النظام الجزائري والعالم يعرفون أن التوظيف واضح لتهم الإرهاب ضد النشطاء للأسف".

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا