كتاب عربي 21

نصف الكوب الملآن في صفقة رأس الحكمة!

سليم عزوز
بنود سرية في الصفقة- الأناضول
بنود سرية في الصفقة- الأناضول
ليس الأمر كله سوادا في اتفاق رأس الحكمة، على النحو الذي يعتقده البعض، ومن ثم ذهبوا يتحدثون عن مصير الصفقة إذا منّ الله على مصر بحكم رشيد!

يؤسفني القول بأن مثل هذه الاتفاقات السرية لا يمكن لأي حاكم قادم أن يتحرر منها، فسوف يجد نفسه ملتزما بها، غاية ما في الأمر أنها قد تكون فرصة لكشف بنودها السرية، ولأن الإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، فهذا الاتفاق تجاوز ما حاك في الصدر، وإن خشي طرفاه من اطلاع الناس عليه، وتم إغراقنا في تصريحات هلامية عن أهل الشر الذين يسيئون لهذا الاتفاق، ويقولون إن فيه ما ليس فيه. لا بأس فماذا فيه؟ هنا يلتزمون الصمت وكأن على رؤوسهم الطير!

وقد جربنا الأداء في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة، وكيف أن عموم المرشحين قالوا إنهم ملتزمون بالاتفاقات الدولية التي أبرمها النظام السابق، فلن يكون هناك أمل في تعديل الاتفاق، أو رفض البنود التي تعد إجحافا في حق مصر!

وثالثة الأثافي أن صفقة الإذعان نصت في بنودها على عدم الاحتكام للقضاء المصري، فجهة الاختصاص هي القضاء الأمريكي، وندرك بطبيعة الحال أنه في حالة تصدى القضاء المصري لهذا الاتفاق الآن، فسوف يفصل بأنه عمل من أعمال السيادة، لكن إذا تغير الظرف السياسي، فساعتها سيكون لكل حادث حديث، ومن هنا أخذ طرفا الصفقة بالأحوط، وتم النص على الاحتكام للقضاء الأمريكي إذا شب نزاع فيما بعد، كما أن الابتعاد عن القضاء المصري سيضمن لبنودها السرية، وكان يمكن تحصين الصفقة الآن بحكم قضائي يسبغ الحماية عليها، فإذا تغير النظام السياسي، وتم اللجوء للقضاء المصري، يمتنع عن إعادة نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها.
الحكومة تكتفي بالقول إنها لم تبع الأرض للجانب الإماراتي، ولا ترد على طبيعة علاقة القوم بأرض المشروع، إن لم تكن بيعا وشراء، هل بنظام حق الانتفاع مثلا؟ وإذا كانت مصر دخلت شريكا في المشروع بالأرض، على أن يقوم الإماراتيون بالمجهود؛ أي بالكلفة المالية اللازمة، من بناء وتشييد، فلماذا يدفعوا كل هذه المليارات؟ مقابل ماذا؟!

ولعل هذا يؤكد أن أخطر ما في هذه الصفقة هو الحرص على سرية بنودها، وقد أخذ البعض على أداء القوم عدم عرضها على البرلمان، مع أنهم يضمنون تماما أنها لو عرضت عليه (بتشكيله المعروف) فسوف تحصل على الموافقة في غمضة عين، وتكون السلطة قد وضعت لمعارضيها العربة أمام الحصان، ولن تجد اعتراضا لا يرتب أثرا كالذي حدث من مجموعة خالد يوسف، لأنه روعي عند تشكيل مجلس النواب الحالي التخلص من الشوائب ومن يمكنه أن يحيد عن الصراط، دعك من الأصوات العالية داخله، والهجوم على وزير التموين، فهذا جزء من مخطط إثبات حدة الأزمة الاقتصادية، ليقال بعد ذلك إن صفقة رأس الحكمة نجحت في التغلب عليها!

لكن الذي حال دون إقدام السلطة على القبول بهذا التحدي؛ بعرض الصفقة على البرلمان لتمريرها، هو أنها تستر بنودها بطرف ثيابها!

طبيعة العلاقة مع الأرض:

إن الحكومة تكتفي بالقول إنها لم تبع الأرض للجانب الإماراتي، ولا ترد على طبيعة علاقة القوم بأرض المشروع، إن لم تكن بيعا وشراء، هل بنظام حق الانتفاع مثلا؟ وإذا كانت مصر دخلت شريكا في المشروع بالأرض، على أن يقوم الإماراتيون بالمجهود؛ أي بالكلفة المالية اللازمة، من بناء وتشييد، فلماذا يدفعوا كل هذه المليارات؟ مقابل ماذا؟!

في الدعاية الأولى للمشروع، قيل إنه تحالف اقتصادي وأن شركة إماراتية جزء منه، وتمت تسمية الشركات الأخرى بالاسم (راجع المكالمة الهاتفية لخيري رمضان)، لكن الآن لا حديث عن هذا التحالف، فالإمارات هي الحاضرة منفردة في المشهد!

هذا ناهيك عن أنه في حال بيع الأراضي (وهو الإجراء المعقول)، فلا نعرف كيف تم تقييمها لنصل إلى سعر عادل، ومن ضمن الدعاية للمشروع أن هذا السعر عادل وجيد، بحسب وصف عمرو أديب له، فمن يقرر أنه سعر عادل وجيد، والأصل أن الحكومات ليست تاجر أو سمسار أراضي؟ ولماذا لم يتم التوصل إلى جهة محايدة لتقدير قيمتها، إذا رأى القوم بيعها للإمارات بالأمر المباشر؟!

نصف الكوب الملآن:

عموما، هذا هو نصف الكوب الفارغ، فماذا عن نصفه الملآن؟!

لقد أسرف الانقلاب العسكري في منح أراضي مصر وتخصيصها لصالح الجيش، ليكون هو المالك الوحيد لكامل التراب الوطني، وكأنه جيش نشأت له دولة، وليس مؤسسة من مؤسسات الدولة الحديثة، هذا ناهيك عن مشروعات كثيرة أوكلت إليه، وكان الحديث يدور دائما حول أن العسكر لن يسمحوا بمدنية الدولة خوفا على اقتصادهم، وهو كلام لنا فيه وجهة نظر، لا تتسق مع رأي الآخرين، وصحة رأيهم تجعل من الحاكم المدني في المستقبل يده مغلولة، ولا بد من أن يطمئن الملاك على أملاكهم، فيبرم صفقة معهم تكون يده فيها هي السفلى!

أسرف الانقلاب العسكري في منح أراضي مصر وتخصيصها لصالح الجيش، ليكون هو المالك الوحيد لكامل التراب الوطني، وكأنه جيش نشأت له دولة، وليس مؤسسة من مؤسسات الدولة الحديثة، هذا ناهيك عن مشروعات كثيرة أوكلت إليه، وكان الحديث يدور دائما حول أن العسكر لن يسمحوا بمدنية الدولة خوفا على اقتصادهم، وهو كلام لنا فيه وجهة نظر
لقد استغل الجنرالُ الرئيسَ المنتدب المستشار عدلي منصور، فوقّع على الكثير من القرارات التي تمكن القوم من ذلك، والمضحك أنه لم يكن يُفاتَح في هذه القرارات قبل وصولها إليه للتوقيع، ولو من حيث كونه رجل قانون، وليس رئيسا، وكان يصف هذه الرشقة من القرارات بأنها "من فوق"، والأصل أنه لا يوجد فوق الرئيس إلا سقف القصر الرئاسي!

وقد أكمل الجنرال المهمة بهذا بمثل هذه القرارات عندما تولى السلطة، فتم إدماج الجيش في الحياة المدنية، وفي أعمال مدنية خالصة وصلت ذروتها بهذا الهتاف: قائد مقاتل على خط البلطي، وقائد مقاتل على خط السمك البوري، وقائد مقاتل على خط الجمبري، وهكذا، وهي المشروعات التي لم تحقق الاكتفاء الذاتي، ولكنها أدت إلى ارتفاع أسعار الأسماك وغيرها بشكل مبالغ فيه وغير مسبوق!

وإذا كان صندوق النقد الدولي متساهلا في الاستجابة للديون في العصر الحالي على نحو لم يتحقق لنظام مبارك على مدى ثلاثين عاما، فإن إصراره على إبعاد الجيش عن الاقتصاد، والاستجابة ولو بشكل بطيء لهذا التوجيه، أمر لو استمر فسوف نعود به إلى حدود ما قبل تموز/ يوليو 2013!

لقد قرأنا القرار الذي أصدره الجنرال ونُشر في الجريدة الرسمية، عن نقل ملكية أرض رأس الحكمة، من القوات المسلحة إلى هيئة المجتمعات العمرانية، تمهيدا -بطبيعة الحال- لانتقال ملكيتها لصاحب القسمة والنصيب، وهي خطوة سوف تتكرر على أكثر من صعيد، تنفيذا لتوجيهات صندوق النقد الدولي، وعلى أساس أنه ما يلزم لوقف عسكرة الاقتصاد.

جدارة العسكر بالحكم:

ولا شك أنه فيما يحدث من وضع النقاط فوق الحروف، ليس للعامة فقط، ولكن لقطاع كبير من النخبة، سيعدل مسار التسليم بجدارة العسكري بالحكم، لأنه المنقذ، بحكم طبيعته، ولأنه من يحافظ على التراب الوطني، فهذه النظرية ستسقط، وهي نظرية تمثل احدى التحديات في طريق التحول الديمقراطي!

لقد رأينا كيف أنهم عندما أرادوا صناعة شعبية للمشير محمد حسين طنطاوي، ادعوا أنه من أوقف نزيف بيع القطاع العام، وأنه ضرب على الطاولة في اجتماع مجلس الوزراء في نهاية عهد مبارك، والقوم يناقشون بيع أحد البنوك، وقال: كفاية، فأرهبهم وتوقف البيع.. يومئذ سألت: ولماذا لم يضرب بيده هكذا منذ البداية، ما دام النزيف كانت ضربة يد كفيلة بمنعه، وإثارة الفزع لدى الحكومة؟!

ذلك بأن الرأي العام كان ينظر لسياسة بيع القطاع العام على أنها جريمة، وها هم يرون أن من يفعل هذا الآن هو الحاكم العسكري، فضلا عن أن لدى المصريين حساسية شديدة من بيع الأرض، ولهذا عندما أراد الرئيس السادات الدخول في معاهدة السلام مع إسرائيل، والتخلي عن القضية الفلسطينية، كانت أبواقه الإعلامية تعيد وتزيد بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم فماذا نفعل لهم، فرسخت الدعاية واستقرت في وجدان الناس. ولعل من المفارقات أنهم الآن يشاهدون الفلسطينيين وهم يموتون على أرضهم، ويرفضون سياسة التهجير والوطن البديل، في وقت يحدث فيه البيع في الضفة الأخرى من النهر!

وهذه الحساسية هي التي دفعت إلى إشاعة أن الرئيس محمد مرسي باع منطقة مثلث ماسبيرو للقطريين، باعتبارها من دعايات الاغتيال المعنوي له!

وعندما يرى المصريون أن الرجل لقي ربه دون أن يبيع مثلث ماسبيرو للقطريين أو غيرهم، وأن من أقدم على ذلك هم، دون أن يغيروا في اتجاهات الرأي العام لتقبل الأمر، فإنهم هنا يكونوا قد وضعوا أنفسهم في موضع لا يجوز أن يراهم الناس فيه!
عن قريب سيقف الناس على أن كل ما جرى من خفض إعلامي للأسعار والعملة الأجنبية، ومن حديث عن تحقيق الرخاء عن طريق صفقات البيع، هو الوهم بشحمه ولحمه، وكلما طال الأمد على الجنرال في الحكم، سيقف الناس على أن الدعاية لا تغني عن الحق شيئا

إنهم هنا يرون أن تمرير هذا التوجه الجديد بسبب الضائقة الاقتصادية، وقد يرى البعض أن المضطر يركب الصعب، وأنه لا مانع مما جرى ما دام هذا سيكون سببا في خفض الأسعار، وحل أزمة الدولار، وتوفير فرص عمل، حيث قالت الدعاية الحكومة إن مشروع رأس الحكمة سيوفر ملايين فرص العمل، فإنهم -مع ذلك- سيستقر في وجدانهم أن من رماهم على المر هو الأكثر منه مرارا، والذي تسبب فيه الفشل وإهدار القروض في صحراء التيه، بدون خطة، أو دراسة جدوى، أو وضع الشعب في الصورة!

وعن قريب سيقف الناس على أن كل ما جرى من خفض إعلامي للأسعار والعملة الأجنبية، ومن حديث عن تحقيق الرخاء عن طريق صفقات البيع، هو الوهم بشحمه ولحمه، وكلما طال الأمد على الجنرال في الحكم، سيقف الناس على أن الدعاية لا تغني عن الحق شيئا.

ومع حديث ملايين فرص العمل التي سيوفرها المشروع، لم نعرف إن كان قد تم النص في الاتفاق على أن الاستعانة بالعمالة المصرية هو الأصل، أم سيكون المشروع جزءا من الدولة الإماراتية فيقدم عليهم الروس، والفلبينيون، والبنغال!

لكن هذا يندرج ضمن نصف الكوب الفارغ، ويهمنا هنا أن نصفه الملآن عندما يبدأ المشروع في العمل لن يغير من معدلات البطالة في البلاد، ولم نعرف بعد إن كانت الشركات المصرية والهيئة الهندسية هي من ستشيد المشروع أم ستتم الاستعانة بشركات أجنبية!

إن كل هذا سيقود إلى أن يؤمن الشعب؛ العوام منه قبل النخبة، بحتمية التحول الديمقراطية، وأن الحكم صنعة من اختصاص المدنيين، وأن غيرهم تكلم في غير فنه فأتى بالعجائب!

لا تحسبوه شرا لكم!

twitter.com/selimazouz1
التعليقات (0)