قضايا وآراء

ضوء الأضواء الذي جاء غزة.. من "أقصى المدينة"

هشام الحمامي
حراك الجامعات الأمريكية يتسع يوما بعد يوم- منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين
حراك الجامعات الأمريكية يتسع يوما بعد يوم- منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين
".. ما رأيته في أكبر جامعات أمريكا ما كنت أصدقه لو لم أره بنفسي، تضييق وانتهاكات وفض بالقوة واعتقالات وعنف وتخويف وتهديد وشيطنة للمحتجين على الحرب، وترهيب لوسائل الإعلام غير الحليفة والتضييق عليها.. تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها مؤلم وفاضح للسردية الكاذبة، وهذا سر هذه الهستيريا".. هكذا علق الصديق الكريم عبد الفتاح فايد، مراسل قناة الجزيرة في أمريكا، على حركة طلاب الجامعات الأمريكية الفائرة الثائرة ضد إسرائيل والغرب، وما تفعله إسرائيل باسمهم واسم حضارتهم في غزة، من إبادة جماعية وتقتيل وتهديم وتدمير لكل شيء، كل شيء بالمعنى الحرفي و"التلمودى" إذا أردت.

* * *

وإذا كان الطلاب الآن يعكسون "القلب الجماعي" النابض بالحزن، الموغل في الألم على ما يرونه في غزة، فما سيفعله بعض الأساتذة سيكون بطبيعة الحال أعمق وأوسع تأثيرا، وسيكون هذا التأثير في مداه المديد حين يأتي صوته من عمق الأعماق، من شخصية يهودية جامعية مثل نعومي كلاين.. والتي ستستدعى في خطاب لها أهم وأخطر وأقوى ساعة في "تاريخ الشخصية اليهودية".. بل وفي تاريخ الإنسانية إذا جاز لنا أن نعتبر أن الشخصية اليهودية ما هي الا الشخصية الإنسانية في ضيقها وتمردها.. كما قال لنا أستاذ كل الأجيال د. عبد الوهاب المسيري (ت: 2008م) رحمه الله.
إذا كان الطلاب الآن يعكسون "القلب الجماعي" النابض بالحزن، الموغل في الألم على ما يرونه في غزة، فما سيفعله بعض الأساتذة سيكون بطبيعة الحال أعمق وأوسع تأثيرا، وسيكون هذا التأثير في مداه المديد حين يأتي صوته من عمق الأعماق

الحاصل أن د. كلاين ستحدثنا عن ساعة رجوع سيدنا موسى عليه السلام من ميقات ربه، إلى حيث وجد قومه الذين كان قد غادرهم للتو، وأخاه هارون بينهم. ذهب ليعود، أي ذهاب كان، وأي عود سيكون..!

ستقرأ لنا صاحبة كتاب "عقيدة الصدمة" ناعومي كلاين (54 عاما) هذه الساعة قراءة أخرى، قراءة تمثل "ضوء الأضواء" كما يقولون: ".. كنت أفكر في موسى، وغضبه عندما نزل من الجبل، ليجد بني إسرائيل يعبدون "عجلا ذهبيا"، هناك طريقة أقل حرفية لفهم هذه القصة، فالأمر يتعلق بالأصنام الكاذبة، يتعلق بميل الإنسان إلى عبادة ما هو دنيوي ولامع، والنظر إلى الصغير والمادي، بدل الكبير والمتعالي.."..

وتكمل كما جاء في خطابها الذي نشرته الجارديان البريطانية يوم الأربعاء الماضي (24 نيسان/ أبريل) ".. لا نحتاج ولا نريد وثن الصهيونية، نريد التحرر من المشروع الذي يرتكب الإبادة الجماعية باسمنا، نحن نسعى للتحرير من الدولة العرقية التي تريد أن يشعر اليهود بالخوف الدائم، حتى نركض إلى حضنها وتحت قبتها الحديدية.. لا يقتصر الأمر على نتنياهو.. بل العالم الذي أوجد نتنياهو.. عالم الصهيونية..".. هكذا قرأ العالم كله تلك الكلمات من امرأة يهودية.. لا تمثل ذاتها الشخصية أو الموضوعية أو العلمية فقط، بل تمثل الإنسانية كلها، الآن وأكثر من أي وقت مضى.

* * *

وسواء كان الإنسان يدرك الكذب أو لا يدركه، فإنه دائما على وعى بأنه على مشهد منه..

هكذا سيكون علينا في هذه الأيام، ونحن نتابع الحراك الذي يتسع كل يوم في الجامعات الأمريكية، أن نستعيد بالذاكرة مشهد مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة جلعاد إيردان (53 سنة) وهو يرد على النبيل البرتغالى أنطونيو جوتيريش (75 عاما)، أمين عام الأمم المتحدة، يوم 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي حين قال: "7 أكتوبر لم يحدث من فراغ".. قائلا له بكل ما يحمله طابعه من كراهية مكنونة للبشر: "أين تعيش يا رجل؟"..

ولن يكون مهما هنا أن نسأل عن شعوره وهو يرى ما يراه العالم.. وأين؟ في جامعات أمريكا.. بل وفي أكثرها وصلا واتصالا بهذا الصراع، جامعة كولومبيا، جامعة إدوارد سعيد (ت: 2003م) صاحب أحد أهم الأعمال الفكرية في القرن الماضي، كتاب "الاستشراق" الذي صدر سنة 1978م، والذي -وياللمفارقة- كان ينتظر 7 أكتوبر لتُقرأ صفحاته سطرا سطرا، وتتلى فصوله فصلا فصلا، في وجوه وعيون وتصريحات بايدن وبلينكن وسوليفان وباقي الجوقة في أوروبا..

كيف يجرؤ جوتيريش ويربط في هذا الصراع التاريخي الطويل أحداثه ببعضها بعضا؟ ما جاء منه، وما بُنى عليه..؟!!

لا أصل عندهم للصراع، ولا حروبه، ولا قراراته الأممية، ولا مؤتمراته الدولية، ولا أي شيء يمنحه قوة وامتلاء وزخما وحقا حقيقا..

القصة كلها بدأت يوم 7 أكتوبر، حيث كان السلام والرخاء يفترشان كل أراضي الضفة وغزة، بل وكانت الأمن والأمان يعمان المكان كله!!
إسرائيل/ الغرب، لا يريدان لأي شيء لهما فيه مصلحة كبرى وهامة، أن يتخذ أي شكل من "الوحدة والاتصال"، لأن هاتين الصفتين تمنحان أي حقيقة (مادية أو معنوية) قوة وصلابة، وتظهر وجه الحق فيها كشمس النهار، وهذه طبيعة الأشياء، كما هي دائما، وكما كانت دائما

لا تعليق بالفعل سوى أن هناك "صفة مفقودة" عند هؤلاء القوم في الغرب، وغائبة تماما في كل ما يقولونه ويفعلونه، وتلك الصفة هي "الإنسانية"!

* * *

وسنتوقف هنا قليلا أمام هسترة وهياج "إسرائيل/ الغرب" من جملة النبيل جوتيريش الشهيرة، والتي ستبقى ما بقي هذا الصراع: "7 أكتوبر لم يحدث من فراغ".

فإسرائيل/ الغرب، لا يريدان لأي شيء لهما فيه مصلحة كبرى وهامة، أن يتخذ أي شكل من "الوحدة والاتصال"، لأن هاتين الصفتين تمنحان أي حقيقة (مادية أو معنوية) قوة وصلابة، وتظهر وجه الحق فيها كشمس النهار، وهذه طبيعة الأشياء، كما هي دائما، وكما كانت دائما.

ولنا أن نتخيل أن إسرائيل، في أحد أهم أدوارها "الوظيفية"، هي لمنع اتصال الشرق الإسلامي بغربه، والذي هو أصلا، وكما سنتذكر، تم منع وحدته واتصاله جغرافيا وسياسيا بكل الألاعيب والمؤامرات، وما كانت قصة سايكس بيكو (1916م) كلها إلا لأن ذلك كذلك.

فهل تتخيل أن يسمح لك أحد بالحديث عن هذا الصراع الخطير كوحدة واحدة، وأحداث متصلة؟ وبما يكسبه قوة وصلابة، تظهر وتبين وجه الحق فيه؟

دعونا نتلو سطرا واحدا من "كتاب الحقيقة" كما حدثت، وكما هي: حماس انتصرت من يوم 7 أكتوبر وانتهت المهمة.. والباقي سينهض به الزمان.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (0)