كتاب عربي 21

الفتنة في خطاب الثورة المضادة

1300x600

مثّل مصطلح الفتنة مقولة مركزية في الخطاب السياسي الذي أعقب ثورات الربيع، بل لقد شكّل حجر الزاوية في أدبيات الجماعات الإسلامية التي ساندت الحركات الانقلابية على الانتفاضات الشعبية. لا تقتصر المقولة إذن على الخطاب الديني نفسه بل تمتد لتشمل أساسا الخطاب السياسي الذي يجعل من المقولات الدينية مستندا لخطابه وأدبياته ومقولاته. فمنذ الموجة الثورية الأولى التي انطلقت من تونس وشملت ليبيا ومصر وسوريا تداعت المرجعيات الدينية والمدارس الفقهية المرتبطة بالسلطة من أجل نزع الشرعية عن الحراك الشعبي بوسائل ومقولات دينية. هكذا وُسمت حركات الجماهير بالفتنة وبأنها شكل من أشكال التحريض ضدّ السلطة وضد المجتمع بشكل لم يكن يخدم غير النظام الحاكم دون غيره. 

الفتنة مقولة دينية سياسية

لا بد من التذكير في البداية أن الثورات التي عرفتها المنطقة لم تكن ذات خلفية إيديولوجية أو فكرية أو عقائدية بل هي حركة انطلقت من رحم المعاناة والإحساس بالفقر والتهميش وكبت الحريات والوعي بالفساد. وهو ما يجعل منها حركة قاعدية عفوية لا تحمل أية خلفية حزبية أو أجندة سياسية مما يمنع شيطنتها ووصفها بالفتنة أو المؤامرة أو غيرها من أوصاف الخطاب السياسي الرسمي. 

 

مثّل مصطلح الفتنة مقولة مركزية في الخطاب السياسي الذي أعقب ثورات الربيع


لكن رغم هذه الخاصية الأساسية فإن خطاب الثورة المضادة لم يتوان في وصفها بأنها حركة منظمة تهدف إلى ضرب الأوطان من الداخل وتقودها جماعات غامضة وغير محددة. هنا تتنزل مقولة الفتنة التي بالغت المرجعيات الدينية الرسمية وغير الرسمية في استعمالها لتصف بها حركة المحتجين في الشوارع والساحات. 

 

الثورات التي عرفتها المنطقة لم تكن ذات خلفية إيديولوجية أو فكرية أو عقائدية بل هي حركة انطلقت من رحم المعاناة


تتأسس المقولة على نواة مركزية تتمثل في تحريم الخروج على الحاكم أو "وليّ الأمر" تحريما مطلقا. وهو الأمر الذي يتأسس عليه تكفير كل من يخرج عن السلطان ويطلق عيه إسم "الخارجي" الذي يعتبر توصيفا خطيرا بالمفهوم الديني للتوصيف لأنه يحيل على مرحلة تاريخية دقيقة ارتبطت بالدماء والقتل في لحظة تأسيس الدولة الاسلامية. 

المقولة إذن تستند على مفهوم مركزي آخر وهو مفهوم الطاعة المستسقى من النص القرآني الذين يأمر بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مثل الآية "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم". فاستنادا إلى النص القرآني تكون طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة ولي الأمر واجبة دون شرط أو قيد حسب تفسير هذه المدارس. 

لكن من ناحية أخرى لم تربط هذه القراءات مطلب الطاعة بسياق الآيات ولا بالشروط الاجتماعية لقراءتها ولا حتى بتراتبية المبدأ وهو ما جعلها تعتبر طاعة ولي الأمر من طاعة الله ورسوله. بل إن من المدارس من رأى أن الطاعة واجبة حتى في ظل الحاكم الظالم الذي يجرم الخروج عليه بأي شكل من الأشكال وهو قول المداخلة والجامية. 

سياق الثورات العربية

الظاهر الأكيد هو أن بروز هذه المقولات وفورتها قد اشتدت خلال الحراك الكبير الذي عرفته المنطقة منذ الانفجار التونسي الكبير. وقد برزت أساسا بُعيد سقوط الأنظمة وعرفت أوجها مع ارتفاع نسق الثورات المضادة في مصر وليبيا وسوريا خاصة. 

ففي مصر لم تنشغل الأطر الرسمية الدينية ممثلة في جامع الأزهر بالمسألة في البداية لأن انتصار الثورة كان كاسحا ولأن الانتخابات قد مكّنت مدرسة دينية أخرى من الفوز بالسلطة السياسية ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين الذين حكموا سنة واحدة تقريبا قبل الانقلاب عليهم. لكن هذا لا ينفي وجود تيارات دينية فاعلة نجحت في شيطنة الحاكم المنتخب ودعت إلى الخروج عليه مثل التيار السلفي ممثلا في حزب النور الذي رأيناه فيما بعد متحالفا مع قائد الانقلاب العسكري. 

أما في ليبيا فقد استند قائد الانقلاب على تيار السلفيين المداخلة في التأسيس لسلطته الجديدة معلنا عداءه الصريح لمن وصفهم بالإخوان تارة وبالدواعش تارة أخرى. فقد تمكنت قوات الجيش الانقلابي من تطويع تيار المداخلة ومن تسليحه ليقاتل إلى جانب المليشيات العسكرية بحجة محاربة الفتنة وأهلها ممثلين حسب مقولاتهم في كل من يعارض سلطة المشير حفتر.

أما في سوريا فلم يكن المشهد مختلفا إلا من جهة بقاء الأسد في السلطة مقارنة بالمشهد الليبي الذي اختفى منه القذافي وعوّضه عسكري جديد. لكن خصوصية الثورة السورية هو انزلاقها إلى المواجهة العسكرية التي فرضها النظام بعد الانشقاقات الكبيرة في صفوفه وتشكيل فصائل مقاتلة تحمل في أغلبها تسميات دينية بشكل جعل كل واحدة منها تدعي أنها الفرقة الممثلة للثورة. رغم كل ذلك اجتهد النظام عبر مؤسساته الدينية في شيطنة قوى الثورة باعتبارها سبب ما حدث من فتنة ومن اقتتال لكنه ربط ذلك بالمؤامرة الخارجية على البلد. 

مقولة الفتنة اليوم

تتجلى رمزية الثورة السورية في ما مثلته من درس لباقي الدول العربية لأنها اُعتبرت التجربة الأقسى في مسارات الربيع، حيث سمحت لباقي الأنظمة العربية التي لم يشملها الربيع بالتحذير من المنوال السوري الذي وصف بأنه درس في الفتنة. ففي السودان وفي الجزائر اللذين يعيشان على وقع احتجاجات شعبية عارمة لا تزال أصوات كثيرة تتهم الحراك الشعبي بأنه شكل من أشكال الفتنة والتحريض على نظام الحكم. وهي العبارات التي استعملها نظام البشير في السودان والناطق باسم الجيش في الجزائر من أن ما يحدث في البلاد مؤامرة وفتنة تخريبية تستهدف الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي. 

لا شك أن الخطاب الديني شكّل مرجعية أساسية في خطاب القوى المضادة للحراك الشعبي فهو جزء من النسيج الثقافي الذي نجح الاستبداد في تطويعه منذ عقود وهو نفس الخطاب الذي كان يبرر سياسة الحاكم ويصبغ عليها صبغة القداسة والشرعية. لكن يبدو من خلال تجدد المدّ الثوري في الجزائر أن هذا الخطاب أصيب بانتكاسة كبيرة خاصة بعد ما شهدته المنطقة من تجاذب كبير بين مرجعيات مختلفة خلال العقد الأخير. وكانت الانتكاسة الأكبر قد حدثت في مهد الخطاب الديني وتحديدا في السعودية التي ارتكب فيها النظام أخطاء كارثية قضت على ما بقي من هيبة المؤسسات الدينية ومرجعيتها الاجتماعية.

 

 

ليست الفتنة في الحقيقة إلا توظيفا سياسيا بمرجعية دينية لمقولة حضارية تجعل من كل الحركات الاجتماعية الشرعية شكلا من أشكال الخروج عن الدين

 
لقد تحولت صورة الدعاة وصورة المؤسسات الدينية مثل الأزهر في مصر وهيئة كبار العلماء في السعودية إلى محلّ تندّر وسخرية من قبل المجتمعات العربية والإسلامية بسبب ارتهانها الكبير للسلطة السياسية وعدائها المعلن لتطلعات الشعوب في التحرر والنهضة. كما أن الواقع الذي خلقته المرجعيات الدينية في العراق مثلا قد ولّد لدى الشعوب وعيا جديدا بالزيف الذي كانت هذه الكيانات تغطي به نفسها طوال عقود طويلة. 

هذا التحول الكبير في صورة المرجعية الدينية هو الذي يعلن عن نهاية مرحلة في تاريخ توظيف الخطاب الديني وعن بداية مرحلة جديدة. ليست الفتنة في الحقيقة إلا توظيفا سياسيا بمرجعية دينية لمقولة حضارية تجعل من كل الحركات الاجتماعية الشرعية شكلا من أشكال الخروج عن الدين وعن المعتقد بشكل يمهد الطريق أمام السلطة السياسية لقمعها ومحاربتها. لكن يبدو أن الواقع الاجتماعي الجديد بصدد التأسيس لوعي ناشئ سيجعل من الصعب تكفيره بمقولات دينية مستهلكة ثبت اليوم أنها ليست غير جزء من سلاح المنطق الاستبدادي وأدبياته.