أفكَار

باحث سوداني: النموذج الإسلامي مؤهل لوراثة النظام الحالي

باحث سوداني: مفهوم السيادة الذي تقوم على أساسه الدولة الحديثة بدأ في التلاشي (عربي21)

لا يزال سؤال ملاءمة الدولة القومية التقليدية لمجتمعات العالم الإسلامي، مطروحا وسط كثير من المشتغلين في هذا الحقل الفكري بما فيهم كتاب التجديد الإسلامي، والمفكرين الغربيين، وذلك ضمن محاولات لإزالة الارتباك المفاهيمي في نماذج النظم السياسية الحديثة التي تدير المجتمعات الإسلامية.

في هذا الإطار، ناقش الباحث السوداني الدكتور محمد المجذوب في ندوة عقدت الأسبوع الماضي في الخرطوم، مشكلات الدولة الحديثة ومبادئ النظام السياسي الإسلامي، وحاول من خلال مفاهيم نظرية وفلسفية وعقدية إثبات امكانية استعادة بناء الحضار الإسلامية، ووراثة النظام العالمي الحالي المهيمن.

ونظمت الندوة ضمن أنشطة لمجموعة الإحياء والتجديد وسط الطلاب الصوماليين الذين يدرسون في الجامعات السودانية، حيث تُعنى المجموعة بمحاولات التجديد في الفكر الإسلامي على كافة الأصعدة من بينها دائرة المعرفة والتعليم والفنون وإعادة بناء الأمة الإسلامية، وتجديد علم الكلام الإسلامي. 

مصير الدولة القومية

ويرى المجذوب، الذي يشغل منصب الأمين العام للمجموعة، أن الدولة القومية التقليدية بدأت تفقد الكثير من بريقها السياسي ومبررات وجودها الفلسفي والتاريخي، الذي كان لها إبان القرنين السابع والثامن عشر الميلادي، بما يعجل من انهيارها كوحدة سياسية تشرح فلسفة الاجتماع السياسي الداخلي، فضلاً عن تراجعها كوحدة سياسية عالمية تقليدية فاعلة قائمة، كونت وعلى مدى قرون الوحدة الأساسية للنظام الدولي الراهن، مما فتح المجال إلى التنظيمات والتجمعات الأممية والمعولمة لتلعب أدواراً أكثر خطورة من أدوار الدولة التقليدية في السياسة الدولية، وهي التحولات التي ستؤدي لاحقاً وبشكل كامل إلى انهيار النظام الداخلي للدولة التقليدية وللنظام الدولي الراهن بشكل متلازم، كما ستؤدي بدورها إلى العديد من الحروب والصراعات المدمرة العابرة للحدود الوطنية بل وللقارات، والتي بدورها ستعيد توضيح ملامح النظام السياسي العالمي القادم، إن كان سيأخذ صورة نظام، وسيعيد ترسيم الجغرافيا السياسية للعالم كونها ستحل محل الخارطة الجيوسياسية الراهنة.

 

الدولة القومية التقليدية بدأت تفقد الكثير من بريقها السياسي ومبررات وجودها الفلسفي والتاريخي

ويقول المجذوب: "إن الحضارة الإسلامية قد تندثر وتذبل ولكنها لا تنقطع لأنها مرتبطة من دون الحضارات بالرسالة الخالدة، وهي قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات وحضارتهم، لأن الدين ليس وليد ظروف وإنما رسالة وهذا مركز قوة الدين".
 
ويعتقد أن الترتيبات الجارية الآن، والتي تعمل عليها النخب السياسية في العالم الإسلامي حول ضرورة إعادة بناء الدولة الوطنية، يجب أن تنظر إلى المقاربات فيما يتعلق بالأطر التنظيمية أو النظريات الاجتماعية أو السياسية التي أنشئت على إثرها الدولة القومية الحديثة أو ما يعرف بدولة المواطن، موضحا أن الاختلاف يقع في المصادر التي تستند عليها كل نظرية في تأسيس مقولاتها حول سؤال الدولة المطروح، والمتجدد، وتركيب السلطة وعلاقاتها والعقود التي تنظم هذه العلاقات داخل المجتمع السياسي والإنساني.

الدولة الوطنية والمجتمع الإسلامي

واعتبر أن حالة الضعف التي تواجه الدولة الوطنية منذ تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو للعالم العربي والإسلامي خدمت مصالح المستعمرين باستثناء إفريقيا التي هي أيضا تعرضت للتقسيم بناء على تواززنات القوى الدولية، ما يطرح سؤلا جوهريا: هل تصلح نظرية الدولة الوطنية للمجتمعات الاسلامية أم لا؟

ورأى أن الخبرة الغربية في النظام السياسي للدولة تواجه مشاكل، فقد تولدت من اعتبارات خاصة بالمجتمعات الغربية نفسها، من الناحية الفلسفية، وعندما تم نقل هذه الخبرة إلى العالم الإسلامي جرى ذلك بناء على ما قدمته هذه النماذج من أطروحات متقدمة على مستوى حقوق الإنسان ودولة المؤسسسات وغيرها من النماذج المتقدمة، وأصبح لها جاذبية لدى وعي الشباب المسلم وملهمة في الفكر السياسي بشكل عام وملهمة للفكر الإسلامي، لكن الملاحظ أنه ما إن وجدت هذه الخبرة الأوروبية في تنظيم السلطة على أساس عقد اجتماعي ذو طبيعة مادية دنيوية وتمت صياغته في التاريخ الأوروبي واشكاليات المجتمع الغربي وبيئته لكنه لم يصلح في المجتمعات الإسلامية.

 



ويظهر هذا الاختلال في ثلاثة مظاهر مهمة: الأول هو ما إن وجدت هذه الخبرة للدولة القومية الوطنية خارج أوروبا إلا كانت متلازمة مع ثلاث أبعاد متكررة ومتشابهة لكونها أولا تطرح سؤال الهوية الاجتماعية والسياسية لدى المجتمع (من نحن؟) حتى في الدول التي لا تتضمن أعراقا مختلفة أو تباينات كبيرة، وعلى الرغم من أن المجتمع في العالم الإسلامي له هويته التاريخية وتراثه وهو الذي يشكل هويتهم، لكن الدولة عندما يعاد تركيبها في المجتمع تحتاج هي نفسها إلى هوية خاصة لأن الدولة مثلها مثل النظام الأسري أو الاقتصادي أو السياسي تحتاج إلى عقيدة تعقد عليها أمرها، وتحتاج إلى رابطة أو قومية، وفي الغالب تبحث عن فكرة القومية من خلال التعليم أو الإعلام أو القوة أو الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة الاخرى، وأن سؤال الهوية هو في الأصل غير متصل بالجماعات وإنما بالدولة.

وحسب المجذوب فإن البعد الثاني في المشكلات التي تواجهها الدولة الحديثة، يتمثل في عامل الاستقرار السياسي في النظم الأوروبية التي تعتمد النظم مركزية بينما المجتمعات في العالم الإسلامي غير مركزية، ولعوامل كثيرة غير مختلطين، وأي محاولة لبناء نظام سياسي في العاصمة سيؤدي إلى مشكلات هيمنة المركز على بقية الاطراف وتنشأ الصراعات على هذا المركز المسيطر، لأن السلطة لا توزع بالتساوي وتكون محتكرة، وتظهر هنا مشكلة عدم الاستقررار السياسي.

ويضيف: بالنسبة للبعد الثالث؛ فإن الدولة الحديثة تواجه بمشكلة العدالة الاجتماعية، إذ أن السلطة فيها مركزية التحكم وهي الجهة التي تعيد توزيع الثروة المنتجة، فيما الاقتصاد هو فعل كل الناس في المركز والأطراف.

مقومات المواطنة

وعلى الجانب الفلسفي، فقد تولدت الدولة الحديثة على عناصر نظرية المواطنة وأهمها الحرية الفردية، التي أساسها أن الإنسان كائن أوجدته الطبيعة وهو حر بطبيعته، ويرى الفكر الغربي أن الإنسان المواطن الحر نظرية تطورية، ومفهوم الحرية هو المعنى النهائي، وهذه الحرية يمارسها في كل شكل من أشكال الحياة، ولا يكون المواطن حرا إلا إذا أحدث قطيعة مع الدين، وذلك نتيجة للصراع مع الكنيسة، وبالتالي يصبح الإنسان حرا من أي صيرورة مرتبطة بالماضي، بينما لا يمكن تصور أن يكون الإنسان حرا من أي تأثير سواء كان ثقافيا أو دينيا أو اجتماعيا، وحتى الإنسان الأوروبي ليس منفكا من تراثه وتقاليده، وبالتالي هو شيء ذهني لا يمكن تصوره بدون الإرادة الإنسانية، وهو بالمعنى الفلسفي مفهوم صعب التحقق وافتراضي ولا يوجد في الواقع فيما يتعلق بالحرية، إذ أن الحرية نفسها نتيجة وليست مقدمة، بينما الإرادة مرتبطة بالحرية، لكن الإرادة متصلة بالقيم المعنوية والروحية والغايات التي هي مرتبطة بالأخلاق وليس بفكرة الحرية، وهو موقف متناقض مع موقف الحرية، بينما المتصوفة كانوا أكثر عمقا ربطوا بين فكرة الحرية مع الإيمان بالله، الحرية مقابل العبودية.

العقد الاجتماعي

أما المبحث الثاني الذي يواجه الدولة الحديثة وفقا للدكتور المجذوب، فيتعلق بالعقد الاجتماعي، حيث يتحدث الفكر الغربي عن الدستور، لكن فكرته الأساسية تقوم على ميثاق سياسي يؤلف الحياة بين الجماعات، وهو بعد عقلاني قائم على المصلحة بفك الارتباط بين الإنسان وبين الكنيسة، بين الحاكم والمحكوم، وهنا تظهر فكرة الحكم الدستوري في المفهوم الغربي، ولكن النقد الذي يوجه إليها بانها خيالية وغير واقعية، وإنما هو تصور ذهني، وغير متعين في الواقع لأن الانتخابات لا تعبر عن العقد الاجتماعي وإنما تعبر عن إدارة مجموعات متنافسة ومتصارعة بدلا عن الحرب، بينما في التاريخ الإسلامي هناك مفهوم البيعة، متحقق في الواقع.

 

فكرة السيادة التي تأسست عليها نظرية الدولة الحديثة تتقزم وتتلاشى والمجتمع الإنساني يرجع إلى حالة بعيدة عن الدولة، حيث باتت هنالك جماعات لديها تأثير في السياسة أكبر من الدولة نفسها مثل القبائل والحركات المسلحة.


بينما يرى المجذوب أن المبحث الثالث لنقد نظرية الدولة الحديثة، يتعلق بتصور المدنية والانتماء القومي، حيث تولدت الفكرة الغربية من بعد حروب الممالك المسيحية واستبدال المسيحية بالقومية، وبنيت الدول على القومية والعرق والمصالح، وهو تصور عقلاني لبناء الهوية للدولة، بينما المجتمعات في الإسلام لها هوية ورابط ولا تحتاج لهوية الدولة.

الرأسمالية والحريات الفردية

وفي نقده للدولة الحديثة، يشير الباحث إلى أن مبحثا رابعا في بناء الدولة الحديثة وهو نظرية الرأسمالية، التي تؤسس للحرية الفردية والحرية الاقتصادية، على أساس العقلانية الأداتية أو العلمانية، كأساس فلفسي لفكرة المواطنة وهي الأمر المقدس لفكرة الدولة وهي التي تنظم علاقات المجتمع، لذلك يجب أن تكون الدولة علمانية أداتية عقلانية لتنظيم المجتمع في الدولة، بحيث يصبح الأفراد مرتبطين فقط برابط الدولة (القومية)، ويحل محل علاقات المجتمع (البيروقراطية)، يتوسع ليحل محل التنظيمات حتى تصل لحالة العلمانية، ويتحول المجتمع إلى أفراد يتنظمون عناصر أحرارا في الدولة وفق عقد اجتماعي أو دستور، والمحصلة أن الإنسان فردا وجها لوجه أمام الدولة، أو أمام (الوحش) كما سماه هوبز لفكرة دولة المواطنة.

وأوضح أن فكرة السيادة التي تأسست عليها نظرية الدولة الحديثة تتقزم وتتلاشى والمجتمع الإنساني يرجع إلى حالة بعيدة عن الدولة، حيث باتت هنالك جماعات لديها تأثير في السياسة أكبر من الدولة نفسها مثل القبائل والحركات المسلحة.

البديل الإسلامي

في مقابل هذا المنظور النقدي لمفهوم الدولة الحديثة، يحاول الدكتور المجذوب طرح تصور بديل لنظام سياسي إسلامي يرث الدولة الحديثة التي يرى أنها باتت هشة وتواجه عوامل التآكل والانهيار. ويرى أن البديل الفكري الإسلامي يؤسس على مبادئ ورؤى كلية حاكم وهناك امكانية لهذا النوع من التفكير، مشيرا إلى المقولات الكبرى التي يقدمها الإسلام والتي تتلخص في فكرة الاستخلاف، حيث أن الإنسان المكرم هو مستخلف في الأرض، ولا يعترف هذا المفهوم بالعرق بالثقافة باللون والجنس ولا يعترف بالدين نفسه، الإنسان فقط، لا يوجد حديث في القرآن الكريم عن استخلاف المسلمين وإنما الإنسان.

والمبدأ الثاني هو مفهوم التمكين، وهو مبدأ خاص في إطار جماعات المؤمنين، ويتعلق بالإعمار والوظيفة العامة، ورأى أن سمات هذا النظام مبني على أفكار ومبادئ بالاستخلاف والمحتوى الأخلاقي، على مستويات متدرجة (الله ثم الإنسان) ومن يتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى بينما الإنسان هو وكيل الله في الأرض ووفقا لحدود التوكيل، وما يترتب عليها، وبالتالي فإن الوجود الالهي هو جوهر الوجود الإنساني ثم الوجود الانساني المستمد من الشريعة، وهو ما يعرف في الإسلام بالأمة (المجتمع الإسلامي) وهو الوجود الثالث في الترتيب، ثم الوجود الرابع في الترتيب الرأسي وهو النظام السياسي، ولديهم مقصد واحد هو الله، وبالتالي الأمة في مقابل القومية ولكن في الترتيب رقم ثلاثة ثم يليها الأمام والحاكم وعلاقات السلطة.

ويرى أن عنصر الأمة يجمع العقائد والأخلاق والقيم، وينشئ نظاما اجتماعيا بين المؤمنين وهو العقد السياسي الذي هو البيعة، ويلاحظ أن هذا الميثاق بين الأمة كلها وليس بين الحاكم والشعب في الدولة الحديثة، فالعقد ينظم العقائد والمحتوى الأخلاقي والأسري والنظام السياسي، ميثاق عبر عنه القرآن بفكرة البيعة، المؤمنين والمؤمنات وليس المواطنين، والنظام يبدأ من الله ويعود إليه، ثم تعمل الأمة بعد ذلك بالإجماع وهو أصل من أصول الإسلام.

ويخلص المجذوب إلى أن لحظة الحضارة الغربية ليست أبدية، وأن الحضارة الإسلامية مؤهلة لوراثة الحضارة الأوروبية لأن المجتمع الإسلامي يؤمن بالأسرة والتكاثر ويمكن استعادة بناء الحضارة الإسلامية بعد أن اندثرت أو ذبلت، ولكنها لا تنقطع لأنها مرتبطة من دون الحضارات بالرسالة الخالدة، وهي قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات وحضارتهم، والدين ليس وليد ظروف وإنما رسالة وهذا مركز قوة الدين، وبالتالي لا يمكن للعالم الإسلامي اليأس من هيمنة النظام الدولي والتسليم بأنها حتمية.