كتاب عربي 21

زعيم الهزائم

1300x600
يتم باستمرار تسويق فكرة أن عبد الناصر هو الذي جلب للمصريين الكرامة بعدما فقدوها، لكن الحقيقة أن قطاعات واسعة من المصريين فقدوا كرامتهم لمخالفتهم عبد الناصر، ثم فقدها المصريون جميعا صبيحة الخامس من حزيران/ يونيو 1967. وأصابع الاتهام تشير إلى عبد الناصر في تلك الهزيمة؛ التي لم تكن هزيمته الوحيدة في كل المواجهات العسكرية التي دخلها.

منذ أسابيع نشرت جريدة الأهرام المصرية حلقات من مذكرات الفريق أول محمد صادق، وزير الدفاع المصري الأسبق، ومدير المخابرات الحربية أثناء هزيمة 1967. والرجل بحكم موقعه في القوات المسلحة في ذلك التوقيت، يحكي بوضوح عن علم عبد الناصر بوضع القوات المصرية الضعيف وقتها، بما لا يسمح بدخول حرب مع دولة الاحتلال الصهيوني، ويحكي عن علمه بموعد الهجوم. وأخيرا يشير إلى وجود خلافات بين ناصر وعامر أراد عبد الناصر الانتهاء منها "أيا كانت الوسيلة أو الطريقة التي تحقق له ذلك"، وهذا نَصّ شهادة الفريق صادق كما نقلتها جريدة الأهرام، وبدون أي تعليق، إذ الوقائع فاضحة وكاشفة ولا تحتاج إلى بيان.

يقول صادق: انفجر الموقف فجأة بعد أن أبلغ الروس عبد الناصر بأخبار الحشود الإسرائيلية على الحدود السورية، وعندما أمرتُ عناصر مختارة ومدربة بالتوجه إلى الحدود الإسرائيلية السورية عبر إسرائيل للتأكد من صحة هذه المعلومات، كنت أتوقع النتيجة التي عادوا بها، وهي أنه لا صحة لهذه المعلومات، وقد كتبت تقريرا بهذه النتيجة لكل من المشير عامر وشمس بدران وزير الحربية، كما أطلعت عبد الناصر على هذه المعلومات.

وبعد عودة الفريق أول فوزي رئيس الأركان من سوريا وتأكده من عدم وجود أي حشود إسرائيلية على الحدود السورية، كنت أتوقع أن تخف درجة حرارة الأزمة، ولكن القيادة المصرية واصلت اندفاعها على طريق التصاعد بالأزمة، ودونما اعتبار لتوزع القوات المسلحة بين مصر واليمن، وما هو قائم من عدم اتزان استراتيجي في أوضاع القوات المسلحة، أو للخطة الدفاعية "قاهر" التي صدق عليها عبد الناصر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1966 بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، أو حتى للظروف الدولية والإقليمية والمحلية غير المواتية.

كان من الضروري أن تراعي القيادة السياسية احتمال إقدام إسرائيل على خوض تجربة الحرب، خاصة وهي تعلم يقينا حقيقة الأوضاع المصرية المناسبة لها تماما، وتأكدها أنها لن تجد ظروفا دولية أو إقليمية أفضل من تلك الظروف لتحقيق انتصار عسكري وسياسي سهل على القوات المصرية والنظام السياسي المصري.

وأعتقد أن عبد الناصر بكل خبرته وسعة أفقه وذكائه لم يكن لتغيب عنه هذه الحقائق، ولم يكن بغافل عن أن إغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية إنما يمثل إعلانا للحرب على إسرائيل، بجانب كونه تغييرا لأمر واقع بالقوة، وهو ما لا يمكن أن تقبل به إسرائيل بسهولة. وستظل علامات الاستفهام المحيطة بهذه الفترة بدون إجابات مقنعة.

بعد أن أصدر عبد الناصر أمرا بحشد القوات المسلحة في سيناء، اعتبارا من يوم 15 أيار/ مايو 1967، أقدم على خطوة رئيسية تالية ساعدت على تدهور الأوضاع فيما بعد، وقادت إلى اندلاع معركة حزيران/ يونيو، فقد طلب سحب قوات الطوارئ الدولية المتمركزة على حدودنا الشرقية فقط.

وفي اجتماع القادة برئاسة عبد الناصر يوم 2 حزيران/ يونيو 1967 قدمت تقريرا مزودا بخريطة تبين توزيع القوات الإسرائيلية، وجاء فيه أن العدو يستطيع بدء الهجوم فجر 3 حزيران/ يونيو أي بعد ساعات، أو فجر 4 حزيران/ يونيو على الأكثر، وعلق عبد الناصر بصوت مسموع وهو يقرأ التقرير قائلا: المرجح أن إسرائيل ستهجم 5 حزيران/ يونيو.

وفي هذا الاجتماع طالب عبد الناصر بانتظار الضربة الأولى، بعدها توجه القوات المسلحة ضربتها، وقال إنه لا يريد أن يخاطر بالاصطدام مع الولايات المتحدة إذا ما قامت مصر بالضربة الأولى. وقد اعترض صدقي محمود على انتظار الضربة الجوية الإسرائيلية الأولى، ليقوم وقواته بالضربة الثانية، ودار نقاش حول نتائج هذه الضربة الإسرائيلية، وأن مصر والقوات المسلحة والقوات الجوية لن تتحمل هذه الضربة.

وفي ذلك الوقت كانت القوات الجوية المصرية تعاني قلة المطارات وتخلف طائراتها بمسافات كبيرة عن طائرات العدو، وتخلف تسليحها أيضا، بالإضافة إلى قلة عدد الطيارين والأطقم المعاونة من المهندسين والفنيين. وكانت هذه الصورة شديدة الوضوح أمام جميع القادة خاصة قادة القوات الجوية، فقد دارت معركتان جويتان في كانون الأول/ ديسمبر عام 1966 بين مقاتلات مصرية ومقاتلات إسرائيلية، ولم يذع عن المعركتين أي شيء، وظلّتا من الأسرار بالنسبة للمصريين على الأقل.

في المعركة الأولى قاد المقاتلات المصرية طيارون مصريون، أما في الثانية فقد قاد المقاتلات طيارون سوفييت، وأسفرت المعركتان عن خسارة كاملة للطيارين والطائرات. وأوضحت هذه النتيجة تفوق الطيارين الإسرائيليين، وتفوق المقاتلات الإسرائيلية، وكان هناك احتمال أن يكون الذين قادوا المقاتلات الإسرائيلية من الطيارين الأمريكيين المدربين جيدا. وأثبتت هاتان المعركتان الجويتان أن القوات الجوية لا تمتلك عناصر السيطرة الجوية في تلك الفترة، وكان على القوات الجوية وهي في تلك الحالة أن تتحمل نتيجة الضربة الأولى، وأن تكون مستعدة لتوجيه الضربة الثانية.

أما الدفاع الجوي، وكان تابعا لقيادة القوات الجوية فكان بعيدا عن أن يكون مستعدا أو مؤهلا لمواجهة القوات الجوية الإسرائيلية خلال توجيه ضربتها الأولى. وبالرغم من ذلك، فقد بدأت الغارات الجوية الإسرائيلية ونيران الدفاع الجوي مقيدة بسبب وجود طائرة المشير عامر في الجو، حيث توجه إلى سيناء للاجتماع بالقادة وتفقد القوات في نفس توقيت اندلاع النيران، كما كانت هناك طائرة أخرى تقل السيد حسين الشافعي ورئيس وزراء العراق والوفد المرافق في طريقهم لزيارة الجبهة.

ومعنى النيران مقيدة، أنها تلقت أمرا بعدم إطلاق نيران مدافعها على الطائرات أو الأهداف الموجودة بالجو. ولتلك الأسباب العديدة، عندما نفذت إسرائيل ضربتها الجوية صباح يوم 5 حزيران/ يونيو؛ كانت النتيجة الحتمية انهيار وتدمير قواتنا الجوية على الأرض.

ولم يتأخر الهجوم البري، وكان يمكن للقوات الموجودة بسيناء أن تصمد وأن تقاتل بعد أن فقدت الغطاء الجوي، وأن تلحق بالقوات الإسرائيلية المهاجمة قدرا كبيرا وموجعا من الخسائر، وأن تحول بينها وبين تحقيق هذا الانتصار السهل؛ إذا ظلت في مواقعها ولم يصدر لها أمر بالانسحاب.

بعد سماعي خبر الانسحاب بهذا المستوى، اتصلت تلفونيا بالمشير عامر مستفسرا عن الحقيقة، فأبلغني أنه أصدر فعلا أمر انسحاب، فقلت له إنه انسحاب له خطورته على الرجال، وإن الجيش بهذا الأمر قد ضاع، وإن القوات في الجبهة ستواجه كارثة حتمية ومروعة.

وظل المشير صامتا، فسألته، وأين هو الخط الذي ستنسحب إليه القوات وتتمسك به؟

ولم يقل المشير أكثر من "امسك أعصابك.. امسك أعصابك"، ثم قال إنني أعطيت أوامر لبعض الوحدات والتشكيلات لتقوم بهجوم مضاد، والفرقة رقم كذا ستبدأ هجوما مضادا، فسألته عما إذا كان يعلم أن قائد تلك الفرقة موجود في الإسماعيلية الآن، وأنه قد وصل إليها منذ ساعات؟ وعاد المشير ليطلب مني أن أمسك أعصابي.

أصدر المشير أمرا بالانسحاب لأكثر من 400 كتيبة، وبعد أن وضعت سماعة التلفون اتصل بي المشير عامر بعد فترة، وسألني هل هناك إمكانية لإيقاف الانسحاب؟

واستدعى المشير عامر عددا من القادة ورئيس هيئة العمليات، وكان الوقت قد تأخر لمعالجة الموقف كانت الصورة شديدة القتامة. فالطوابير الإسرائيلية المدرعة تتسابق للوصول إلى مداخل المضايق الثلاثة من اتجاه الشرق، وطابور آخر يتقدم على الطريق الساحلي ليغلق المضايق الثلاثة من ناحية الغرب. كانت الخطة شديدة الوضوح، فالطوابير الثلاثة تقوم بدور المطرقة، أما الطابور المتقدم على الطريق الساحلي فسيقوم بدور السندان، وما بين المطرقة والسندان خططوا للإجهاز على القوات الموجودة بالجبهة.

وكانت القوات الجوية الإسرائيلية تمتلك السيطرة والسيادة التامة فوق مسرح العمليات، وعلى الجانب الآخر كان الانهيار أوضح ما يكون خاصة بالمستويات القيادية، وقد بدأ الأمر بالتخبط وعدم وضوح الهدف، وتداخلت خطوط القيادتين السياسية والعسكرية، فالقيادة السياسية اندفعت على طريق الحرب بالرغم من كل التحذيرات، كما كانت صاحبة قرار إغلاق خليج العقبة، بعد أن طلبت وأصرت على سحب قوات الطوارئ الدولية، ورغم علمها أن هذا القرار يعني الحرب، ثم واصلت التدخل للخروج على الخطة الدفاعية "قاهر" بإصرارها على تحريك قوات للدفاع عن غزة شمالا والكونتيلا جنوبا، ما أدى إلى تغيير أوضاع القوات الدفاعية بالجبهة، وفرض إجراء تحركات طوال الفترة التي سبقت الحرب، والأخطر أن معظم المستويات القيادية كانت تعمل، وكأن الأمر مجرد مظاهرة عسكرية.

وتأكد للقادة المجتمعين برئاسة المشير صعوبة إلغاء أمر الانسحاب، أو حتى وقف انسحاب بعض القوات.

وأمام تقدم القوات الإسرائيلية على الساحل الشمالي، طلبت من القيادة العامة أن تأمر بتحريك قوات بسرعة إلى الإسماعيلية، ولو كانت عدة سرايا لإيقاف تقدم هذه القوات لبعض الوقت، وبما يسمح لقواتنا أو لجزء منها بإتمام انسحابها قبل أن تصل القوة المتقدمة لغلق المضايق من ناحية القناة، ولتشكل السندان الذي خططت له القيادة الإسرائيلية حتى تواصل قوات المطرقة أداء دورها، ولكي تضع القوات المنسحبة بين المطرقة والسندان.

وتمكنت من توفير عدد من العربات المدرعة الموجودة للاستطلاع، وجمعت قوة صغيرة من الضباط والصف والجنود تحت قيادة البطل إبراهيم الرفاعي، وتحركت هذه القوة من القاهرة إلى الإسماعيلية لتعبر القناة تحت ظروف الانسحاب ثم تتقدم على الطريق الساحلي باتجاه الشمال. وأبلغت المشير عامر بأنني أرسلت هذه القوة وأنني حددت لها المهمة؛ أن توقف تقدم العدو على المحور الساحلي لعدة ساعات. وفعلا اشتبكت القوة مع قوات العدو، وقد نفذ الرفاعي المهمة بنجاح، وعرقل تقدم القوات الإسرائيلية لمدة خمس ساعات.

وفي مساء نفس اليوم (7 حزيران/ يونيو)، شكل الرائد محمود عادل، قائد ثان بمكتب مخابرات العريش، بالتنسيق معي، قوة من المتطوعين الفلسطينيين واثنين من الضباط المصريين، أثناء وجوده بمكتب مخابرات الإسماعيلية، وعاد بهذه القوة إلى سيناء لعرقلة تقدم القوات الإسرائيلية على الطريق الساحلي. وقاموا بزرع ألغام على الطريق الأسفلتي في عدة مناطق، بحيث يصعب على القوات المتقدمة تجنبها. وانطلقت صواريخ "شميل" المضادة للدبابات لتصيب عددا كبيراً منها (القوات المتقدمة)، ما أدى إلى توقفها. وبذلك تمت إتاحة الوقت لانسحاب آلاف من القوات إلى غرب القناة.

وكان الإعلان عن قبول وقف إطلاق النار يفتح الباب أمام الرأي العام لمعرفة بعض الحقيقة عن هذه الكارثة، حيث كان المواطنون في مصر يعيشون أوهاما جميلة عن انتصارات عسكرية حققتها القوات المسلحة وخسائر عسكرية إسرائيلية كبيرة من الطائرات. فقد ظلت وسائل الإعلام تتابع إعلان هذه الأنباء السعيدة التي لا علاقة لها بالواقع.

وفي نفس الوقت الذي أمر فيه عبد الناصر بتأمين الجبهة الداخلية والقوات المسلحة، طلب من الأستاذ هيكل، رئيس تحرير "الأهرام"، كتابة خطاب التنحي الذي كان من المقرر أن يلقيه مساء التاسع من حزيران/ يونيو، بعد إعلان قبول مصر وقف إطلاق النار بيوم واحد.

وكان واضحا من تصرفات عبد الناصر ومن الإجراءات التي أمر باتخاذها، عزمه على إنهاء هذه الازدواجية في السلطة التي استمرت طويلا، أيا كانت الوسيلة أو الطريقة التي تحقق له ذلك. وأعتقد أن الرئيس عبد الناصر كان بحاجة لتبرير هذه النكسة بقوله للرأي العام المصري على الأقل إن مصر لم تكن تواجه إسرائيل وحدها، بل كانت تواجه قوى عظمى، لذا كانت الهزيمة.

ولم تمض 24 ساعة على خطاب التنحي حتى تراجع عبد الناصر عن هذا القرار، وهو يحمل تفويضا شعبيا جارفا بالاستمرار. وتابع المشير عامر وشمس بدران ومن معهما ما يجري من أحداث، وأدرك الجميع مدى مهارة ودهاء عبد الناصر.

كان عبد الناصر والمشير اتفقا على أن يتنحيا سويا ويتيحا الفرصة لقيادة أخرى لكي تجرب حظها، وأن يكون شمس بدران هو الشخصية المناسبة لخلافة عبد الناصر على كرسي الرئاسة. وعاش شمس بدران حلم المنصب، وبدأ يستعد له بعد أن أصبح في متناول يده، إلى أن سمعا الجزء الأخير من الخطاب، وفوجئا بالرئيس يعلن تخليه عن السلطة لصالح زكريا محيي الدين، حينها أدركا بعض ما يدبره عبد الناصر.