كتاب عربي 21

الدرس الغائب في هزيمة "غريان"

1300x600

لم يكن ما وقع في غريان الأيام القليلة الماضية حدثا عارضا، ولم يكن نهج سياسة "القيادة العامة" التابعة لجيش البرلمان في إدارة الخسارة الفادحة أسلوبا جديدا في سلوكها، والقاعدة الحاكمة هي تصرف القائد العام بشكل مطلق، وعدم إمكان التعقيب على حكمه، دع عنك إمكان محاسبته على النتائج الخطيرة، وذلك من منطلق القاعدة البسيطة "المسؤولية تقابلها محاسبة".

 

انكسار الهجوم على طرابلس

أول مواقف حفتر وأعوانه وأنصاره هو إنكار وقوع الهزيمة، والحديث عن مواجهات محدودة وأن الجيش يسيطر على الموقف، حتى أن جمهرة من النشطاء ومن المحسوبين على الطبقة المثقفة انجروا خلف التضليل ودافعوا عن "كذبة" سيطرة الجيش على الموقف في غريان.

بعد أن خاب الأمل في كسر الهجوم وانقطع الرجاء من صد الفعل المباغت والعملية المحكمة اتجه الخطاب الرسمي وشبه الرسمي إلى الحديث عن خيانة، ورافق ذلك حملة تهييج ضد قوات الوفاق والمجموعات المساندة لها من أنها ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بإجهازها على الأسرى، في عملية إسقاط نفسي مكشوفة، فقد تم توثيق عشرات الوقائع بالصوت والصورة والتي تظهر المعاملة الحسنة والإنسانية للأسرى من قبل قوات الوفاق، فيما الشواهد التي تفضح انتهاكات مجموعات ضمن جيش حفتر لا تحصى.

 

الهجوم على طرابلس حدث كبير ونتائجه أكبر وأخطر، أنكشف بعضها، والكثير منها ما يزال غائبا


طبيعي أن يكون هذا هو خيار حفتر، فالهزيمة كبيرة والضربة قاسمة للظهر خاصة في ظل خطاب إعلامي من أن الجيش منتصر وسيدخل طرابلس قريبا!! وإذا بالجيش يتلقى خسارة كبيرة ويفقد أهم معقل له في عمليته العسكرية.

 

التخبة وأسلوب التضليل

ما أعتبره غير طبيعي أن يجاري القيادة العامة الجميع تقريبا وينسجون على منوالها في تضليل الرأي العام والتهوين من الهزيمة والتقليل من الخسارة، ليستمر مسلسل تزييف الوعي والسير الأعمى خلف الطموح المدمر والوهم الزائف.

كنت ولا زلت أوجه خطابي إلى النخبة بكافة مكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية لأجل عقلنة النظرة إلى الأزمة الليبية، خاصة من الطرف المناصر لحفتر، والنظر في الواقع الليبي اليوم بموضوعية واتخاذ موقف تجاه ما يقع من تقطيع للأرحام وحرب تقتل الإنسان وتدمر العمران.

النتائج الأخيرة للحرب على طرابلس ينبغي أن تكون هزة توقض النائم وتنبه الغافل، فالمصاب خطير، ومشهد توابيت الموتى وهي تتوافد على مدنهم بالعشرات، والجرحى الذين تركوا إلى مصيرهم في أرض المعركة، يقض المضجع ويدعو إلى وقفة صادقة ومراجعة جادة.

ما وقع في غريان هو جزء من القصة المؤلمة وتداعياتها المحزنة، وينبغي أن يكون سببا وجيها لرفع الصوت تنديدا بما وقع واستنكارا لما جرى وطلبا للتصحيح من خلال تقييم الوضع الراهن بموضوعية ومحاسبة المسؤول عن كل ما جرى.

 

النتائج الأخيرة للحرب على طرابلس ينبغي أن تكون هزة توقض النائم وتنبه الغافل


أقول واأسفاه على عقول وأفهام كان من الممكن أن تلعب دورا في ترقية مقاربة التعاطي مع أزمة البلاد بالدفع بقوة باتجاه الحل السلمي وتهيئة المناخ للحوار البناء لتصحيح الوضع المختل ورفض الاحتكام للقوة وللسلاح.

قرأت منشورات لعدد غير قليل ممن أصنفهم ضمن أهل الرأي وذوي المكانة السياسية والاجتماعية والثقافية المعتبرة وهم يقعون في فخ التضليل ويتورطون في تسطيح الأحداث بشكل لا يليق بإنسان قادر على التفكير، فكيف بسياسي مخضرم أو صحفي أو مثقف عالي الكعب في الثقافة.

أنا على يقين من أن من بين الجبهة العريضة المناصرة لحفتر ولمشروعه من تستفزهم الأحداث الجارية وفي مقدمتها هزيمة غريان ليراجعوا موقفهم من الخيار السياسي الذي سوق له حفتر والخطاب المضلل الذي تم الترويح له، ولقد قرأت لبعضهم كلاما جديا يضع النقاط على الحروف في توصيف ما وقع.

أيها الإخوة، إن الأحداث الكبيرة هي من تصنع المسارات وتدفع للتفكير مليا في الخيارات والمآلات، والهجوم على طرابلس حدث كبير ونتائجه أكبر وأخطر، أنكشف بعضها، والكثير منها ما يزال غائبا وسيكون صادما الكشف عنها، وما يزال في الوقت فسحة لتلافي تداعيات أكبر محتملة جدا، ومتى سيكون الموقف التاريخي إن لم يكن اليوم.

وأنوه في أخر هذه السانحة أننا نشترك مع العقلاء والحكماء في كافة ربوع ليبيا من أن وضع طرابلس سيء والخلل في قاعدة السلطة في العاصمة جلي والفساد متفشي، لكن دعم الهجوم على طرابلس هو في حقيقته نقل للفساد من خانة إلى أخرى، وتضييع لفرصة معالجة خلل السلطة والشرعية واحتواء الفساد من خلال اتفاق سلمي وتوافق شامل، هذا ما ندعو إليه ونؤيده، وهذا منطلقنا في رفض الحرب وصد العدوان.