كتاب عربي 21

صدام العلم والدين

1300x600
الحديث عن اصطدام العلم بالدين يجعل الخائض فيه كمن ولج حقل ألغام؛ يتحسس خطاه كي لا يطأ لغما ينفجر في وجهه. وهذه الحساسية لم تأت بسبب العلوم ذاتها أو الدين ذاته، بل أتى الصدام ومعه حساسية الحديث عن التقائهما؛ بفعل بعض مفسري النص الديني، وبعض المتعصبين للعلوم.

الطرف المتهم في هذا العصر هو الدين، وحجة الاتهام أن الدين يهيمن على ما عداه، وأن العلم يكشف خرافات الدين. وهذه الصدامية نشأت وترعرعت في عصور ما قبل النهضة، عندما سيطر رجال الدين الكاثوليك على كل جوانب الحياة، والآخرة كذلك، وقام الأوروبيون بالبدء في تحجيم الشأن الديني منتصف القرن السابع عشر، تزامنا مع نهاية الحروب الدينية وعقد صلح وستفاليا 1648. واستمرت عملية إزاحة الدين من المجال العام لتترسخ بصورة أكثر تكاملا في القرن التاسع عشر، وكان العنف ضد رجال الدين الأوروبيين نتيجة منطقية لما قاموا به من فساد مالي وتحريف ديني، أيضا فساد سياسي خلال تحالفهم مع حكام فسدة ومستبدين، ولم يكن مستغربا أن تخرج شعارات مثل "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" خلال الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر.

الملفت أن نفس هذه الفترة (منتصف القرن السابع عشر) كانت امتدادا لمراحل التقدم العلمي في الشرق المسلم، ولا يبدو أن هذه الإشكالية كانت عميقة هنا، قد تكون هناك تدخلات لكنها لم تبلغ حد تعويق التقدم العلمي لدينا. ثم تعرضت المنطقة للغزو في القرن الثامن عشر، مع تزايد الأطماع الأوروبية وفائض القوة المرتبط بالثورة الصناعية. ومع الهزائم العسكرية والسياسية، بدأ البعض يُيَمِّمُ وجهه قبالة الغرب الفتيّ والصاعد، وبدأت عملية التحديث التقني تدخل، ودخلت معها فلسفة تلك المجتمعات (كما يشير دائما أستاذنا المستشار طارق البشري)، فبدأ الصدام يتسرب رويدا رويدا في نواحي الاجتماعية تحديدا، ورُبط التحديث بالثقافة والاجتماع لا مجرد العلوم التطبيقية.

من المهم الانتباه إلى أن الصدام لم يكن في النظريات السياسية، إذ قام أول برلمان في المنطقة في بلد الأزهر الشريف عام 1866، أي بعد وفاة محمد علي بعقدين، ولو كان العلماء المسلمون متصلبين في رأيهم لما تشكّل هذا البرلمان، في وقت كان للعلماء سطوة داخل المجتمع. وتتبُّع الحالة المصرية باعتبارها بلد الأزهر يشير إلى مرور الأفكار الإصلاحية في السياسة والاجتماع دون مقاومة تُذكر، فنجد مثلا مطالبة السيدة هدى شعراوي بتعليم المرأة جامعيا تقابل بهدوء في الربع الأول من عشرينيات القرن الماضي، وأصبح لدينا محامية وقائدة طائرة مدنية في الثلاثينيات، ولم تذكر السيدة هدى، ابنة محمد سلطان رئيس الوزراء، أن علماء الأزهر عارضوا مطلبها، وهكذا كانت صورة التفاعل بين العلم والدين في بلد الأزهر.

كانت مرحلة الانقلابات العسكرية في المنطقة في فترة الخمسينيات والستينيات؛ تمثل منعطفا تاريخيا في علاقة الدين بالشأن العام، فبينما كان الانفصال في الغرب تامّا، كانت الأمور هادئة هنا.. عقب الانقلابات شعرت الأنظمة العسكرية بالخطر من التواجد الشعبي لأي تنظيم أهلي، وهذا شعور طبيعي لمن تربى على قواعد أمنية صارمة والتزام كامل بوِحدة قيادته ومركزيّتها، وهي قواعد لا تستقيم مع الحياة المدنية، لكنهم في النهاية تولوا السلطة واستشعروا الخطر في وسط التنظيمات التي تجعل الدين مرجعا لحركتها، وهذه المرجعية متشكّلة بشكل طبيعي وعميق في وجدان مجتمعات المنطقة قبل وجود تنظيمات ودول قُطْرية.

ومع اقتباس فكرة الأحزاب والتنظيمات من الغرب انتظم الأفراد في تنظيمات كذلك، وهو ما لم يُرض الحكام الجدد، فقرروا محاربتهم، ثم وجدوا أنفسهم بحاجة لترسيخ سلطاتهم بدعم أفكار مقابلة لأفكار المتدينين، فجرى تكثيف استدعاء نظريات فلسفية غربية؛ هي في النهاية تحط من قدر الدين بسبب بيئة الصراع الذي حدث في الغرب ونشأت في ظله هذه الأفكار. وتزامن كل ذلك مع وجود نظام ملكي رجعي ودموي في المملكة السعودية، وطُلب منه نشر أفكاره الدينية المتشددة والصدامية (سبق أن صرّح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الدموي كأسلافه، بأنهم قاموا بنشر الوهابية بطلب من الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية)، فاستعر الصدام بين الدين والدنيا.

لا بد من تكرار أن الدين والاجتماع والسياسة وباقي العلوم الاجتماعية والتطبيقية؛ لم يدخلوا الصدام بذاتهم، ولكن حدث الصدام بتفسيرات أهلهم، وإلا لما وجدنا هذا التراث العلمي على مدار التاريخ الإسلامي في الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والرياضيات والموسيقى والاجتماع والإدارة؛ وغيرها من العلوم.

كانت مرحلة الثورات التي بدأت عام 2011؛ مرحلة جديدة في الصدام، حيث نجح الإسلاميون في الفوز بثقة الناخبين، وأرادت الأطراف المختلفة معهم أن تسحب هذه الشعبية، فتم استهداف السفهاء والمأجورين منهم وإثارة قضايا لا تمس احتياجات المجتمع، كنكاح الوداع وزواج الطفلة ورضاع الكبير والتداوي ببول الإبل، وغير ذلك من القضايا التي وضعت الإسلاميين والإسلام أحيانا في مقابل العلم والحرية والديمقراطية، رغم أن ما كان يصدر عن المؤسسات الدينية الكبرى، كالأزهر الشريف، يرفض الأقوال الشاذة، ويدعو إلى التمسك بالحرية ودعم العلم والعلوم، لكن كانت هناك نية لإثارة الصراع، فتم تسليط الضوء على الأقوال الشاذة، وسحبها من أمام المؤسسات الكبرى والساكنة في وجدان المجتمع والأكثر تأثيرا على التشريع والسلوك. ونجح الإعلام في تحقيق ذلك الخصام على مستوى ملاحظ داخل المجتمع. ونقول ملاحظ لأنه لا يوجد إحصاء مستقل يعطي صورة حقيقية عن الوضع الديني داخل المجتمعات في المنطقة.

كانت إخفاقات الإسلاميين سببا في تعميق الخلاف، وإحداث ارتدادا في العلاقة بين الدين والشان العام، ومع غياب التنظيمات الدينية الأهلية وتورّط المؤسسات الدينية الرسمية في مداهنة سلطات مستبدة، خلت الساحة الثقافية والاجتماعية من الخطاب الديني المؤثر في المجتمع، وأصبحنا أمام خطابات الصوت العالي الذي يكفّر أو يرفض الدين. ورغم محدودية المعتقدين للفكرتين، لكن صوتهما يعلو على ما عداه من أصوات، ربما بمباركة من النظم الشمولية التي تحكم المنطقة.

حالة العداوة بين الدين والدنيا حالة مصطنعة في المنطقة، ولا تمثّل امتدادا ثقافيا أو واقعيا، وهي حالة ناشئة بغرض سياسي لتكريس حكم أو إبعاد خصم، وتورطت في ترسيخها أطراف لا شأن لهم بالسياسة، من العلماء الدينيين وأصحاب العلوم الأخرى. ومعلوم في الفقه الإسلامي أن المسائل الطبية مثلا تخضع للتقدير الطبي بشكل أغلبي، وورد عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم قوله: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". فالفصام مصطنَع، والوئام غير ممتنع، لكنها إرادة المستبدين التي تجري على أيدي ذوي الأهواء أو الحمقى.