أفكَار

عوائق العلمنة في لبنان.. الطائفة كملاذ خلاصيّ

احتجاجات اللبنانية المطالبة بالتغيير ومواجهة الفساد تعيد مطلب الدولة العلمانية إلى الواجهة (الأناضول)

لم يستقر علمانيو لبنان على صيغة واحدة لشكل الدولة العلمانية التي يريدونها، كبديل نهائي عن الشكل الدولتي المعمول به منذ 1920، الذي يكرس سلطة الطوائف ضمن المنظومة المؤسسة للدولة، وثبتوها بالأعراف ثم بالدستور، بغرض حفظ حقوق الطوائف وتبديد هواجس المكونات التي باتت تنظر إلى التلاحم المجتمعي على أساس الهوية الدينية، على أنه حامٍ نهائي وضمانة من مخاوف الاضمحلال. 

 

عند كل منعطف سياسي في البلاد، تتصاعد الدعوات للانتقال إلى دولة علمانية، لكنها تصطدم بالشكل الذي يريده المطالبون بها.


فالتحول الذي قاد الدولة من متصرفية جبل لبنان إبان الحقبة العثمانية، إلى دولة لبنان الموسعة (دولة لبنان الكبير) إبان الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى مخاض الاستقلال وما تلاه من حرب أهلية أفضت إلى اتفاق الطائف (الجمهورية اللبنانية الحديثة)، لم يطل في متغيراته شكل الدولة. وعوضاً عن التغيير في أساس التحول باتجاه دولة مدنية علمانية، تكرست الطائفية وتم التنظير لها تحت مفهومي "العيش المشترك" و"التعايش الإسلامي ـ المسيحي" عندما هددت طائفة بغلبة أخرى، وثبتت الهواجس من الإلغاء ليصبح التطييف ضمانة وجودية، بدلاً من دولة علمانية. 

عند كل منعطف سياسي في البلاد، تتصاعد الدعوات للانتقال إلى دولة علمانية، لكنها تصطدم بالشكل الذي يريده المطالبون بها. فالتباين، الذي لا ينكر وجوب علمنة الدولة ككيان مؤسساتي يكرس الممارسة المدنية للحكم، ويجعل من الدولة حامياً نهائياً للمكونات وحاضناً لها، يتباين في الشكل، بين نسف المنظومة الطائفية كأساس للحكم وللممارسة كما في الدول الشيوعية، وبين انسجامها مع الدين، كما في تركيا، أو حيادها تجاه الدين، كما في الدول الأوروبية التي تكفل حرية المعتقد، واحترام الأديان والقوميات والإثنيات، وفصلها عن منظومة الحكم بالكامل. 

ويرى المتطلعون لعلمانية تتعاطى بحياد مع الأديان، أن هذه العلمانية هي عنصر أساسي من عناصر إقامة مجتمع لبناني تسوده الوحدة والمساواة والعدالة والحرية والسلام والديمقراطية. إنها الطريق الأصلح لنشوء وطن يملك قاعدة قانونية واحدة موحدة استناداً إلى المساواة والحرية وشرعة حقوق الإنسان.

والواقع أن كل المقاربات للعلمانية، تتطلع إلى تكريسها من منظور التسوية السياسية في لبنان لكيفية إدارة التناقضات داخل المجتمع والبحث عما يمكن أن يكون قاسما مشتركا في مجتمع متعدد الهويات والديانات والانتماءات من الممكن أن يتم التوافق على أمور بسيطة. لكن المطلوب، هو التدبير السياسي الذي يقضي بحياد الدولة عن الأديان والمؤسسات الدينية. ونظر لهذا الشكل باحثون كثيرون، بينهم فواز طرابلسي الذي يشرح أن الحياد المقصود أن الدولة لا دين لها، لا تتدخل في المؤسسات الدينية، والمؤسسات الدينية لا تتدخل في شؤون الدولة، من يقرر التشريع الشعب. 
 
عراقيل العلمنة

تتعدد الطروحات العلمانية في لبنان، وكلها تتقاطع عند مفصل واحد هو انتقال الدولة من الحالة الطائفية المؤقتة إلى الدولة المدنية العلمانية وشعارها الدين لله والوطن للجميع. وقد وضع الدستور اللبناني صيغة واضحة لقيام الدولة المدنية العلمانية منذ إعلانه في العام 1926، ولكن "التجاذبات المذهبية والمنافع الفردية والأحزاب الطائفية والإيرادات الخارجية وضعت العراقيل في طريق المجرى الطبيعي للخروج من الحالة الطائفية إلى الحالة المدنية"، بحسب ما يقول الباحث الدكتور جهاد عقل الذي يرى أن المانع يتثمل في تشبث المؤسسات الدينية في مجرى الشؤون المدنية والسياسية والقضائية ومراوغة بعض السياسيين في المحافظة على مكتسباتهم ومصالحهم ودورهم الإقطاعي .

 


 
ويرى عقل في حديث لـ"عربي21" أن "الموضوع يتعلق بحقوق الطوائف ومصالحه، ويتعلق أيضا بالمخاوف وفي مقدمتها الخوف من انعدام التوازن الطائفي المذهبي لحساب فريق الآخر". ويؤكد أن "العلمانية أو الانتقال إلى الحالة الوطنية، حيث المساواة في العدل الاقتصادي والاجتماعي لجميع المواطنين هي ثقافة وطنية، هي قيم ومثل وتعاليم وتربية، تبدأ في العائلة وتمتد أفقيا في اتجاه المؤسسات الاجتماعية والدينية والتربوية والجيش ومؤسسات الدولة، وخصوصا في معيار اختيار الموظفين في القطاع العام على أساس الكفاءة والإبداع والاختصاص والوجدان الوطني والولاء للوطن دون غيره". 

ولا يخفي عقل أن "العلمانية مدرسة، خطة إصلاحية نظامية ترتكز على تعاليم تنهض بالأخلاق"، لافتاً إلى أن "عصر النهضة في بلادنا شهد ثورة حقيقية على هذا الصعيد، ويمثل انطوان سعادة قمة هذه الثورة، بمبادئه الإصلاحية الثلاث التي هي فصل الدين عن الدولة، منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وقد نجحت تعاليم سعادة في توليد هذه الثورة بين صفوف اتباعه، الذين بالفعل أوجدوا الدولة العلمانية الحقيقية". 

مشكلة أصل النشوء

رغم كل التجارب الداعية إلى تثبيت الدولة العلمانية، إلا أن المانع يتمثل في تشبث المؤسسات الدينية في مجرى الشؤون المدنية والسياسية والقضائية ومراوغة بعض السياسيين في المحافظة على مكتسباتهم ومصالحهم ودورهم الإقطاعي. 

ويقول طلال عتريسي، العميد السابق لمعهد الدكتوراه والآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، في حديث لـ"عربي21": "إن العلمانية لا تأخذ مجراها في لبنان، لأن أصل دولة لبنان قامت على الطائفية السياسية، وكل الصراعات في لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم قامت على الطائفية والتوازنات الطائفية، وحتى اتفاق الطائف كرّس التوازن الطائفي، أخذ من صلاحيات رئيس الجمهورية وأعطى المزيد من الصلاحيات لرئيس الحكومة من خلال البعد الطائفي أيضا، لكن في الدول العربية الأخرى لا يوجد فيها هذا البعد الطائفي، إنما دستور علماني كسوريا، أو الإسلام أو الشريعة هي الدستور كمصر، وليس نظاماً طائفياً، وإن كان يقوم على أحزاب أو على سلطة مستبدة، ومن هنا لا نرى مشكلة نظام طوائفي في الدول العربية". 

وإذ يؤكد عتريسي أن "الدولة العلمانية هي دولة غير طائفية، دولة حقوق المواطن بغض النظر عن طائفته"، يشير إلى أن "هناك مشكلة كبيرة في التعامل مع هذا الطرح، فالكتل الطائفية الكبيرة لا ترضى بمثل هذا الاقتراح، ذلك أن إلغاء وضع الطوائف وإلغاء خصوصية الطوائف وإلغاء رئاسية الطوائف والإنتقال إلى دولة ينتخب الشعب الرؤساء ونظاما يقوم على أساس الكفاءة، لهذا السبب هناك قوى كبيرة تعارض وكان المفترض منذ اتفاق الطائف تشكيل الهئية الوطنية لإلغاء الطائفية السيلسية، وهذا لم يحصل بالعكس نشهد المزيد من الصراع على موضوع الحصص الطائفية والتوازن الطائفي". وعليه، ليس هناك جدية عند الكثير من القوى من الطوائف في الانتقال إلى الدولة العلمانية التي تعني إلغاء الطائفية السياسية.

التيار الأقل نفوذاً

بعد 100 عام من الممارسة الطائفية لشكل الحكم الذي يعتمد التطييف أساساً للدولة، يرى كثيرون أن تحقيق العلمانية الشاملة، هو الآن أصعب من أي وقت مضى، كما يرون أن هناك صعوبة تحقيق العلمانية الشاملة من جهة أو استحالة الاستغناء عنها من جهة أخرى، وهي مفارقة تطرح التحدي الأكبر على اللبنانيين.

يقول عتريسي: "هناك علمانيون في لبنان، هناك قوى سياسية علمانية غير طائفية، من مختلف الاتجاهات الحزبية يسارية وقومية ومدنية، لكن مشكلتها أنها ليست تيارا كبيرا في المجتمع اللبناني، المشكلة أنها لا تزال القوى الأضعف والأقل تأثيرا ونفوذا، على الرغم من مواقفها وبياناتها وصوتها العالي أحيانا، وهي غير موجودة في السلطة بغية تغيير القوانين، بغية إضفاء المزيد من العلمانية السياسية على الواقع اللبناني بداية من قانون انتخاب غير طائفي، إلى قوانين أخرى تلغي المناصفة أو المثالثة أو غير ذلك". 

 



ويشير إلى أن العلمانيين ليس لديهم تأثيراً شعبياً كبيراً، ولا يشكلون تياراً يمكن أن يغير في التوجه السياسي في التأثير على النظام السياسي في لبنان، ربما يحتاجون إلى نسج تحالفات مع قوى أخرى، أو من الطوائف الأخرى ربما مستعدة لإلغاء النظام الطائفي السياسي، فهذا ممكن أن يعطيهم فاعلية أكبر.

وتصبح المقاربة أكثر متانة إذا ما منحت أبعاداً قانونية. فالدستور اللبناني يحمل بين طياته كل المقومات الضرورية لقيام مؤسسات المجتمع الأهلي وصيانتها وحمايتها، كما يقول الدكتور عقل، إلا أنه في الواقع، في التطبيق، فإن "الدولة اللبنانية" منذ وضع دستورها في عهد الانتداب الفرنسي عام 1926، وما رافقه من تعديلات وتأكيدات وإشارات لمدنية الدولة ومؤسسات المجتمع المدني فيها، إلا أنه بالرغم من ذلك، فما زال "النظام الطائفي" القائم على العرف، لا على الدستور، هو الذي يتولى السلطة في الدولة اللبنانية، على أساس المحاصصة الطائفية، التي بدت وللوهلة الأولى أنها بصورة مؤقتة، ولكنها في الحقيقة بصورة دائمة، على الأقل حتى يومنا هذا".

ويضيف: "قد يعترض البعض على الدعوة لتطبيق العلمنة، ويرى أبعد من ذلك، أنه من الصعب تطبيقها... في دولة تتولى الطوائف السلطة فيها، ويحكمها نظام راسخ في الأعراف". 

مخاوف جامعة

تصطدم طروحات العلمانية بالمخاوف لدى الطوائف في لبنان من إلغاء هذه الصيغة. ويشرح عتريسي: "المسيحيون على سبيل المثال يعتبرون لبنان هو تجربة فريدة ومميزة في الشرق الأوسط، لأنه البلد الوحيد في الشرق الأوسط التي يرأسها رئيس جمهورية مسيحي، وأيضا هناك اعتبار أن لبنان هو بلد التنوع الطائفي والمذهبي، والبعض يقول أن هذه خصوصية لبنان ورسالته الحضارية من أجل هذا السبب لا نرى حماسة مسيحية لإلغاء الطائفية السياسية، وطوائف أخرى قد لا تكون متحمسة، والأقليات أيضا قد لا تكون متحمسة، هذا كله يعرقل إلغاء الطائفية السياسية والذهاب إلى العلمانية حتى الوضع الإقليمي والدولي غير مساعد وغير مهتم. فلا الوضع الداخلي مهيأ ولا الوضع الدولي مساعد على هذا الانتقال إلى العلمانية السياسية". 

ويضيف: "هناك مخاوف من العلمانية لدى بعض الطوائف المسيحية والإسلامية، من أن تكون العلمانية معادية للدين، هناك بعض العلمانيين متطرفين متشددين معادين للدين، يريدون إلغاء الدين من الحياة الاجتماعية ومن الأحوال الشخصية. هذا الالتباس يجعل الناس تخاف من العلمانية في حين أن العلمانية الأخرى ـ لأن هناك أكثر من مستوى من العلمانية ـ تعتبر نفسها متصالحة مع الدين ومع انتماء الناس الديني، ومع احوال الناس الشخصية بحسب دينها ومعتقدها، لكن على المستوى السياسي والتمثيل السياسي وإدارة البلد سياسياً، لا يجب أن يكون الأمر على أساس طائفي أو مذهبي". 

أسئلة المستقبل ومخاوف انتهاك الخصوصيات

وتنسحب الهواجس نفسها، إلى التفاصيل. يقول المعترضون إن العلمانية في لبنان، كنظام سياسي بديل عن النظام الطائفي، تصطدم بخصوصية المجموعات الثقافية اللبنانية المتمسكة بشريعتها، وأنظمة القيد الخاصة بها، في أمور الزواج والطلاق والوفاة والوراثة وسواها، لأنها تشكل العنصر الأساسي المكون لشخصية كل منها.
 
ويقول عقل: "يجد هؤلاء المعترضون في خصوص إلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف (مقدمة الدستور)، فهي، نظرا لتركيبة المجتمع اللبناني التعددية، ليست سوى أداة تهويل يستخدمها أشد الناس تعصبا طائفيا بهدف السيطرة على مقدرات الدولة والحكم بقبضة حديدية تلغي الشركاء في الوطن وترسي مبدأ العددية، وان أية محاولة لالغاء الطائفية السياسية في ظل نظام مركزي وحدوي لن تكون حلا للحالة الطائفية في لبنان، بل تشكل انتهاكا لخصوصية المجتمع اللبناني". 

 

تصطدم طروحات العلمانية بالمخاوف لدى الطوائف في لبنان من إلغاء هذه الصيغة.


ويرى هؤلاء المعترضون، بحسب عقل، أن الحل ليس بفكرة مركزية الأمة ـ الدولة، بل "بطرح تطبيقي للنظام المركب المسمى نظام فيدرالي أو مناطقي أو اللامركزية السياسية الموسعة، الذي يضمن وجود المجموعات اللبنانية الحضارية، خارج كل شكل من أشكال الذمية او التبعية، كما يؤمن لكل منها اطار عملي تمارس فيه خصوصياتها الثقافية والفكرية، والتربوية والتشريعية... ، متناسين هؤلاء ان النظام التعددي يستقيم وجوده بالتوازن والتكيف المتبادل بين عناصره، لا بالتقسيم".

هذا التباين في الموقفين المتعارضين، بين "الدستور اللبناني" وبين المعترضين عليه في دعوتهم المبطنة إلى التقسيم، يطرح السؤال: "إذا كان يستحيل بناء الدولة على الثنائيات أو الثلاثيات الطائفية، وهذا كلام حق، فكيف تدار "الدولة" الآن؟ وما هي حظوظ الآخرين المفتوحة للمشاركة الحقيقية؟ وهل يمكن بعد كل هذه التجارب التاريخية المريرة من الثنائيات والثلاثيات، أن نوفق إلى صيغة "طائفية عادلة" ثبت حتى الآن استحالتها، أم أن في الأفق مكانا لدولة مدنية لا دينية، ولا طائفية..؟"
 
تختصر كل تلك الأسئلة الكثير من إرهاصات الانتقال إلى دولة حديثة لا تنظر إلى الطوائف كأولوية، بل إلى الدولة كحاضن نهائي لكل المكونات.