كتاب عربي 21

اغتيال سليماني.. أسباب وآفاق

1300x600

لم تكن القذائف التي استهدفت قائد فيلق القدس قاسم سليماني ومن معه، مجرد حادثة اغتيال عادية في منطقة ملتهبة، لكنها قد تكون بدايةكرة نار تتدحرج لتلتهم المنطقة، أو بمثابة بدء خفض التوتر بإيصاله إلى أقصى مدى؛ ما يُشعر الأطراف بأن استمرار التصعيد سيذهب بالجميع إلى أتون لن ينجو منه أحد. وتصعيد التوتر بهدف خفضه يشبه قول أبي نواس "وداوني بالتي كانت هي الداء"، ولا شك أنها مجازفة شديدة الخطورة.

وفقا لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فقد عقد جلسة مغلقة وفقا لقاعدة "تشاثام هاوس" (للمشاركين الحق في استخدام المعلومات التي يحصلون عليها دون الإفصاح عن هوية صاحب المعلومة أو انتمائه أو نسبتها إليه). وناقش المشاركون الطريقة التي يمكن أن تعمل بها الخلافة في "فيلق القدس" وما الذي ستخسره إيران إذا ما أصبح سليماني غير متاح بشكل دائم.

واعتبر المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية لدول الخليج وإيران والعراق مايكل نايتس أن "مقتل سليماني كان أمراً يمكن تفاديه بشكل واضح، إلا أنه قَبِل المخاطرة من خلال التحرّك بالقرب من التجمعات الكبيرة للأصول الجوية والاستخباراتية الأمريكية حول مطار بغداد الدولي، وذلك في الوقت نفسه على وجه التحديد الذي حذر فيه مسؤولون أمريكيون عبر الاتصالات السرية من أنهم قد يقومون بقتله. ومع ذلك، غالباً ما أدّت ميوله السابقة إلى خوض المجازفات، وإلى تعزيز المصالح الإقليمية للنظام. على سبيل المثال، كان القوة الدافعة وراء التحركات المبتكرة التالية: نشر قوات عسكرية تقليدية قوية لإنقاذ نظام الأسد في سوريا، واستخدام جحافل شيعية من خارج المنطقة (أفغانستان، باكستان) للهدف نفسه، ومطالبة روسيا بالتدخل في حرب سوريا، وشحن أسلحة متطورة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن، ومساعدة حزب الله في مشاريع الأنفاق والضربات الدقيقة في لبنان".

أما أدوار سليماني، فبحسب الجلسة المغلقة، فقد تخصص في أربعة أدوار رئيسية:

1- محور التنسيق: كان سليماني مخولاً لقيادة نهج الحكومة الإيرانية بالكامل في التعامل مع التدخل الإقليمي، وذلك بمساعدة تقاربه مع خامنئي، وديناميته الشخصية، وأقدميته (في تاريخ الترقية) على قادة الحرس الثوري الإيراني الآخرين. ونتيجة لذلك، كان بإمكانه سحب قوات من الحرس الثوري والجيش التقليدي (أرتش) [وتوجيهها] نحو عمليات مشتركة فعّالة لم يسبق لها مثيل. وكان أيضاً محاوراً رفيع المستوى لإيران مع شركاء عراقيين ولبنانيين وروس وسوريين.

2- مكافح عملي: تنقّل سليماني بين بؤر التوتر بكفاءة، وحضر شخصياً وأجرى محادثات رئيسية مع الشركاء حسب الضرورة. وقد عمل في المجالين العسكري والسياسي، حيث زار جبهات القتال بينما كان يتوسط بسهولة في تعيين رؤساء الوزراء العراقيين. وكما لوحظ في ورشة عمل معهد واشنطن، فإن أكثر من شخص عراقي وصفه بأنه "آخر شخص نطلب منه المساعدة، ولكنه أول الواصلين والمنفّذين".

3- رمز ظاهر لقوة الحرس الثوري الإيراني: قيل للمشاركين في ورشة العمل إن بروز قوة الحرس الثوري على مدار سنوات في المنطقة يعتمد على ركيزتين: الصواريخ، وسليماني الذي يُعتبر وجه القدرات الاستطلاعية لقوة القدس.

4- وجه الحرس الثوري الإيراني في الداخل: كان سليماني الضابط الوحيد الذي يمكنه الظهور بثقة في مواقع الاحتجاج الإيرانية التي تم فيها طرد معظم قادة الحرس الثوري. ويبدو أن صورته الإيجابية إلى حد معقول جعلته "غير مستهجن"، وبالتالي شكّل جسراً قيّماً بين الحرس الثوري وسكان الريف الساخطين.

يمكن وضع ما سبق في إطار التفسير لدوافع عملية الاغتيال، لكن العملية نفسها (بحسب تقارير صحفية) كانت معقدة. كانت البداية عبر عملاء الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في دمشق الذين أكدوا استقلاله طائرة خطوط (أجنحة الشام) باتجاه بغداد، وعقب وصول الطائرة إلى بغداد أكد عملاء الاستخبارات الأمريكية في بغداد وصول الرجل، لتنطلق بعدها الطائرات بدون طيار، وسيارة أخرى تتبعه على بعد 800 متر، وبمجرد انتهاء القصف، ذهبت السيارة إلى موقع الحطام، لتأكيد عملية الاغتيال وتصوير سليماني، والحصول على أي متعلقات كانت معه، وأخذوا هاتفه المحمول بالفعل، وانسحبت هذه المجموعة سريعا.

إذاً هدد الأمريكيون باغتيال سليماني من قبل، ولم يكن القرار مفاجئا للنظام الإيراني، الأمر الذي قد يُسهم في تفسير سبب الهدوء في رد الفعل الإيراني. كما أن إيران بدت محترفة في أخذ المبادرة ورد الكرة إلى الملعب الأمريكي، لكن ذلك تهاوى عقب إطلاق صاروخ على الطائرة الأوكرانية، لتجد إيران نفسها محط سخرية، وتواجه تظاهرات داخلية.

أصبح الآن خيار الحرب أكثر استبعادا، وأصبحت النقاشات تدور حول سقف التفاوض بين الأمريكيين والإيرانيين، فقد اتجه الأمريكيون إلى رفع سقف "الردع"، وأصبح الإيرانيون أمام قبول التفاوض أو تصعيد الأمور عبر وكلائها في المنطقة، مما قد يؤدي إلى عدم السيطرة على مجريات الأحداث، والدلائل (حتى الآن) تذهب باتجاه التهدئة والتفاوض، سواء عبر التصريحات الأمريكية أو إعلان إيران على لسان وزير خارجيتها "انتهاء الرد الإيراني على اغتيال سليماني" بعد قصف قواعد تتواجد فيها قوات أمريكية في العراق.

لعل أبرز ما كشفته عملية اغتيال سليماني، أن إيران أصبحت أقوى تأثيرا في المنطقة، ولم يعد تجاهلها أمرا سهلا لحل أي توتر إقليمي، وأن قيادات المنطقة العربية مجرد أدوات رخيصة في هذا الصراع، كما أصبح الفارق بين إيران كقوة إقليمية وبين جيرانها أكثر جلاء، رغم العقوبات المستمرة منذ عقود.

 

وستحدد الأسابيع القادمة ما إذا كانت إيران خسرت أم ربحت جرّاء عملية الاغتيال.