مقابلات

مقري: إسلاميو المغرب العربي متقدمون على نظرائهم المشارقة

عبد الرزاق مقري: التجربتان الماليزية والتركية قدمتا نموذجا اقتصاديا ناجحا- (إنترنت)

بكل أريحية، وبثقة تامة، يتحدث الدكتور المفكر عبد الرزاق مقري، رئيس حركة "مجتمع السلم"، كبرى الحركات الإسلامية في الجزائر، والأمين العام لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة، عن تجربة الحركة في المشاركة في الحكم، رافضا بالمطلق فكرة فشل الإسلاميين التي يروجها البعض، في تطوير آلية واضحة للحكم، أو عدم قدرتهم على امتلاك برامج سياسية أو اقتصادية، ورغم تأكيده على نضوج تجربة حركة مجتمع السلم، وامتلاكها أدوات الحكم والرقابة، إلا أن الحركة الإسلامية في عمومها لا يمكن برأيه محاكمتها قبل أن تتمكن من الحكم فعليا.

ويعد الدكتور مقري، واحدا من أبرز المفكرين والساسة حاليا في الجزائر، فهو لا يترأس فقط كبرى الحركات الإسلامية (الإخوانية) فيها، وإنما ترك بصمته الواضحة، في مجالات نشاطه الفكري والدعوي والسياسي، حيث كان وراء إخراج حركة "مجتمع السلم" من التحالف الحكومي بعد 15 سنة كاملة من المشاركة، فور انتخابه على رأس الحركة عام 2013، لينتهج نهجا معارضا بشكل كامل للنظام، على عكس سياسة المشاركة التي أقرها زعيم الحركة الراحل محفوظ نحناح، وخليفته فيما بعد الشيخ أبو جرة سلطاني، ورغم ما يثيره ظهور الدكتور مقري من مساجلات إعلامية في الجزائر بسبب مواقفه المثيرة للجدل دائما، إلا أن الجميع يشهد له بكفاءته الفكرية العالية، بدليل الكم الهائل من الأعمال والأدوار التي يضطلع بها، بداية من إدارة مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعلّمية، وإدارة تحرير دوريات فكرية واستراتيجية متخصصة: دراسات اقتصادية، دراسات استراتيجية، دراسات إسلامية، دراسات قانونية، دراسات اجتماعية، دراسات أدبية.. وتعاونه كباحث مع عديد المراكز البحثية العربية، ويترأس فخريا أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي بالحركة، فإنه دائم المشاركة في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والسياسية عبر العالم، علاوة على مؤلفاته الضخمة والمتميزة من قبيل: "صدام الحضارات: محاولة للفهم"، "الحكم الصالح وآليات مكافحة الفساد"، "المشروع الإسلامي: هويته، أهدافه، أدواته، مصادر قوته"، "الإسلام والديمقراطية: نحو مواطنة فاعلة" ( تأليف جماعي)، "البيت الحمسي: مسارات التجديد الوظيفي في العمل الإسلامي". 

وفي هذا الحوار الثري الذي تنفرد "عربي21" بنشره مع الدكتور عبد الرزاق مقري، ملفات فكرية هائلة، وقضايا في غاية الحساسية، حول قدرة الإسلام كدين حضاري على استيعاب تراكم العبقرية والحكمة البشرية من أي وعاء خرجت، ووجود الأمة أمام تحدي الانتقال من الصحوة إلى النهضة، ومن فقه الدعوة إلى فقه الدولة، اعتمادا على القدرات الذاتية، دون القطيعة مع تجارب الآخرين، وغيرها من القضايا والأفكار قد تبدأ من حكومة الظل التي شكلها الإسلاميون في الجزائر، ولن تنتهي عند حدود شرعية التنمية والتطوير التي خلقتها قمة كوالالمبور الأخيرة.

س ـ إلى متى تبقى الجزائر وبلاد المغرب العربي عموما تستورد الأفكار "الإسلامية" من المشرق؟


ـ كان هذا في زمن الصحوة وفقه الدعوة، أما الآن في زمن فقه الدولة ومحاولات تحقيق مشروع النهضة عبر الدولة والعلاقة مع المجتمع المدني فإن المغرب العربي متقدم جدا عن المشرق، بل الريادة الآن للحركات الإسلامية في المغرب. للأسف الشديد أن المشرق العربي يعيش أزمات كبيرة يصعب الخروج منها في وقت قريب، أما الحركة الإسلامية في المغرب العربي فهي أكثر استقرارا وهي شريكة في تجربة الحكم بمستويات متعددة ويراهن عليها كثير من المشارقة ذاتهم في تقديم نموذج يقتدى به في العالم العربي.

س ـ الحديث عن غياب النظرية السياسية الإسلامية يقودنا للحديث عن غياب النظرية الاقتصادية الإسلامية، رغم وجود تجربتين رائدتين كالماليزية والتركية.. كيف يمكن الاستفادة منهما عمليا؟ 


ـ أولا؛ حديثك عن استثناء تركيا وماليزيا هو ذاته الجواب عن سؤالك، لا يمكن أن تظهر النظرية الاقتصادية وأن يبين تميزها وتفوقها إلا إذا كانت حاكمة وممكّنة، كيف يمكنك أن تقول إن حزبا ما له برنامج اقتصادي ناجح أم لا؟ لن يكون ذلك إلا إذا جربته في الحكم. ماليزيا وتركيا دولتان تفصحان عن برنامجيهما في استئناف الحضارة الإسلامية كما كان ذلك في قمة كوالالمبور على سبيل المثال، وهما دولتان صاعدتان كدولتين وليس كحزبين. يمكنك أن تسأل عن النظرية الاقتصادية، أو بالأحرى البرنامج الاقتصادي، لحزب أو حركة لا تحكم على المستوى النظري فقط، هل لها إسهامات فكرية في الجانب الاقتصادي أم لا؟ وإذا سألت عن البرنامج الاقتصادي لحركة مجتمع السلم فسأقول لك: نعم، عندنا برنامج اقتصادي أعده 134 إطارا من المفكرين والأكاديميين والكوادر المجربة في الحكومة والإدارة والمجالس المنتخبة، وفيه فصل يتحدث عن النظرية الاقتصادية. وقد عرض هذا البرنامج على العديد من العلماء وأصحاب الخبرة الذين تولوا مسؤوليات كبيرة في الجزائر وخارج الجزائر وشهدوا بأن هذا أحسن برنامج اطلعوا عليه في الساحة السياسية الجزائرية، وأعلم كذلك أن العديد من الحركات الإسلامية المشاركة في العملية السياسية في بلدانها لها برامج محترمة ومقدرة. 

 

لا يمكن أن تظهر النظرية الاقتصادية الإسلامية وأن يبين تميزها وتفوقها إلا إذا كانت حاكمة وممكنة

 
ثانيا؛ لا يجب أن تعتقد أن النظرية الاقتصادية "الإسلامية" على حد قولك هي نظرية معزولة عن العالم والتراكم المعرفي البشري. كل ما يبدعه المسلمون هو تكملة لما أبدعته البشرية ـ كما حدث في الحضارة الإسلامية الأولى ـ والنظريات الجيدة هي التي تحسّن الموجود وتعالج سلبياته وتضيف المفقود المحتاج إليه، وقد يكون المحتاج إليه يسيرا من حيث الكم عظيما من حيث النفع، فالنظم والمعارف الموجودة هي جلها من الحكمة التي تدخل في دائرة الشريعة الإسلامية وإن لم تسم باسمها وإن لم يبدعها مسلمون. 

ولو نتحدث عن النظام الاقتصادي التقليدي المهيمن فإن المشكلة الأساسية فيه ليست في تقنياته وجل أساليبه الإدارية ولكن في فلسفته، في فلسفة الاستغلال الربوي، في الفساد، في الغش، في الجشع، وهذه السلبيات لم يصبح يقولها المسلمون بل يكتبها علماء كبار من غير المسلمين، ولم يتم الاحتفاء بنظريات التمويل الإسلامي إلا بعد الأزمة المالية العالمية، والكثير من هؤلاء لا ينظرون  إلى التمويل الإسلامي على أساس أنه بديل يقوم على مرجعية دينية، ولكن ينظرون إليه على أساس أنه تجربة بشرية تنتمي لثقافة أخرى يريدون الاستفادة منها. 

ثالثا؛ لا يجب تحميل التيار الإسلامي ـ كأحزاب وقوى سياسية ـ وحده مسؤولية تطوير النظرية الاقتصادية الإسلامية. هذه القضية قضية المسلمين جميعا، وما من مسلم إلا وله مسؤولية في ذلك، العلماء، الأكاديميون، الحكومات، منظمات المجتمع المدني، سائر الأحزاب، رجال الأعمال وغيرهم. ولأضرب لك مثلا على ذلك: البنوك الإسلامية والمصارف وصناديق الزكاة ومختلف المؤسسات المالية والوقفية لم تتطور عند الأحزاب الإسلامية، بل هي ممنوعة أن تهتم بذلك، وإنما تطورت لدى الحكومات والقطاع الخاص بالاستعانة بالعلماء والمتخصصين ورجال الأعمال. صحيح أن الحركة الإسلامية كانت الدافع الأساسي الأول لهذه الفكرة في الستينيات ولكن ليست هي التي طورت هذا المسار. صحيح أن الفكرة نشأت في بيئة التيار الإسلامي في الستينيات ضمن تجربة بنوك الادخار مع الدكتور أحمد النجار  في مصر إلى أن قضى عليها جمال عبد الناصر، ولكن نجاح الصيرفة الإسلامية كان كله في إطار رسمي منذ السبعينيات وضمن مشاريع حكومية أو مسنودة من الحكومات، وفي الدول التي لم تتطور فيها الصيرفة الإسلامية كان ذلك كذلك بسبب تحفظ الحكومات بالمنع المطلق أو التضييق أو رفض توفير البيئة القانوية للتأسيس والعمل.  

س ـ هل صحيح أنه كلما ابتعد الإسلاميون عن دائرة صنع القرار تغلبت عليهم الدعوة، فغرقوا في التنظير وابتعدوا عن التقانة ولغة الأرقام؟


ـ لا أظن ذلك، الدعوة الإسلامية صارت شأنا مجتمعيا ولا تحتاج الإسلاميين ليتخصصوا فيها سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة، وهذا في حقيقة الحال من نجاحاتهم، فقد اشتغلوا لعقود من الزمن في الساحة الدعوية إلى أن انتقل موضوع الكفاح من أجل الهوية من الدائرة التنظيمية المحدودة إلى الدائرة المجتمعية الواسعة. 

لو ننظر كيف كانت الأمة الإسلامية في بداية القرن الماضي، بل  قبل أقل من ذلك بكثير، وكيف هي الآن فسنشعر بالفرق. مثلما ذكرنا أعلاه كانت البلاد الإسلامية في بداية القرن الماضي تحت الاستعمار وكان عوام الناس غارقون في الجهل وتسيطر عليهم الخرافة وكانت النخب في مجملها مستلبة حضاريا، ولو أحدثك عن الجزائر بعد الاستقلال إلى غاية منتصف السبعينيات فقد كانت المرأة إذا أرادت أن تدرس أو تعمل عليها أن تخلع "الحايك" وكان شرب الخمر رجولة عند الكثيرين، وكانت الاتجاهات العلمانية مسيطرة على الجامعات والإدارات، وانظر اليوم: المساجد عامرة بالمصلين (20 مليون مصلٍّ يؤمون المساجد كل يوم جمعة حسب إحصائيات وزارة الشؤون الدينية)، الأغلبية الساحقة من النساء محجبات، وهو الحال في كل البلاد الإسلامية، وفي دراسة لمنظمة تابعة للأمم المتحدة تأكد أن أغلب المسلمين يفضلون التعامل المالي الشرعي مع البنوك ولو بمصلحة أقل، ولك كذلك أن تلاحظ غضب المسلمين حين يساء لدينهم ونبيهم ومقدساتهم وكيف يتمسكون بفلسطين.

المسألة لم تصبح شأن منظمات بل هو شأن مجتمع، صحيح أنه رغم حفظ الهوية فإن هناك عملا كبيرا يجب أن يتواصل من أجل غرس القيم وصيانتها، ولكن هذا شأن منظمات المجتمع المدني، كل في اختصاصه، والأحزاب الإسلامية عليها أن تدعم هذه المنظمات ضمن نظرية التخصص الوظيفي، وعليها هي أن تعلي من شأن القيم الإسلامية في الممارسة السياسية، خصوصا عن طريق القدوة وإعطاء المثل والنموذج.

س ـ تصر دائما على القول إن التيار الإسلامي سيتصدر المشهد في كل بلد إسلامي إذا ما جرت انتخابات نزيهة.. ألا يعد ذلك استغلالا لعاطفة الشعوب للدين في غياب النظرية السياسية والاقتصادية الإسلامية؟


ـ هل يوجد في الجزائر من يشك في كون الانتخابات كلها مزورة؟ هل يجهل أحد أن الانتخابات ألغيت في سنة 1992، ثم زور المسار الانتخابي كله ضد حركة مجتمع السلم؟ من يجهل أن وزراء وولاة ورجال أمن شهدوا أن الانتخابات زورت ضد حركة مجتمع السلم؟
 
صحيح أن التزوير لم يطل حركة مجتمع السلم فقط، ولكن هي الأكثر تضررا، ويمكن فهم ذلك من خلال المنطق فقط. شيء منطقي أن نكون الأكثر تضررا لأننا نحن من واجهنا جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي منذ بداية المسار الانتخابي في كل الولايات وبدون انقطاع، والأحزاب الأخرى بعضها ليس له الانتشار الذي يسمح لها بالترشح مثلنا في مواجهة أحزاب الموالاة، وبعضها لم يكن منافسا في كل الانتخابات منذ بداية المسار الانتخابي. 

مع أنني أؤكد لك أن السلطة كانت في بعض الأحيان تزور لصالح أحزاب المعارضة ضدنا في إطار لعبة التوازنات التي تدور في كل الأحوال علينا. والأمثلة كثيرة ومدونة. أذكر لك حالة مشهورة في الانتخابات التشريعية 2012: أعلِن عن نجاحنا بثلاثة مقاعد في ولاية من ولايات الغرب ثم نزع المجلس الدستوري المقعد الثالث لصاحبه بروفيسور معروف في الجامعة وأعطِي لامرأة بدون مستوى رغم المحاضر التي كانت بحوزتنا، وكان حزب هذه المرأة في المرتبة السادسة بعيدا كل البعد وقبله أحزاب أخرى لم تأخذ أي مقعد، ورغم الاعتراف بالخطأ لذلك البروفيسور حين قابل أحد أعضاء المجلس الدستوري شاكيا لم يصحح الخطأ. وهناك حزب آخر في المعارضة أخذ مقاعد لنا في 2002 وآخر في 2012. 

س ـ نحن نسمع فقط بالنظرية العامة لكينز.. أو نظرية السعر لميلتون.. بينما يغيب بشكل كلي تقريبا مثل هذا النوع من المنجز المعرفي لحد الساعة لدى الإسلاميين والعرب عموما.. هل سيستمر هذا الوضع طويلا؟


- إجاباتي أعلاه تكون قد أوضحت الجواب على هذا السؤال ولكن لتتأكد من مساهمتنا ضمن المسار الذي شرحته أعلاه بشيء من التفصيل يمكنك أن تكتب على غوغل: حركة مجتمع السلم "الحلم الجزائري" أو حركة محتمع السلم "البرنامج البديل" وستخرج لك عشرات الفيديوهات والمقالات عن برنامجنا. والبرنامج مطبوع عندنا ويشرفنا أن نسلمك نسخة منه. وبالطبع لا أستطيع أن أنشره كلية في هذه المقابلة ولكن أعطيك عناوين محاوره المتعلقة بالجانب الاقتصادي: 

أولا ـ التوجه الاقتصادي وأهداف التنمية.
ثانيا ـ هرم الاحتياجات السكانية الموجهة لبرنامجنا.
ثالثا ـ المال وحق التملك.
رابعا ـ الدولة وقطاعات الإنتاج الثلاثة: القطاع العمومي، القطاع الخاص، القطاع التضامني.
خامسا ـ المؤسسة الاقتصادية.
سادسا ـ السياسة النقدية والسياسة المالية في برنامجنا.
سابعا ـ الرؤية الاقتصادية ومجالات الإصلاح العشرة لتطبيق البرنامج.

- رؤية اقتصادية بعيدة المدى (5/10/20): الحلم الجزائري.
- السياسات ومجالات الإصلاح العشرة لخدمة التنمية: الإصلاح السياسي واستقرار الدولة، الإصلاح الإداري، الإصلاح المصرفي والنقدي، الإصلاح الجمركي، الإصلاح الجبائي والتأميني، إصلاح منظومة التعليم والتكوين والبحث العلمي، إصلاح المنظومة الأخلاقية والتربوية، إصلاح منظومة المشاركة المجتمعية، إصلاح العدالة والمنظمات التشريعية، إصلاح منظومة العلاقات الخارجية وما يتعلق بالمحتوى الإقليمية والدولية. 
 
س ـ يرى خبراء بينهم وزير الاستشراف الدكتور بشير مصيطفى، أنه لا توجد أي جهة في الجزائر سواء أكانت حزبية أو غيرها تملك برنامجا اقتصاديا، بما فيها حركة "حمس"، وأن الجهة الوحيدة التي تملك ذلك هي الدولة.. كيف ترد على ذلك؟


ـ لا أظن أنه ذكر حركة مجتمع السلم لأنه هو ممن ساهم في إعداد برنامج الحركة. وأنا اجتمعت به بهذا الخصوص وتبادلنا معه المسودات. وإن كان يقصد بالبرنامج هو ترسانة القوانين والإجراءات وتفاصيل المشاريع فمعه الحق، لا يوجد ذلك إلا عند الدولة، وهذا ليس في الجزائر فقط بل في العالم بأسره. 

 

لدينا برنامج اقتصادي أعده 134 إطارا من المفكرين والأكاديميين والكوادر المجربة في الحكومة


صحيح أن هناك من يطالب الحركة الإسلامية بأن تكون لها حجر مليئة بملفات تفاصيل القوانين والإجراءات وخطط المشاريع الحكومية، ربما سيادتك تنقل عن طريق هذا السؤال وجهة النظر الأخرى حسن وهذا من حقك، ولكن هذا التفكير لا يُلتفت إليه من قبل العقلاء وأصحاب المعرفة والكفاءة، فهو لا يحمل أدنى مستوى من المعرفة والعقلانية والموضوعية. الأحزاب حين لا تكون في الحكم تقدم في برامجها أفكارها الأساسية بشكل مجمل ثم في مختلف القطاعات وتقدم أجوبة وبدائل حيث توجد إخفاقات حكومية، وحين تكون في الحكم عليها أن تفرع البرنامج إلى قوانين وإجراءات ومشاريع ونظم وآليات. هذا من أبجديات الفكر السياسي.

س ـ هل من سبيل لتجديد الخطاب الديني عموما و(المسجدي خصوصا) بحيث يواكب روح العصر ولا يبقى حبيس مصطلحات عتيقة أكل الدهر عليها وشرب؟


ـ الخطاب الديني تم تجديده، ولا نجد المصطلحات العتيقة في خطب ومحاضرات الأئمة والدعاة الآن، إلا في حالات استثنائية لا تعبر عن الحقيقة، أو عند بعض التيارات الهامشية بالنسبة لجسم الأمة. غير أن المسألة تتعلق بكفاءة وفاعلية الإمام الخطيب والمدرس والداعية، من كانت له كفاءة فإن بين يديه مراجع عصرية في الخطاب الديني لا تحصى ولا تعد، ولكن إن كان قليل الكفاءة أو عاجزا أو كسولا فسيكون خطابه رديئا لا غير. 

س ـ لماذا غاب العرب برأيك عن قمة كوالامبور الأخيرة، إذا ما استثنينا الحضور القطري، رغم أن مفكرا مثل مالك بن نبي كان وراء فكرة الكومنويلث الإسلامي التي حاولت قمة كوالالمبور استثمارها؟


ـ موضوع قمة كوالالمبور عنوانها "دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية". وللأسف أن الدول العربية لم تتخط تحدي التنمية، لا تزال كلها متخلفة، وهي إما دول ريعية أو دول فقيرة، وأغلبها لا يملك سيادته، بل أغلبها صار متآمرا على الأمة ويمنع تطورها، ولذلك كثير منها يرى بأن هذا التعاون بين دول متطورة كالتي استجابت لقمة كوالالمبور شاهد على تخلفها وضعفها، وأن نجاح هذه الأمة سيخلق شرعية جديدة في العالم الإسلامي وهي شرعية التنمية والتطور والازدهار، فتسقط معها كل الشرعيات الزائفة: كالشرعية التاريخية، والشرعية العائلية، وشرعية القوة والإكراه، وشرعية "استعمال الدين" واستعمال "القومية والوطنية" من أجل البقاء في السلطة. 

ولو كانت تلك الحكومات العربية صادقة في تطوير بلدانها لتفاعلت إيجابيا مع هذه الفرصة للتعاون مع دول ناجحة ومتطورة علميا وتكنولوجيا وذات ثقل سكاني واستراتيجي كبير. علما بأن محور الريادة العالمية سيتحول في زمن قريب من الغرب إلى الشرق، نحو الصين والهند وروسيا، ونحن كمسلمين نملك في الشرق فرص المشاركة في هذه الريادة.

لك أن تتصور كيف يكون حال المسلمين حين تتحالف تركيا ذات الثقل الاقتصادي والسكاني والعسكري الكبير وماليزيا ذات الكفاءة والإنتاج الصناعي والتكنولوجي المتميز، وأندونيسيا ذات الصناعة المتطورة والثقل السكاني العظيم والمرتبة الثامنة في الناتج الإجمالي عالميا، وباكستان الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي وإيران ذات القوة الصاروخية التي حققت أمنها الغذائي والصامدة رغم الحصار ومعها الدول العربية الغنية بالموارد والرصيد الحضاري والموقع الجيوستراتيجي المتميز. لا أتصور بأن ثمة حاكم عاقل يحب الخير لبلده وللأمة الإسلامية لا يهتم بنجاح هذه المحاور الحضارية التي ستشكل عالم الغد، نحن اشتغلنا لمدة ست سنوات على مستوى منتدى كوالالمبور والحمد لله توصلنا إلى نتيجة مهمة حينما رجع د. مهاتير للحكم، وهذه التجربة ستستمر وتنجح بحول الله.

س ـ أخيرا.. دعت قمة كوالالمبور للفكر والحضارة، التي تترأس أنت أمانتها العامة إلى تشكيل شبكة تواصلٍ فعّالةٍ بين القادة والعلماء والمفكّرين في العالم الإسلامي.. هل يمكن توضيح الآلية لتحقيق هذا الهدف الكبير؟

 


ـ منتدى كوالالمبور منظمة غير حكومية تأسس سنة 2014، وهي منظمة تهتم بالفكر السياسي وبلورة الرؤى والنظريات في فقه الدولة وقد نظمنا خمس مؤتمرات كانت مواضيعها: الدولة المدنية، دور الحريات والديمقراطية في تحقيق الاستقرار والتنمية، الحكم الراشد ودوره في تحقيق النهوض الحضاري، الانتقال الديمقراطي السلس، ثم كان آخر مؤتمر الذي هو قمة كوالالمبور الأخيرة: دور التنمية في صيانة السيادة الوطنية. وبالإضافة إلى المؤتمرات نطلق جائزة سنوية عن أحسن بحث في موضوع المؤتمر (جائزة كبار الباحثين، جائزة المرأة الباحثة، جائزة الشاب الباحث)، وكذلك نطلق كل سنة إعلانا عالميا بعد نهاية كل مؤتمر يترجم إلى كل لغات العالم، بالإضافة إلى شبكة الباحثين في الفكر الإسلامي.

في كل المؤتمرات كان هدفنا وحدة العالم الإسلامي وصناعة النهضة والقوة الاقتصادية والريادة حتى نتمكن من ضمان السيادة ومناصرة فلسطين بجدارة وفي الأخير استئناف الحضارة الإسلامية. هذه الأفكار هي أفكار جامعة وهي التي يسرت لنا الاجتماع بدكتور مهاتير وقبوله أن يكون رئيس المنتدى لأنه كان مقتنعا تمام الاقتناع بهذه الرؤية وكانت حاضرة في كل خطبه ومحاضراته ولقاءاته ونصائحه، وحينما رجع إلى الحكم أعطاها بعدا رسميا وأقنع بها رؤساء دول ومسؤولين يحملون نفس الرؤية فكانت قمة كوالالمبور الخامسة التي رسمت مسارا جديدا وتطورا تنظيميا حيث حافظت على البعد الفكري الذي بقيت أنا شخصيا أتابعه بنفس المحاور التي ذكرتها أعلاه، وأضيف مسار تنموي يتابعه أمين عام ثاني من مساعدي دكتور مهاتير في الحكومة وهذا المسار يتعلق بمشاريع تعاون رسمي بين الدول الستة المعنية بالقمة ضمن خمس محاور: الأمن الغذائي، الصناعة الحربية والمدنية، الطاقة، التكنولوجيات الحديثة والابتكار، الشباب والتضامن الاجتماعي. 

 

قمة كوالالمبور خلقت شرعية التنمية والتطور في العالم الإسلامي وأسقطت الشرعيات الزائفة


والمنظمة بمساريها الإثنين تسير وفق الركائز السبع التالية: التنمية والسيادة، التجارة والاستثمار، التكنولوجية والحكومة الإلكترونية، الثقافة والهوية، النزاهة والحكم الراشد، السلم، الأمن والدفاع، وأخيرا الحرية والعدالة. 

 

إقرأ أيضا: مقّري: متى حكم الإسلاميون حتى نقول إنهم فشلوا؟

 

إقر أيضا: مقّري: سبقنا إسلاميي تونس في الفصل بين الدعوي والسياسي