قضايا وآراء

ملاحظات أساسية حول المشهد البيضاوي

1300x600
بدا المشهد في البيت الأبيض أمس لافتا وحافلا بالدلالات والمعاني، ولأن الشكل والمضمون هما في العادة وجهان لعملة واحدة، فقد جاء الشكل معبرا عن المضمون الذي جيّر لخدمة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو انتخابيا، وبالتأكيد لصالح إسرائيل وروايتها ومصالحها على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

المشهد البيضاوي لإعلان صفقة القرن كان بمثابة حفل انتخابي، وأصلا تم اختيار الوقت لخدمة هذا الهدف على أعتاب الانتخابات الإسرائيلية المقررة بعد شهر من الآن، ومع انطلاق العد التنازلي لحملة الانتخابات الأمريكية المقررة أواخر العام الجاري.

التوقيت له علاقة كذلك بالأزمات القانونية للطرفين، حيث تم اختيار الثلاثاء تحديدا بالتزامن مع مناقشة الكنيست طلب نتنياهو الحصول على الحصانة في مواجهة الملفات القضائية المفتوحة ضده، وفي مواجهة لوائح الاتهام التي قدمها المدعي العام أمس للمحكمة المركزية بالقدس المحتلة، كما للتغطية على محاكمة الرئيس ترامب أمام مجلس الشيوخ بتهمة انتهاك الدستور واستغلال منصبه لمصالح شخصية وسياسية، تماما كما هو الحال مع نتنياهو.

المشهد البيضاوي بدا دافئا وحميما، كذلك وكأنه تقديم لبرامج انتخابية، وعرض لتفاهمات حزبية وسياسية بين حليفين. من هنا يمكن الاستنتاج والتأكيد ببساطة أن "صفقة القرن" في الشكل والمضمون هي نتاج مفاوضات وتفاهمات ثنائية جرت بين حليفين بعيدا عن الجانب الفلسطيني، وحتى العربي، رغم كل ما يقال عن التنسيق مع بعض الدول العربية التي كانت في موقع المتلقي والمأمور.

ولأن الشكل انعكاس أو هو يعبر أصلا عن المضمون، فقد جاءت الصفقة أو تقدمة وعرض ترامب لها متبنية الرواية الإسرائيلية بالكامل، حيث السلام مرتبط بإسرائيل والإرهاب بالفلسطينيين، وحيث الدولة التي تملك ترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، ومعدل دخل الفرد فيها يعادل عشرين ضعف دخل الفرد الفلسطيني، سعت لفرض مخاوفها وهواجسها العنصرية والمتغطرسة في مواجهة الشعب الخاضع للاحتلال.

الدولة العبرية التي مارست، وارتكبت وما زالت ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني، كما قالت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، بحثت عن ضمانات أمنية إضافية في صفقة لم تتبنها فقط، إنما اتخذتها قاعدة وأساس لها.

في المشهد البيضاوي أيضا لم يكن غريبا حضور سفراء لثلاث دول عربية في تأييد ودعم واضح للصفقة الظالمة، كما قال علنا سفير الإمارات مثلا، وثمة سفراء آخرون لم يحضروا أو ربما لم يجرؤوا على الحضور رغم دعم دولهم الخفي والمستتر للصفقة، واستعدادهم للتساوق معها، بل واعتبارها أساسا لمفاوضات مباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، كما قال بيان وزارة خارجية نظام عبد الفتاح السيسي.

ولأن المشهد انتخابي، لذا لم يكن مفاجئا أن ينتقل نتنياهو من واشنطن إلى موسكو للحصول على صورة مماثلة في الشكل والمضمون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الداعم لإسرائيل والمتفهم لمخاوفها ومصالحها وحاجاتها الأمنية (كما يقول دائما)، حتى لو لم يتبن الصفقة الأمريكية التي تتجاهل قوى دولية رئيسية كما الأمم المتحدة، ولا تملك أصلا أي فرصة للنجاح.

في المضمون تبنت الصفقة الرواية الصهيونية كاملة دينيا تاريخيا سياسيا أمنيا واقتصاديا، وباختصار فقد طوت واشنطن القضايا المصيرية الصعبة، حيث القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وحيث لا انسحاب إلى حدود حزيران/ يونيو67 مع ضم ثلث الضفة الغربية، وسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على الحدود والأجواء، وطبعا لا عودة للاجئين إلى مدنهم وقراهم، ولا تعويض لهم، مع ذلك فإن قبول الفلسطينيين بهذا الواقع البائس والمهين مرتبط بالاعتراف بيهودية إسرائيل والقدس عاصمة لها، ما يعني تجريم كل تاريخ ونضال الشعب الفلسطيني، إضافة لنزع سلاح المقاومة في غزة، وعدم المضي قدما في مساءلة ومحاسبة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.. ببساطة القبول والخضوع التام للسيطرة والسيادة الإسرائيلية السياسية والأمنية والاقتصادية على كيان فلسطيني هو في الحقيقة حكم ذاتي بلدي وموسع، وكما يقول نتنياهو دائما، حكم ذاتي زائد أو دولة ناقص، وعندما حاجج يوم الاثنين في واشنطن؛ غلاة المتطرفين المستوطنين لإقناعهم، سألهم: هل يمكن أصلا إطلاق تسمية دولة على كيان منزوع السلاح والسيادة على عشر فلسطين التاريخية، وخاضع تماما للسيطرة الإسرائيلية على كل المستويات؟

طبعا لا يمكن لأي مسؤول أو قيادي فلسطيني القبول بهذه الصفقة المجحفة الظالمة، لذلك جاء الموقف الفلسطيني رسميا وشعبيا رافضا للصفقة، ومصرا على إفشالها. ورغم مأزق وضعف الطرف الفلسطيني، إلا أنه وحسب التجارب التاريخية لا يمكن أبدا تمرير أي صفقة أو خطة دون رضاه وموافقته.

الـ"لا" الفلسطينية القاطعة العنيدة لا بد أن تترجم مباشرة عبر إنهاء الانقسام، وتجديد المؤسسات والأطر القيادية عبر انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة، ثم سياسيا من خلال التوافق على برنامج سياسي وطني متفق عليه لمواجهة الصفقة وإفشالها، وإدارة الصراع مع الاحتلال بشكل عام.

لم يكن غريبا أن تركز الصفقة على الضفة الغربية لنهب ثلث أراضيها، بما في ذلك خزانها الجغرافي والزراعي والمائي، أي غور الأردن. وطبيعي أن تتركز مقاومتها هناك عبر فعل ميداني شعبي سلمي مستمر، لا يكل ولا يلين، مع عمل سياسي دبلوماسي في كل الهيئات والمؤسسات الإقليمية والدولية لحشد المواقف الرافضة لمنع أي طرف من التساوق معها.

لا يقل عن ذلك أهمية ضرورة المضي قدما في إجراءات محاسبة إسرائيل على جرائمها السابقة واللاحقة، بما في ذلك تنفيذ بنود الصفقة التي تمثل جريمة بحد ذاتها تتناقض بشكل فظ وصارخ مع الشرعية والمواثيق الدولية.