مقابلات

باحث عسكري: هذه مآلات الصراع بين السيسي ومناوئيه بالجيش

الباحث محمود جمال أكد أن المعركة القادمة بين السيسي ومناوئيه بالجيش ستصبح صفرية بامتياز وليست فيها أي حلول وسط- مواقع التواصل

قال الباحث بالشأن العسكري في المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمود جمال، إن حركة التنقلات المتعلقة بالقوات المسلحة، والخاصة بشهر حزيران/ يونيو 2020، ستكون كاشفة إلى حد كبير لما ستؤول إليه الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد خلال الفترة المقبلة.

وأضاف جمال، في مقابلة مع "عربي21": "إذا ما شملت الحركة المقبلة صعود أو عودة شخصيات من المحسوبة على المعسكر المناوئ للسيسي داخل الجيش، مثلما حدث نهاية عام 2019، فهذا سيؤكد تماما بدء تخلخل قبضة السيسي بشكل حقيقي على المؤسسة العسكرية والحكم بشكل عام، وحينها يمكن الجزم بأن الإجراءات التي حدثت سابقا انقلاب ناعم على السيسي".

"خطوة نادرة"

وفي خطوة نادرة، وعقب الاحتجاجات الشهيرة التي حدثت خلال شهر أيلول/ سبتمبر 2019، أخذ السيسي، لأول مرة منذ الانقلاب، خطوة للوراء، بغض النظر عما إذا كانت تلك الخطوة بإرادته أو على غير إرادته، إلا أن مراقبين أكدوا أن "هذا أمر نادر وفارق في مسيرة حكم السيسي".

وقد تمثلت تلك الخطوة "النادرة" في الإفراج عن رئيس الأركان الأسبق، الفريق سامي عنان، دون التماس أو عفو رئاسي، وعودة بعض قادة الجيش السابقين إلى المشهد العسكري مُجدّدا، وهو الأمر الذي يحدث للمرة الأولى، حيث تمت إعادة قيادات عسكرية إلى عضوية المجلس العسكري مرة أخرى رغم إطاحة السيسي بهم في السابق.

وكان على رأس هؤلاء القادة العسكريين، الذين كانوا "شركاء" السيسي في انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، ويوصفون بأنهم من "الحرس القديم" أو "الطرف المناوئ للسيسي"، الفريق أسامة عسكر الذي تم تعيينه كرئيس لهيئة العمليات، واللواء أركان حرب محمد رأفت الدش الذي تم تعيينه قائدا لقوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تفعيل دور كل من وزير الدفاع السابق الفريق صدقي صبحي، ورئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي.

 

اقرأ أيضا: السيسي يدعو الجيش للاستعداد لتنفيذ أية مهام توكل إليه

كما تحدثت تقارير عن إبعاد محمود، نجل السيسي، من منصبه بالمخابرات العامة للعمل في روسيا العام الجاري، بالإضافة إلى إبعاد بعض ضباط المخابرات المسؤولين عن ملف الإعلام، ومنهم المقدم أحمد شعبان مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، والرائد محمد فايز، والقبض على الضابط ياسر سليم الذي أُفرج عنه لاحقا. هذا بالإضافة إلى التغييرات التي جرت في الحرس الجمهوري وديوان الرئاسة.

وعادة ما تشهد المؤسسة العسكرية المصرية حركة تغييرات بداخلها ضمن نشرة التنقلات المتعلقة بها، التي يصدرها وزير الدفاع والإنتاج الحربي مرتين في العام الواحد، في كانون الثاني/ يناير، وفي حزيران/ يونيو من كل عام. لكن أحيانا ما تتم حركة تغييرات داخل الجيش دون التقيد بمواعيد تلك النشرة الدورية.


وبحسب رصد سابق لـ "عربي21"، قام السيسي بالإطاحة بأكثر من 42 قيادة عسكرية رفيعة المستوى معظمهم كانوا أعضاء بالمجلس العسكري، وذلك منذ انقلابه في 3 تموز/ يوليو 2013، وحتى الآن.

 

"نهج السيسي الدائم"


وأضاف الباحث العسكري، محمود جمال: "أما لو رأينا إطاحة السيسي بالقادة المناوئين له في تلك الحركة المرتقبة، على غرار ما حدث سابقا، وهو النهج الأصيل الذي يتبعه السيسي منذ انقلابه بشكل دائم ومتكرر، فهذا سيكون دليلا واضحا على أن السيسي قد حسم صراعه الأهم مع من يمكن وصفهم بمراكز القوى المناوئة له، وأن هؤلاء باتوا في وضع ضعيف جدا".

وتابع: "في حالة الإطاحة بالمناوئين للسيسي سندرك أن ما قام به قائد الانقلاب نهاية العام الماضي كان مجرد انحناءة عابرة للتحركات المناهضة له، حتى يمكنه احتواءها لاحقا ثم سرعان ما ينقض عليها، ويسعى للإجهاز على عقولها وذيولها، ويعود إلى سيرته الأولى في التنكيل بجميع المعارضين له داخل وخارج مؤسسات الدولة".

وأوضح جمال أن "المرحلة التي كنّا نصفها سابقا بمرحلة جس النبض والتفاوض بين طرفين مهمين داخل القوات المسلحة (طرف السيسي والمناوئين له) قد انتهت بالفعل، وقد دخلنا حاليا مرحلة الحسم وفرض السيطرة، التي سيتضح بموجبها أي المعسكرين أقوى، وأيهما يملك نفوذا وأوراق ضغط أكبر وأكثر، وبالتالي تكون تلك المرحلة مهمة للغاية، وستكشف الكثير من الحقائق الغائبة وغير الواضحة للكثيرين".

واستطرد قائلا: "الحقائق على الأرض تقول إن السيسي لم يتبع الخطوات التي أتخذها العام الماضي باحتواء المناوئين بأي خطوات أخرى جديدة تشير إلى أنه قد يمضي في مسار المعارضين له داخل الجيش ومؤسسات الدولة؛ فلايزال نظامه يمارس نفس السياسات والممارسات التي يتبعها سواء بالنسبة لطريقة إدارة ملف سيناء أو الغاز أو تيران وصنافير أو حتى الإفراج عن بعض ضباط الجيش المعتقلين، وبالتالي لا يوجد أي تغيير في فلسلفة حكمه".

"خداع استراتيجي"

وزاد جمال، وهو مسؤول ملف العلاقات المدنية العسكرية بالمعهد المصري للدراسات، بقوله: "يبدو أن حالة الاحتواء العابرة التي أتبعها السيسي في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2019 كانت حلقة من حلقات مسلسل الخداع الاستراتيجي الذي يجيده السيسي بكفاءة مع معارضيه المدنيين والعسكريين".

وأردف: "الطرف المناوئ للسيسي أيقن أنه تم احتواؤه فقط بعد حراك 20 أيلول/ سبتمبر، ولم يحصل على مكاسب حقيقية حتى الآن، ومن الواضح أنه لن يحصل على شيء إلا مشاركة صورية في المشهد وأن يكونوا تابعين للسيسي، وبالتالي فعلينا أن ننتظر الورقة الجديدة التي سيلعب بها هذا الطرف المناوئ، خاصة بعد احتراق ورقة الفنان محمد علي".

وأشار إلى أن "السيسي أقدم على حالة الاحتواء العابرة والنادرة لتزايد حجم الانتقادات والتحركات المعارضة له على خلفية الأحداث التي تسبب فيها الفنان ومقاول الجيش السابق محمد علي"، مضيفا: "يبدو أن ما شاهده الجميع في أحداث 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، والتي لم يتظاهر فيها أحد، أثبتت للسيسي مدى ضعف وهشاشة الطرف المناوئ له، وهو ما قد يشجعه على محاولة الإجهاز عليهم أو على الأقل إبعادهم تماما عن المشهد".

"معركة صفرية بامتياز"

واستدرك بقوله: "حتى لو نجح السيسي في الإطاحة بالمناوئين له في حركة حزيران/ يونيو المقبل فهذا لا يعني نهاية المعركة على الإطلاق، بل ستكون انتصارا للسيسي في تلك الجولة وهزيمة مؤقتة لمناوئيه الذين بكل تأكيد سيدركون تماما أن المعركة القادمة مع السيسي صفرية تماما، وستكون الجولة المقبلة بينهما تكسير عظام، إما منتصر أم مهزوم إلى الأبد؛ فالمعركة ستصبح صفرية بامتياز وليست فيها أي حلول وسط".

ولفت جمال إلى أن "هذا السيناريو قد يكون الأفضل بالنسبة للثورة المصرية، حيث سيدرك جميع المعارضين للسيسي، مدنيين وعسكريين، أنه لا مفر من اتحادهم أو تحالفهم تكتيكيا أو مرحليا في مواجهة السيسي ودائرته، وهو الأمر الذي قد يحدث التغيير المأمول خاصة في ظل عدم وجود أدوات وآليات للتغيير بيد قوى الثورة، وهكذا سيصبح كل طرف بحاجة للطرف الآخر حتى تكتمل قوتهم جميعا ويصبحوا قادرين على صنع التغيير".