كتاب عربي 21

ما لم يقله بيل غيتس .. ويا ليته قاله

1300x600

عندما قرأت خطاباً نسبته صحيفة "ذي صن" البريطانية لبيل غيتس يوم الثالث والعشرين من مارس / آذار 2020، تحمست له جداً لدرجة أنني وجهت رسالة مصورة عبر حساباتي في إنستغرام وفيسبوك وتويتر أشيد بالرجل، وهو أهل للإشادة لما اشتهر عنه من دعم للمشاريع الخيرية حول العالم.

 

بل تمنيت له في رسالتي المصورة أن يختم الله له بالإسلام حتى ينال الحسنى في الدار الآخرة كما نالها في الدار الدنيا.
 
لعل من يقرأ بتمعن ما جاء في الخطاب المفتوح الذي نُسب للملياردير غيتس يوافقني بأنه من أفضل ما يمكن أن تسمعه من عالم واعظ تقي ورع، إذ يدور الخطاب حول فكرة في غاية الروعة، مفادها – كما قال كاتبه – أن ثمة جانب روحي مهم لأزمة #فيروس_كورونا الذي لم يأتنا إلا ليذكرنا بما نسيناه من أمور بالغة الأهمية لا ينصلح حالنا إلا بها.
 
في ما ورد في الخطاب المزعوم كلام جميل وروحاني، غاية في الروعة، وفيه من المواعظ الحسنة والقيمة ما البشر جميعاً في أمس الحاجة إليه في هذه الأزمة التي لم يسلم منها قطر من أقطار المعمورة.
 

تملكني الفضول لمعرفة هوية هذا الذي كتب هذا الخطاب الروحاني الرائع، واختار أن ينسبه إلى بيل غيتس بدل من أن ينسبه لذاته، رغم أنه لو نسبه لنفسه لكان محل إشادة واحترام شديدين.

وكم أحزنني أن أعلم بعد ساعات قليلة من نشر ترجمة للخطاب باللغة العربية في موقع عربي 21 أن الخطاب مزور ولا تصح نسبته إلى بيل غيتس، كما أكدت ذلك صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية.
 
كان لابد أن أحذف البوست، كما حذفه كثيرون سبقوني أو لحقوني في نشر الخطاب والترويج له – سواء  بالعربية التي تُرجم إليها أو بالإنجليزية التي نشر بها أصلاً، واعتذرت لأصدقائي ومتابعي عن هذا الخطأ. في نفس الوقت، انتابني شعور بالحزن، إذ كنت فعلاً أتمنى أن يكون بيل غيتس هو صاحب الكلام الذي ورد في الخطاب، فهو رجل معروف بالسخاء والإحسان، وجميل أن تضاف إلى هذه الشمائل الكريمة صفة الحكمة وبعد النظر.
 
إضافة إلى الحزن، تملكني الفضول لمعرفة هوية هذا الذي كتب هذا الخطاب الروحاني الرائع، واختار أن ينسبه إلى بيل غيتس بدل من أن ينسبه لذاته، رغم أنه لو نسبه لنفسه لكان محل إشادة واحترام شديدين.
 
وبعد الفضول، راودتني فكرة بأن المسارعة إلى نفي علاقة بيل غيتس بالخطاب ربما لها من الدلالات أبعد من مجرد كشف تزوير وإحقاق حق. طبعاً، إذا لم يكن بيل غيتس قد صدر عنه شيء مما نسبه الناس إليه فمن حقه أن ينفيه، ومن واجب الإعلاميين ألا ينشروا ما ينسب إلى الناس زوراً وبهتاناً، ولكن الغريب أن الخطاب لا يسيء إلى شخص كاتبه بتاتاً وإنما يسلط الضوء على جوانب من الروحانية السامية، ويكشف عن حس مرهف، ويتألم إشفاقاً على البشرية.
 
قد أكون مخطئاً، ولكني أظن أن صدور مثل هذا الكلام عن شخصية من كبار المشاهير وواحد من أوسع الناس ثراء وتأثيراً في العالم قد يخيف بعض الدوائر التي لا تريد سماع ما يربط أزماتنا ومآسينا بما وراء الطبيعة، ويدعونا إلى التأمل والتدبر، وربما يحفزنا على ربط الدنيا بالآخرة، ويعيد للإيمان بالقدر خيره وشره موقعه في حياة البشر.
 
دون مزيد من الشرح والتأويل، ودون إضافة أي تعليق، أترككم مع نص الخطاب تتأملون فيه. وأخبروني بربكم من منكم لا يتمنى أن يكون هذا الخطاب قد صدر على لسانه؟
  
عنوان الخطاب المفتوح: "ما الذي يعلمنا إياه فيروس كورونا / كوفيد 19 في الواقع"
 
غاية روحية

 
أومن بقوة أن ثمة غاية روحية من وراء كل هذا الذي يحدث، سواء ما كنا نراه خيراً أو ما نحسبه شراً. وإذ أتدبر في هذا الأمر، فإنني أرغب في أن أشاطركم ما أعتقد أن فيروس كورونا / كوفيد 19 يفعله بنا في واقع الأمر.
 
1) إنه يذكرنا بأننا متساوون بغض النظر عن ثقافتنا وديننا ومهنتنا ووضعنا المالي أو مدى شهرتنا. فهذا المرض يعاملنا جميعاً بالتساوي، وربما ينبغي علينا أن نفعل ذلك أيضاً.
 
وإذا كنتم لا تصدقونني فما عليكم إلا أن تسألوا توم هانكس.
 
2) إنه يذكرنا بأننا جميعاً مترابطون وما يؤثر على شخص واحد سيكون له تأثير على شخص آخر.
 
إنه يذكرنا أن الحدود الزائفة التي أقمناها ليست ذات بال بالنسبة لهذا الفيروس الذي لا يحتاج إلى جواز سفر حتى ينتقل من مكان إلى آخر.
 
إنه يذكرنا إذ يضطهدنا لبرهة قصيرة بأولئك الذين يعيشون كل حياتهم في هذا العالم في حالة من الاضطهاد.
 
3) إنه يذكرنا كم هي ثمينة صحتنا وكم أهملناها من خلال تناولنا لطعام مصنع فقير بالمغذيات وشربنا لماء ملوث بالكيماويات فوق الكيماويات.
 
إذا لم نعتن بصحتنا فسوف نمرض بكل تأكيد.
 
4) إنه يذكرنا بقصر الحياة وبأهم شيء يتوجب علينا أن نقوم به، ألا وهو مساعدة بعضنا البعض، وخاصة مساعدة من هم مسنون أو مرضى.
 
إن غايتنا ليست شراء ورق التواليت.
 
5) إنه يذكرنا بما وصل إليه مجتمعنا من حياة مادية وكيف أننا في أوقات العسر نتذكر أن الذي نحتاجه فعلاً هو الأساسيات (الطعام والماء والدواء) مقابل الترف الذي نثمنه عالياً في بعض الأوقات بلا ضرورة.  
 
6) إنه يذكرنا بمدى أهمية الحياة في أسرتنا وبيتنا وبمدى إهمالنا لذلك.
 
إنه يجبرنا على العودة إلى بيوتنا حتى نعيد بناءها لتكون موطننا وحتى نعزز وحدتنا العائلية.
 
عملنا الحقيقي
 
7) إنه يذكرنا بأن عملنا الحقيقي ليس وظيفتنا، فالوظيفة هي ما نقوم به، ولكنها ليست ما خلقنا من أجل أن نعمله.
 
إنما عملنا الحقيقي هو أن نعتني ببعضنا البعض، وأن نحمي بعضنا البعض، وأن ننفع بعضنا البعض.
 
8) إنه يذكرنا بأن علينا أن نضبط الأنا التي فينا.
 
إنه يذكرنا بأنه مهما ظننا أنفسنا عظماء أو مهما اعتبرنا الآخرون عظماء، فإن فيروساً بإمكانه أن يشل حركة العالم الذي نعيش فيه.
 
9) إنه يذكرنا بأن قوة الإرادة الحرة إنما هي بأيدينا.
 
بإمكاننا أن نختار وأن نتعاون وأن يساعد بعضنا بعضاً، وأن نتشارك، وأن نعطي، وأن نساعد ونساند بعضنا بعضاً، أو بإمكاننا أن نكون أنانيين، وأن نختزن لأنفسنا، وأن نعتني فقط بأنفسنا.
 
وفعلاً، إنما هي الشدائد التي تكشف عن ألواننا الحقيقية.
 
10) إنه يذكرنا بأن بإمكاننا أن نتحلى بالصبر أو أن نقع فريسة للارتباك والهلع.  
 
بإمكاننا إما أن نفهم أن مثل هذا الوضع سبق أن حدث مرات عديدة من قبل في التاريخ، ولسوف يمر، أو بإمكاننا أن نهلع ونعتبره نهاية الدنيا، وبالتالي نسبب لأنفسنا من الضرر أكثر ما نجلب لها من النفع.
 
11) إنه يذكرنا بأن هذا يمكن أن يكون نهاية أو يمكن أن يكون بداية جديدة.
 
يمكن لهذا أن يكون ساعة للتدبر والفهم، حيث نتعلم من أخطائنا، أو يمكن له أن يكون بداية دورة تستمر إلى أن نتعلم أخيراً الدرس الذي يراد لنا أن نتعلمه.
 
12) إنه يذكرنا بأن هذه الأرض باتت عليلة.
 
إنه يذكرنا بأننا بحاجة إلى أن نتأمل في معدل اجتثاث الغابات وذلك بنفس الإلحاح الذي نبديه حين نتأمل في سرعة اختفاء ورق التواليت من رفوف المتاجر. نحن مرضى لأن موطننا بات عليلاً.
 
13) إنه يذكرنا أنه بعد كل عسر سيكون هناك يسر.
 
إنما الحياة دوارة، وما هذه إلا مرحلة في هذه الدورة الكبرى. ولذلك لا نحتاج لأن نصاب بالهلع، فهذه المرحلة ستنقضي أيضاً وستمر.
 
14) بينما يرى الكثيرون أن فيروس كورونا / كوفيد 19 كارثة عظيمة، أفضل أن أراه "مصححاً عظيماً". لقد أرسل لكي يذكرنا بالدروس المهمة التي يبدو أننا نسيناها ويعود الأمر إلينا إن كنا نريد أن نتعلمها أم لا.