أخبار ثقافية

الحلم الطوباوي في مذكرات الأرقش لميخائيل نعيمة

ميخائيل نعيمة

لعلّ القارئ يوافقني فيما يمكن أن يثيره النّص الأدبي في نفس القارئ من انفعالات وعواطف، ولذا فإننا لا ندري أحيانًا إن كان علينا أن نأخذ النّص الأدبي مأخذ الحقيقة أم مأخذ الخيال، غير أنّ ما ينبغي الإشارة إليه هو أن يكون الأدب مرآة للواقع، أو على الأقل يجانبه، ولو من بعيد، ذلك رأيي، ولا ألزم به أحدًا.

 

ودون أن ندخل في تفاصيل هذه القضية، حسبنا أن نشير منذ الآن إلى أنّ الطوباوية تجمع بعضًا من المفاهيم الأخرى التي تختلف معها في اللفظ، وتتفق في المعنى العام، على نحو ما نجده في يوتوبيا، والمدينة الفاضلة، والمثاليّة، أو نحو ذلك.


الأدب الطوباوي


أيًّا ما كان الأمر، فإنّ الرّجل الطوباوي هو من ينأى بنفسه عن الحقيقة والواقع، منشئًا واقعًا مثاليًا متخيّلًا، وعلى الرّغم من ذلك، فإنّه يسعى جاهدًا إلى تحقيقه.


وفقًا لهذا، فإنّ الطوباوية تغدو فكرة بعيدة عن الواقع، لتشير إلى مكان ومستقبل غير قابلين للتّجسّد الفعلي على أرض الواقع، والسّبب في ذلك، أنّها في الأصل مجرّد تصورات وفرضيّات، ماثلة في الذهن، تعبّر عن فكرة ونظرة فلسفيّة(1).   


لهذا، غالبا ما ينزع الفكر الطّوباوي إلى البقاء، والحرية، والخلاص، وينشد العدالة، والمساواة إلى ما سوى ذلك من قيم، وهو فكر مبني على الخيال والمثاليّة، لا يتصل بالواقع في كثير من الأحيان، كما أنّه لا يظهر إلّا ما هو غير مألوف في الواقع.


والنّتيجة التي يصل إليها هذا التّصور، في أنّ الأدب الطّوباوي يمثل شكلًا من التّأليف، قائم على فكرة فلسفيّة، يتخيّل الكاتب من خلالها واقعًا مثاليًا افتراضيًا، لا أساس له في الواقع، واقع يزخر بأسباب الرّاحة والسّعادة والطّمأنينة السّرمديّة، أو محاولة البحث عن حلول جذريّة للواقع الرّاهن، مما من شأنها بناء عالم أفلاطونيّ مثاليّ.


ميخائيل نعيمة رائد الأدب المهجري


يُمثّل ميخائيل نعيمة المولود سنة (1889م) في قرية بسكنتا على منحدرات جبل صنين اللبنانيّ(2)، وليس بين المراجع التي ترجمت له من خلاف بأنّه واحد من روّاد الأدب المهجري، ومن أبرز أعضاء الرّابطة القلميّة (1920ـ 1931)، ومن أعظمهم ذكاءً، وأكثرهم نشاطًا، وأرسخهم أدبًا(3)، وقد توفي في (1988م).


مذكرات الأرقش


مذكّرات الأرقش الصّادرة سنة (1949)، تقع في حوالي (135) صفحة، هي في الحقيقة مذكّرات كتبها شخصٌ آخر، اسمه الأرقش، تدور حول شخص مجهول النّسب، غريب الأطوار، يكتب ويقرأ، ولا يعرف أصله من فصله، وجهه مشوّه بالجدري، لهذا لقب بالأرقش، وهو شاب أرجنتيني، من أصل لبنانيّ، دائم السّكوت والصّمت، كثير التّأمل، منكفئ على ذاته، عمل مدّة ثلاث سنوات في مقهى عربي بنيويورك نادلا، عشق فتاة، وأُغرم بها حتّى الجنون، ومن فرط حبّه لها قتلها في ليلة الزّفاف، وقد كتب ورقة مطوية:

 

"ذبحتُ حبّي بيدي لأنّه فوق ما يتحمّله جسدي ودون ما تشتاقه روحي"، الأمر الذي جعله فاقد الذّاكرة، لنتبيّن لاحقًا في تكملة المذكّرات أنّ اسم الأرقش الحقيقي شكيب، واسم محبوبته نجلا. 


عندما بلغت الدّهشة من ميخائيل نعيمة مبلغه عن أمر هذا الرّجل الغريب، طلب من صاحب المقهى أن يطلعه عمّا إذا كان الأرقش ترك أثرًا أو شيئًا، وإذ بصندوق صغير، في داخله دفتر مكتوب على غلافه كلمة كبيرة "مذكراتي"، ساعتئذ كان ميخائيل نعيمة مستعدًا أن يدفع لصاحب المقهى مهما طلب ثمن الدّفتر.


الأرقش


إنّ الأرقش في المذّكرات، يبحث عن مأوى، فعمل خادمًا في مقهى؛ لقاء أن يكفيه من سؤال النّاس، وظلّ طوال خدمته متفانيًا في عمله، مطيعًا، وأمينًا، وقانعًا، لا يشكو ولا يتذمر، وقد غادر المقهى على حين غرّة، تاركًا خلفه مذكّراته، مما جعل صاحب القهوة يشعر بالفقد والوحدة والحزن والتّحسر، مضطرًا أن يخدم الزبائن بنفسه، وكون ميخائيل نعيمة واحدًا من المرتادين على المقهى، أهدى صاحبه مذكّرات خادمه له. 


لقد أعاد ميخائيل نعيمة صياغة المذكرات، ووجد أنّها جديرة وتستحقّ النّشر، وقد اعتمدت على أسلوب اليوميّات، دون تاريخ، وتتوزّع تقريبًا على ستين يومًا، فقد اكتفت بأيام الأسبوع، وتضمّ مواضيع مختلفة ومتنوّعة في كلّ يوم، عن النّاس، والطّبيعة، والوطن، والحبّ، والصّداقة، والأمانة، والزّواج، والأم، والمصيبة، والحرب، والمال، والموت، والرّوح، وغيرها من المواضيع، تتقاطع أو تتماس بعضها ببعض.


النّزعة الفلسفية


تنزع مذكّرات الأرقش نزوعًا تأمليًا، حيث يتنازل فيه الواقعي للمثال، في منحى فلسفي يعبّر عن ذهنية فلسفية تأملية، إذ يقول في مستهل مذكّراته: "النّاس قسمان: متكلمون وساكتون. لذلك سكتُّ والناس يتكلّمون"، والسّكوت في هذه الحالة هو سكوت العارف والتّرفع، وغالبًا ما يكون تعبيرًا عما يختمر في الذّهن من أفكار، وما هذا السّكوت إلّا تعبير واضح لواقع الأرقش الاجتماعي المهمّش، وتعبير قوي عن الحالة النّفسية التي يعيشها، في وسط يعج بالمتناقضات، وكثر القول على الفعل، ولولا ذلك لما كان سَكَتَ الأرقش والنّاس يتكلمون، كما أنّ هذه الحالة من الصّمت جعلت الأرقش يطيل التّأمل والتّفكير بما يتلاءم مع نزوعه الفلسفي.


إنّ الأرقش يعتنق فلسفة إنسانيّة، فلسفة لا تقيم وزنًا للحدود، فلسفة تنشد الخلاص من التّبعيّة، فلسفة تنزع في الحكم لحياة مثاليّة، لا أبيض ولا أسود، لا عربي ولا أعجمي، فلسفة تنشد للحب والمحبة، العدل، والمساواة، إذ يقول:


"لا يهمّني أن أدري أين ولدت، أو ممن ولدت، لذاك لا وطن لي، ولو كان لي وطن لتبرأت منه، فأنا ابن العالم الأوسع، لا ابن جرم صغير ندعوه الأرض، ولو كانت الأرض بكاملها لي، ثم جاءني زنجي من أفريقيا يزاحمني على فترٍ منها، لتخليت له عنها بأسرها"(4).


يحلم الأرقش بمجتمع خالٍ من التّمييز، ناشدًا إلى الكمال، لذلك فإنّه دائم القلق من الموت، وإنّ حالات الخوف، والقلق، والتّوتر الّتي تعرّض لها الأرقش، جعلته يمرّ بموجات عاطفيّة ومشاعر متنافرة، حيث يقول: "ليت الموت يموت ويتركنا ناقصين. أو ليتنا نكتمل بغير الموت".


من هنا، لا ينفك الأرقش يتساءل باحثًا عن روحه التّائهة، باحثًا عن جوهر الخلاص داخل الذّات الإنسانيّة المتشظيّة، لذلك لا يرى مناصًا من تأمّل مظاهر الطّبيعة، إذ يقول؛ "إنّ مسامرة النجوم والأمواج أجدى من طبخ القهوة وتقديمها للزبائن وقبض الفلوس منهم".


الحلم الطوباوي ما بين الممكن واللاممكن


إنّ هواجس حبّ البقاء، والخوف من الفناء، والموت ظلا يسيطران عليه، لذلك عبثًا حاول الأرقش بناء عالمه الأفلاطونيّ والمثاليّ، ومن خلال المنطوق السّردي يكشف لنا بوضوح مدى القلق الذي استبدّ به إلى حدّ الألم، وعلى الرّغم من هروبه من واقعه، إلاّ أنّ خوفه وقلقه بلغ مبلغًا عظيمًا، وعلى سبيل التّوضيح نأخذ منطوقًا سرديًا آخر، ليتضح لنا ذلك بما لا يقبل الجدل، حيث يقول: "يؤلمني أن أحيا بآلام غيري وأن يحيا غيري بآلامي. فالألم هو عدوي وعدو الناس الأكبر".


إنّ ثنائيّة الألم واللذة، والموت والحياة، قد استبدّت على عقليّة الأرقش، لتشكّل صراعًا، ومردّ ذلك راجع إلى القلق، وهذا ينمّ عن تفكير عميق، موغل في العمق، هذا ويصل الحلم الطوباوي عند الأرقش ذروته في قوله:


"لو ألقت البشريّة مقاليدها إليّ، لجعلتُ منها جيشًا واحدًا منظّمًا كأحسن ما تُنظّم الجيوش، ومدربًا خير تدريب، ولأعلنتُها حربا شعواء على الأرض، وجعلتُ مجاهلها معالم، وذللتُ جبالها ووعورها وصحاريها، وفجّرت ينابيعها، ومحوت الحدود منها والسدود، وقلتُ لأبناء الأرض: اسرحوا وامرحوا وكلوا واشربوا من طيبات ما خلقت أيديكم".


لقد حاول الأرقش في مذكّراته إيجاد حلول لمعالجة قضايا الوجود، عبر استغلاله طاقة الحلم، لعله يعوّض عما افتقده في الحياة، إلا أنّه فشل في ذلك، وحاول عبثًا رسم واقعه الأمثل، واقع تنتفي فيه مظاهر الظلم ويسود فيه العدل والحرية، لا حاكم ولا محكوم.


إن الحلم عند الأرقش ملاذه الوحيد، لكن هذا الحلم الطّوباوي الذي أقل ما يقال عنه بالعميق، هو الذي أدّى به في نهاية الأمر إلى كآبة جادّة، ونظرة متشائمة، قوامها القلق والعذاب النّفسي، وقد عبّر عن ذلك من خلال عكس حالة التّوحد، والتّورم، والعزلة، والانسلاخ عن واقعه، يقول:


"لقد أحببت عزلتي وسكوني يوم كان حولي بشر أعتزلهم وألجم لساني عن مكالمتهم، أما وقد أصبحت وحدي ولا شبيه لي في الأرض من جنسي، فعزلتي انقلبت وحشة وسكوتي سجنا ووجودي غربة".


إنّ الأرقش في المذكّرات مصاب بداء الرّومانسيّة الحادّة، الرّومانسية الحالمة، الموغلة في العمق، الأمر الذي جعله يصاب بالخيبة، والهزيمة، واليأس، ويشعر بالمرارة والفشل، ولا غرابة أن يرتد الأرقش على ذاته حين لا يجد لعالمه الطوباوي هذا مكانًا في ما صوّره له خياله، ليصاب بالخيبة، والحزن، واليأس، ليظهر الأرقش في شخصية مضطربة، وشكاكة، وحائرة، إذ إنّ الزّواج في نظره مقرون بالتّعاسة والضّنك والشّقاء، يقول: "الحبّ يسمو بالمحبّ إلى أعلى، والزّواج يشد به إلى أسفل، الحبّ يلتهم المحبّ فينشره شعاعًا في الفضاء، والزّواج يسجن المحبّ فينثره هباءً في الهواء"؛ فيصور الزواج وكأنه سجن يقيد الإنسان ويعيق حركته ويسلب حريته، مما يدفعه إلى الملل والهروب إلى علاقات أخرى.


وهذا خيط كأقوى الخيوط متانة، الّذي سيحيلنا إلى السّبب الذي جعل الأرقش يقدم على قتل محبوبته في ليلة زواجه، على الرّغم من أنّه لا يوجد أثر لغيرة، ولا خلاف، ولا خصام، ويبدو أنّ محاولات فشل الأرقش في بناء عالمه المنشود والتأقلم مع واقعه، هو سبب آخر في ارتكابه جريمة القتل، حيث يقول:  
"أنا الذّابح والمذبوح، ذبحتها فانذبحتُ. بيدي بيدي هذه ذبحتُ حبي؛ لأنه فوق ما يتحمله جسدي ودون ما تشتاقه روحي".


لقد ارتسم واقع الأرقش الرّاهن على ما يظهر ويبدو مكانًا مسيّجًا بالدّم المراق، لهذا اتّسمت خاتمة المذكّرات بالمأساويّة إلى حدّ يمكن عدّها فاجعة مروّعة، لتعميق الإحساس بقوّة الخيبة والصّدمة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أظهرت أن لدى الأرقش نزوعًا واضحًا للموت والذّبح، ورغبة عارمة في سفك الدّم، والسّؤال هنا: لماذا الموت والذّبح والدّم؟


إنّه الموت البديل، الموت المعادل عن الواقع، والموت بكلّ بشاعته يكون رحمة من هذه الخيبة والصّدمة، إنّه موت الرّومانسي الحالم، وصوت الأنا المتفجّر، الباحثة عن السّعادة السّرمديّة، الّتي لا تكون إلّا من خلال عالم جديد.


لقد أجهض الأرقش على الحلم؛ لأنّه لم يستطع بناء واقعه الطّوباوي، وإنّ معاناة الأرقش وخوفه وقلقه الدّائم ولّد لديه صراعًا حادًا، وحالة نفسيّة صعبة ومتأزّمة، فانهارت أعصابه، وذهب عقله، حتّى عاش في قلق مطبق، وتشرّد مستمر.


ونخلصُ مما تقدّم، إلى أنّ حدود العالم الطّوباوي لا وجود له إلّا في خيال الأرقش، لتتنزّل الطّوباويّة لديه ما بين ما يسهل إدراكه، وما يستحيل تمثّله على أرض الواقع، وهذا ما وددتُ أن أقوله حول هذا الموضوع. 

 

المصادر والمراجع:
(1) انظر، يوتوبيا، المفهوم ودلالاته في الحضارات الإنسانية: شريف بن دوبة، ط1 ـ 2018، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ص11.
(2) انظر، تاريخ الشعر  العربي الحديث: أحمد قبِّش، دار  الجيل، بيروت، 1971، ص 300.
(3) انظر، أدب المهجر: عيسى الناعوري، وزارة الثقافة الأردنية، عمّان، 2011، ص 389. 
(4) مذكرات الأرقش: ميخائيل نعيمة، ط7 ـ 1989، مؤسسة نوفل، بيروت، ص 29 ـ 30.