ملفات وتقارير

ماذا وراء غضب ماكرون من دور تركيا في ليبيا؟

خلقت أنقرة توازنات دولية تعزز موقفها في ليبيا بإقحام واشنطن وأظهرت سياسة نشطة وواثقة في العديد من الملفات

عكست تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة غضبا كبيرا إزاء الدور التركي في ليبيا، إذ اعتبر أن أنقرة تمارس "لعبة خطيرة" وبرر "هواجس" النظام المصري، في تأكيد لموقف باريس الداعم للواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يخوض حربا ضد الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس.

وجاء تصريح ماكرون بعد ساعات فقط من انعقاد اجتماع بين رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، الاثنين، مع قائد القوات الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، الجنرال ستيفن تاونسند، وسفير واشنطن لدى طرابلس ريتشارد نورلاند.

وذهب ماكرون إلى حد اعتبار أن ممارسات أنقرة في البحر الأبيض المتوسط "تثبت الموت السريري لحلف شمال الأطلسي (الناتو)".

كما يأتي التصريح الفرنسي "الغاضب" بعد  تقدم الجيش الليبي على حساب قوات حفتر، التي فشلت باريس طوال السنوات الماضية بإخفاء تحيزها لها، رغم إعرابها عن الرغبة بالاستئثار بالوساطة بين الفرقاء في البلد المضطرب.

وتبرر باريس، وغيرها من العواصم الأوروبية، تدخلها بالشأن الليبي بالحاجة إلى إنهاء النزاع لتعزيز قدرتها على مكافحة الهجرة غير النظامية ونشاط المجموعات التي تعتبرها "إرهابية"، لكن اتفاق أنقرة و"الوفاق" مع تلك الأهداف لم يمنع ماكرون من صب غضبه على تركيا، حليفة بلاده في إطار "الناتو".

بعثرة للحسابات

وفي حديث لـ"عربي21"، قال الخبير في الشؤون الأوروبية، حسام شاكر، إن فرنسا كانت حاضرة في المشهد الليبي منذ بداية الأزمة قبل عشر سنوات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

لكن صراع باريس، بحسب شاكر، تركز في السنوات الماضية مع خصوم أوروبيين، ولا سيما إيطاليا، وهو ما شكل عاملا في إطالة أمد الأزمة.

وأضاف: "عندما بدأ الحضور التركي بالبروز، ولا سيما في الأشهر الأخيرة، كانت طرابلس على وشك السقوط، ولكن تدخل أنقرة حال دون ذلك، وتزامن أيضا مع انفتاح المشهد على جملة من الأدوار الإقليمية والدولية".

 

اقرأ أيضا: التايمز: سياسة بريطانيا وفرنسا قد تحول ليبيا لـ"دولة فاشلة"

وتابع: "أدى التدخل التركي إلى تغير كبير في التوازنات وانحسار واضح لحفتر وداعميه، ما شكل إرباكا كبيرا لحسابات فرنسا"، لافتا إلى أن مؤتمر برلين كان محاولة أوروبية لاحتواء دور أنقرة، إلا أن الأخيرة "واصلت وبطريقة محكمة ولا سيما من حيث الشرعية الدولية".

وإضافة إلى ذلك، فإن النشاط التركي في شمال أفريقيا زاد من قلق فرنسا على مجالها الحيوي التقليدي في القارة السمراء، بحسب "شاكر"، الذي أضاف بالإشارة إلى أن "تعبير سياسات أنقرة عن ثقة متزايدة" سواء في ليبيا أو سوريا أو المتوسط يشكل إزعاجا لباريس.

إقحام واشنطن

ومما صب الزيت على النار بين فرنسا وتركيا، سلك الأخيرة سياسة خلق تحالفات دولية لدعم موقفها في ليبيا. ويقول شاكر: "أنقرة معنية بإحداث توازنات في مواقفها بمختلف الملفات.. إذ يمكن أن تستفيد من تفاهمات معينة مع الجانب الأمريكي لموازنة الموقف الأوروبي في ليبيا".

لكن شاكر أشار في الوقت ذاته إلى أن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه التنسيق بين تركيا والولايات المتحدة في ليبيا غير واضح تماما في هذه المرحلة، فضلا عن إمكانية أن تعتريه بعض الإشكالات.

ورغم تزايد نفوذ العديد من القوى الدولية في مستعمرات فرنسا السابقة بالقارة السمراء، وأبرزها الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا، إلا أن شاكر استبعد تآكل جذور نفوذ باريس في المدى المنظور.

وأوضح أن فرنسا تتمتع بنفوذ مستقر وعميق، وشبكة علاقات معقدة اقتصاديا وعسكريا واستخباراتيا مع العديد من الدول الأفريقية.

لكنه أشار إلى أن المشهد الداخلي المرتبك، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، الذي تعبر عنه النزعة اليمينية واحتجاجات السترات الصفراء، سيجعل لأي خسارة للمصالح في الخارج، وتأثر البلاد بها، انعكاسات حادة على الداخل، بتعزيز حظوظ اليمين المتطرف.

 

اقرأ أيضا: حشد متزايد بقيادة فرنسية.. هل تشكل أوروبا جيشا موحدا؟

رهان خاطئ

وإجابة على سؤال حول سبب مراهنة باريس على حفتر منذ البداية، أجاب الخبير في الشؤون الأوروبية بأن ذلك يأتي في إطار تقاليد اعتماد القوى الدولية على متنفيذين هم في الواقع "أمراء حرب أو انقلابيون" في السعي لتحقيق الهيمنة.

وأوضح شاكر: "ذلك مريح للأطراف الخارجية لأنه يعني التفاهم مع طرف قوي محدد (يفتقد للشرعية) مقابل منحه الغطاء السياسي الدولي".

وتابع بأن ذلك "يوفر ضمانة أكبر للنفوذ من التفاهم مع طرف ذي شرعية ديمقراطية دولية متعدد العلاقات ومتقلب الحسابات وفق المصلحة الوطنية".

مصير الناتو

أما بشأن تكرار ماكرون الحديث عن "موت سريري" للحلف العابر للأطلسي، قال شاكر إن التطورات تضغط بالفعل على تماسك الناتو، لكن ذلك التصريح "ليس سوى تعبير عن الانزعاج" من تركيا، بحسب شاكر.

وأوضح بالقول إن باريس ليس لديها بديل حاليا عن التمسك بالناتو، مشيرا إلى أن المعضلة الأساسية التي يواجهها الحلف "تتمثل في مستقبل الشراكة بين الأوروبيين والولايات المتحدة، لا سيما إذا فاز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا".

وتابع بأن قرار واشنطن سحب قوات من ألمانيا يشير إلى أن مصير تلك الشراكة التاريخية سيشكل الاختبار الأساسي للحلف في السنوات المقبلة، أكثر من خلافات باريس وأنقرة.