سياسة عربية

تحركات مصرية عالية المستوى بحوض النيل.. ما دلالاتها؟

التحركات تبحث إقامة العديد من المشروعات الاستراتيجية المشتركة بين مصر والسودان- مواقع التواصل

تحركات دبلوماسية مصرية على أعلى مستوى في منطقة حوض النيل، في توقيت ومرحلة هامة من أزمة مياه النيل المتواصلة بين مصر والسودان وإثيوبيا منذ سنوات.

وقام رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، بزيارة السودان قبل أسبوعين نهاية تموز/ يوليو الماضي، ليقوم بعدها بزيارة دولة جنوب السودان، مصطحبا وزيرة الصحة المصرية، الجمعة الماضية 14 آب/ أغسطس الجاري، وليفتتح مشروعا صحيا مصريا في جوبا.

وفي اليوم التالي قام وفد مصري رفيع المستوى بزيارة السودان، تحمل كثيرا من الدلالات في حجم تمثيلها وفي توقيتها في ظل تفاقم أزمة المياه مع إثيوبيا.

والتقى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في الخرطوم السبت، رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، بصحبة وزراء التجارة والصناعة والري والصحة والكهرباء، وممثلين لوزارات النقل وعدد من وكلاء الوزارات المصرية.

 

 

 

 

والتقى مدبولي أيضا، رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو حميدتي.

 

 

 


"مشروعات استراتيجية"

وأسفر لقاء مدبولي، وحمدوك، عن بحث العديد من المشروعات الاستراتيجية المشتركة في مجالات المواصلات والكهرباء والتجارة والزراعة والصناعة والرعي وإنتاج اللحوم.

وقال السفير المصري بالخرطوم حسام عيسى، للإعلام، إن المباحثات تناقش كافة الملفات المتعلقة بالعلاقات الثنائية، والربط الكهربائي والسكة الحديد، وتسهيل حركة المرور عبر المعابر، وتنظيم التجارة.

واعتبر حمدوك أن هذه الزيارة تؤسس لبداية جديدة تم التأكيد فيها على تفعيل الاتفاقيات والبروتوكولات والبدء في برامج عملية تؤسس لعلاقة تقوم على المصلحة المشتركة بين الشعبين الشقيقين.

ويأتي التقارب المصري السوداني وسط تجاذبات سابقة في عدة ملفات بينها الخلاف على مثلث حلايب وشلاتين، وأهمها المفاوضات حول ملف المياه والسد الإثيوبي، والتي تشهد على ما يبدو تقاربا بين البلدين بشكل ما مؤخرا.

"مربعات الشطرنج"

وحول دلالات ذلك التوجه المصري نحو دولتي السودان وجنوب السودان، قال أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة وأكاديمية ناصر العسكرية، أيمن شبانة، إن "هذا التوجه في هذا التوقيت هو تحرك استراتيجي مبني على خطط مصرية ورغبة في تنوع علاقات القاهرة بالقارة الأفريقية؛ سياسيا وأمنيا وبالمجالات المدنية بتنوعاتها".

وأشار الأكاديمي المصري بحديثه لـ"عربي21"، إلى أن اللقاءات المتتابعة وعالية المستوى من القاهرة، وفي هذا التوقيت هي "بغرض التركيز على حوض النيل والقرن الأفريقي كونها أهم الدوائر بالقارة بالنسبة لمصر".

وأوضح أن "علاقات مصر والسودان استراتيجية كونها دولة جوار، ويتشارك شعبها مع المصريين حوض النيل؛ ولذا فإن استقرار السودان من استقرار مصر ودعم العملية الانتقالية بالخرطوم والذي تقوم به القاهرة أمر هام".

ولفت شبانة، إلى أن "مصالح مصر المائية المستقبلية مهمة واستراتيجية في جنوب السودان"، مضيفا: "ولذا فإن تمكين جوبا من إنهاء الحرب الأهلية، ودعم القاهرة لها عبر مشروعات صحية وتعليمية وإنشاء الطرق وإنتاج الطاقة، إحدى تلك الخطوات".

وقال إن "القاهرة تسعى لصناعة رصيد لها بالبلدين والمنطقة على المستوى الرسمي والشعبي"، لافتا إلى "أهمية هذا التحرك المصري الذي يأتي في مكانه الطبيعي"، مبينا أن "أي فراغ ستتركه مصر قد يستغله أعداؤها مثل إسرائيل".

وأكد أستاذ الدراسات الأفريقية، أن "تلك المنطقة تشبه مربعات الشطرنج، وأي مربع سيخلو سيتمركز فيه منافس لمصر يهدد مصالح القاهرة التي تقدم مشروعات تعود بالنفع على شعوب حوض النيل والقرن الأفريقي".

ويعتقد شبانة، أن "مصر تحتاج إلى ظهير أفريقي مساند لها يسمع صوت مصر ويدعم قضاياها وخاصة بمواجهة التعنت الإثيوبي والدعاية التي تطلقها أديس أبابا حول مصر ومياه النيل، والتأكيد لشعوب القارة على دعم مصر تنمية أفريقيا ودول حوض النيل وإثيوبيا، ولكن فيما لا يضر بحياة المصريين".

"تأخر كثيرا"

من جانبه، يعتقد "مدير مركز البحوث العربية والأفريقية"، مصطفى الجمال، أن "التحرك المصري تجاه السودان تحرك طيب، وكان من المفروض أن يتم منذ مدة".

وبحديثه لـ"عربي21"، أشار الجمال إلى أن ذلك التحرك "كان يعوقه مواقف سودانية غير مفهومة، خاصة وأن بعض الأطراف هناك كانت تتوقع استفادة الخرطوم من سد النهضة، وفي نفس الوقت نكاية في مصر من قوة هناك لديها رغبة في ذلك دائما".

ولا يعتقد الأكاديمي المصري، أن "التحرك المصري تجاه السودان له تأثير كبير على أزمة سد النهضة؛ ولكنه يمكن أن يعطي إشارات لإثيوبيا كي تعطي مرونة في التفاوض"، مشيرا إلى أن "كثيرا من مشروعات التكامل بين مصر والسودان كان مصيرها الفشل".

وفي رؤيته لدور زيارات المسؤولين المصريين إلى جوبا في إحياء مشروع قناة "جونجلي" على نهر النيل المتوقف منذ سنوات، والذي يزيد من حصة المياه القادمة لمصر والسودان عبر المورد الدائم لنهر النيل، قال الأكاديمي المصري: "أشك أن تعوض قناة جونجلي ما تضمر إثيوبيا الاستيلاء عليه من المياه".

وأكد أن "جهات قبلية في الموقع تعارض المشروع، بالإضافة إلى منظمات بيئية دولية تعترض على القناة بدعوى أنها تعيق انتقال حركة الحيوانات كالفيلة مثلا؛ وناهيك عن التكلفة فمن الممكن أن تبتز حكومة جوبا مصر في استمرار هذا المورد".

"صحوة مصرية"

ووصف أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي، تلك التحركات الدبلوماسية المصرية بأنها "صحوة مصرية سودانية".

ورصد عبر صفحته بـ"فيسبوك"، أهم نتائج هذا التحرك المصري، وبينها "وحدة الموقف المصري السوداني، وتفعيل دور اللجنة الفنية الدائمة لنهر النيل ...، وتفعيل بروتوكولات واتفاقيات عديدة خاصة بالاستثمار والنقل البري والنهري والبحري والصحة والربط الكهربائي والتعليم".