كتاب عربي 21

المراجعات التونسية العسيرة

1300x600
السيد المشيشي لن يحدث معجزة في تونس، فحكومته ولدت يتيمة سياسيا. بل لعله أحدث (أو من كلفه وهو الأصح) في تونس حدثا ذا أثر بالغ السوء.. لقد وضع نخبة الإدارة في تضاد مع نخبة السياسة، كأنهما عدوّان لا يستطيعان العمل معا أو أن على أحدهما أن يخضع الآخر لسلطان غاشم. ولم يفت المتندرين في السوشيال ميديا أن يطرحوا السؤال الساخر: إذا فشل السياسي كنا نستبدله بسياسي آخر، لكن إذا فشل التكنوقراط فبمن سنستبدله؟

لكن هذه الورقة لن تتابع حكومة لم تنل الثقة، بعد سنذهب وراء السبب الرئيسي الذي جاء بحكومة المشيشي اليتيمة.

نعتقد أن السبب الذي أوصلنا إلى حكومة التكنوقراط هو عجز السياسيين على العمل معا، ونرى أن هذه إعاقة عضوية في البنيان السياسي التونسي القابل للتعميم على الواقع العربي. لقد فشل السياسيون في التعايش فسلّموا أنفسهم إلى غيرهم. وليس لغيرهم حلول فعالة تخرج البلد من أزمته التي تزداد وضوحا، وتنذر بهلاك وشيك للسياسيين وللتكنوقراط على السواء.

الفخفاخ الصغير

وعد حكومة الفخفاخ كان جميلا، وكان يبشر بمرحلة التعايش المنتظرة بين المختلفين سياسيا وأيديولوجيا. لقد كان واضحا قبلها أن هناك مراجعات جذرية تأخرت في الإنجاز، ولكنها مكثت في الطريق، وأن على الجميع أن يسلكوا مسلك التواضع أمام الشعب وأن يتنازلوا عن صواب موقفهم ورأيهم في سياق بناء وطني يقبل المختلف ولا يستأصله، ويبدأوا مع الأعداء القدامى (الشركاء الجدد) في رتق الفتوق الوسيعة.

كل ما بلغنا عن أجواء العمل الجماعي في حكومة الفخفاخ كان مبشرا (على خلاف الصراع الحزبي في الشارع). لقد كان فريقه يعمل بتناغم محمود، وتصدى لجائحة كونية بنجاعة.. وفجأة تبين أن رئيس الحكومة ليس أمينا على المال العام، وأن "كرشه كبرت بسرعة"، ليستعيد عمليات النهب القانوني تحت غطاء قانوني. لم يعد يمكن السكوت عنه، خاصة ممن فرض عليه فرضا باسم المصلحة الوطنية، وأعني هنا حزب النهضة الإسلامي (وكان ذلك لغاية استئصالية بغيضة).

لقد قضى الفخفاخ على الاحتمال الجميل، ووضع الشركاء الأعداء (المتدربين على التعايش) في وضع حرج.. لقد أنهى دورهم وسلم البلاد لرجل لا يؤمن بالأحزاب، حتى التي ناصرته وحمته واعتبرته مسيحها المخلص.

توقفت المراجعات أو وجد الجميع مهربا من مواجهة الضعف الفردي (الحزبي) الذي لا يكتمل إلا بالتعاون مع المختلف. لكن هل استغنى الفرقاء عن المصالحة والتعايش؟ إنَّا نراهم الآن في مرحلة غباء النعامة الأسطوري، ولكن الضرورة/ الحتمية تنتظرهم وهم منها في حرج كبير. ونزعم أنهم يتواصلون من وراء حجاب ليقول كل منهم للآخر: "خاصمني وخلي للصلح مكان". حكومة التكنوقراط تهددهم في مقتل.. لقد اكتشفوا خطأهم الفادح، إنها إيذان بإنهاء دور السياسة، أي أدوار الأحزاب السياسية التي تعلن تصديها للشأن العام ضمن تقاليد الديمقراطية التمثيلية التي تهجينا تقاليدها من الغرب المؤسس.

أين تجب المراجعات الضرورية؟

دون التحجج بالقانون الانتخابي الذي أفرغ الثورة من زخمها وأعاد زرع الشقاق بين التشكيلات السياسية (وهو خطة احتلالية تسربت إلى الثورة في أيامها الأولى عن طريق بيادق الاحتلال الكريه)، نجد أن المصالحات ممكنة فضلا عن أنها حتمية. ونعني هنا قبول فرقاء الأيديولوجيا التونسيين (العرب عند التعميم ممكن جدا بل مطابق) العمل السياسي المشترك في إدارة البلد، وتوجيه دفته نحو مستقبل ديمقراطي.

هناك حقيقة ماثلة للعيان لا ينكرها إلا غبي أو خائن: لا يمكن تصور بلد عربي ليس فيه مكون إسلام سياسي (أحب من أحب وكره من كره)، وبالتالي لا يمكن إدارة أي بلد دون وجود هذا المكون، سواء في الحكم أو في المعارضة، حيث يصير الحكم في الأمر هو الناخب التونسي (أو العربي)، وليس رغبة هذا الطرف أو ذاك (ونعرف أن بعض الاستئصال توجه قوى خارجية، لكن سنحسن الظن مؤقتا).

ونصف الحقيقة الآخر هو أن هناك مكونات سياسية وفكرية حداثية؛ بعضها في اليسار وبعضها ليبرالي، وبعضها يزعم القومية العربية (من المجاز السياسي اعتبار التيار القومي تيارا حداثيا، لكن نأخذ بخاطره لأنه لا يرغب في تصنيف نفسه كتيار إسلامي سياسي).

هذان النصفان تنافيا منذ وجودهما، ورفضا دوما قبول حقيقة بسيطة وواضحة أنهما فردتا رحى أو وجها قطعة نقد واحدة ملتصقان تلاصق توأمين سياميين مضطرين إلى تعايش روحين في جسد واحد. هنا المصالحة والتعايش بقطع النظر عن نتائج صندوق الاقتراع، وهذا الرفض المتبادل الذي عطل كل خطوات تأسيس الديمقراطية (ونقرأه كرفض تكفيري من الجانبين).

وجب في هذه المرحلة من تاريخ بناء الديمقراطية في تونس (ولاحقا عربيا كما نتأمل) أن يتوقف الحداثيون عن زعم تملك حقيقة الحداثة بصيغتها الإقصائية، فلا حداثة خارج التعدد. والدرس الأنثروبولوجي يمكن استيعابه بنقرات على محرك بحث غوغل.. لائكية الثورة الفرنسية انتهت، هذه حقيقة ماثلة، ويمكن اعتماد صيغ لائكية أخرى غير استئصالية، والمصلحة الوطنية مقدمة على سلامة النظريات والأطروحات الرومانسية للقرن 19.

في المقابل، وجب أن يتوقف الإسلاميون عن البكاء السياسي، فلم يعودوا ضحايا، وعليهم أن يتصرفوا كشركاء لا كضحايا استئصال (إن لم يجدوه اختلقوه ليؤلفوا به قلوب بعضهم بعضا)، أي أن يواجهوا الواقع بشجاعة صاحب حق لا منتظر فضل، دون أن يذهبوا إلى زعم تملك الحقيقة المغايرة (الربانية). فالتكفير الديني انتهى، كما انتهى التكفير الحداثي، وإذ ينتهي التكفير يبدأ التفكير في التعايش لإدارة الشأن العام بالشراكة لا بالتنافي.

نقطة البداية

هنا المصالحات التي تعيد السياسيين إلى دفة الحكم شركاء لا أعداء، والحكم بينهم الصندوق الانتخابي. كيف يمكن أن تتم المصالحات؟ نميل إلى الاعتقاد بأن نهاية حكومة الفخفاخ (وقدوم حكومة المشيشي) قد كشفت السبيل.

احترام المواطن صاحب السيادة، الذي يذهب متفائلا إلى صندوق الاقتراع فيفرز أدوات حكم لتحكم لا لتفشل. أول اللبنات هي احترام الصندوق ونتائجه، والعمل عليها كمؤسسة للديمقراطية لا كمسرحية من الخيال العلمي.

إذا تم احترام الجمهور الناخب ستتأسس الديمقراطية، بقطع النظر عن خلفيات المنتخب الفكرية والأيديولوجية. لا أحد مطالب بتغيير صورة العالم في ذهنه، ولكن الجميع مطالب بتغيير صورة المواطن في ذهنه.. إنه مؤسس الحق في الحكم، مع الأخذ بعين الاعتبار وضعا سياسيا واقتصاديا كونيا لا يمكن لبلد بحجم تونس أو حتى لكل شعوب المنطقة العربية أن تكيفه على هواها، بل أن تتعايش معه في حدود الإمكانات المتاحة والحفاظ على السيادة الوطنية.

الفُرقة الأيديولوجية حقيقة واقعية لا تنكر، ولكن تخريب بلد على أساسها يدخل في باب الذوق الفردي لا في باب الضرورات الحيوية لشعب مقهور من أكثر من نصف قرن من الدكتاتورية الغاشمة التي فشلت في كل شيء.

حكومة المشيشي ستسير عكس الحاجة إلى المصالحات التي نتحدث عنها لتعيش، فهي تتزود من فرقة السياسيين. ولا سبيل إلى تجاوز عثرة الفخفاخ إلا بتأسيس لمصالحات دائمة؛ سيكون الخاسر الأكبر فيها هو عدو الأحزاب الذي يعيش تهويمات الديمقراطية المباشرة التي وصلت إليها الديمقراطية الغربية بعد أكثر من قرن من الديمقراطية التمثيلية. هذه نقطة بداية، لا نقطة نهاية، وأعمار الأوطان أطول من أعمار الناس.