أفكَار

هل تفتقر حركات "الإسلام السياسي" إلى الحنكة السياسية؟

آداء الإسلام السياسي بعد ثورات الربيع العربي.. أين نجح وأين أخفق؟ (الأناضول)

بعد إخفاق العديد من حركات "الإسلام السياسي" في تجارب سياسية معاصرة، تتباين الآراء حول تحديد أسباب ذلك الإخفاق، وتتراوح التقييمات بين من يشيد بتلك التجارب ويثني عليها ويدافع عنها، وبين من ينتقدها بقسوة ويدعو إلى مراجعتها للإفادة من أخطائها المتكررة، ولتحاشي الوقوع فيها في قادم الأيام.

وفي الوقت الذي ينزع فيه خطاب تلك الحركات ومؤيدوها إلى تعليق أسباب ذلك الفشل على السياسات القمعية التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية ضدها، تذهب تحليلات أخرى إلى التركيز على أسباب ذاتية، يأتي في مقدمتها افتقار غالب قيادات تلك الحركات إلى الحنكة السياسية، مع عدم تمرسها في الدهاء السياسي ما يفضي في نهاية المطاف إلى مآلات موجعة. 
 
ومع أن تجارب تلك الحركات ليست على نسق واحد في الفكر والممارسة، إذ تتباين في بعض رؤاها الفكرية، وتختلف في ممارساتها ومواقفها السياسية، إلا أن كثيرا من تلك التحليلات تقع في آفة تعميم أحكامها عليها، من غير أن تأخذ بعين الاعتبار تلك الفروقات في الفكر والممارسة السياسية، ما يجعلها تقييمات وأحكام غير موضوعية بحسب منتقديها من قيادات تلك الحركات ومنظريها.

ويشير الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، الدكتور غازي العواودة إلى "صعوبة تعميم التحليل على جميع حركات الإسلام السياسي، إذ لا بد من تحديد من هي تلك الحركات المعنية بالتحليل، وكذلك فإن المقام يتطلب توضيح من هي الحركات المقصودة بإطلاق وصف التجارب الفاشلة عليها. 

 


 
وتساءل في حديث مع "عربي21": "فهل المعني بذلك مثلا حركة الإخوان المسلمين.. وهي كبرى الحركات الإسلامية العالمية؟ أم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر وتجربتها الثورية بعد نجاحها في الانتخابات الجزائرية والانقلاب عليها لاحقا، وثبوت وقوف فرنسا والعسكر وبعض الأنظمة العربية وأمريكا في تشكيل الدموية الجزائرية العشرية"؟

وتابع: "أم أن المقصود بذلك الحركة السلفية بتفريعاتها الجهادية والسياسية وتجاربها في سوريا مثلا، أم المعني بذلك مثلا تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق وما أطلق عليه (داعش) وجبهة النصرة كذلك؟ أم المراد بذلك حزب التحرير ورؤيته السياسية.. أم حركة طالبان وتجربتها في الجهاد والحكم"؟.


وقال العواودة "إن كان المقصود بذلك حركة الإخوان المسلمين، فكيف تم التعميم على أن قياداتها تفتقر للفهم السياسي والحنكة السياسية، وهل عانت الحركة من فشل متواصل حتى توصف بذلك"؟ مشيدا بما أنجزته الجماعة عبر عشرات السنين في الجوانب التربوية والتعليمية والدعوية والخيرية، حتى استطاعت أن تربي جيلا من الشباب والقادة المحترفين إداريا وسياسيا وتربويا وعلميا"، على حد قوله.

ووفقا للعوادة فإن "الجماعة كانت في تلك الفترة مقبولة في كل العالم الإسلامي، وتُركت لأعمالها الخيرية والتربوية والمشاريع التعليمية، حتى إذا ما بدأت تقترب من العمل السياسي الاحترافي في الانتخابات البرلمانية العربية والإسلامية، الذي حققت فيه تقدما على كل الأحزاب العربية الشيوعية والقومية والليبرالية والحكومية بدأ التخطيط لإيقاف هذه الجماعة عن سيرها وتحقيق غاياتها في العمل على تطبيق شرع الله". 

وأشار إلى النجاحات التي حققتها جماعة الإخوان في الانتخابات البرلمانية في كثير من الدول العربية كالأردن ومصر واليمن وفلسطين والمغرب وتونس والكويت، ومشاركتها في السلطة كما في التجربة المغربية، ولاحقا تجربة إخوان مصر بعد تولي الرئيس محمد مرسي منصب رئاسة الجمهورية".

ورفض العواودة وصف مرسي وقادة الجماعة بأنهم يفتقرون إلى الحنكة السياسية، واصفا إياهم بأنهم "من محترفي السياسية، وكثير منهم من خريجي الجامعات الأمريكية في تخصصاتهم المتنوعة، محُملا "وزر ما حدث للجماعة فيما بعد للانقلاب وليس لقصورهم السياسي أو افتقارهم للحنكة السياسية". 

وانتقد العواودة من يصفون القيادات الإخوانية بالضعيفة سياسيا وتفتقر إلى الحنكة السياسية، موجها سؤاله لهم "أرأيتم حكام العرب وبعضهم لا يحسن قراءة صفحة مكتوبة، أو الحديث المرتجل لخمسة دقائق، هل هؤلاء محنّكون سياسيا ام محميّون صهيونيا وأمريكيا وبريطانيا وفرنسيا؟ وعندما رفعت الحماية عن بعض تلك الزعامات سقطوا بين ليلة وضحاها، فأين ذهبت حنكتهم السياسية وماذا نفعهم احترافهم السياسي؟". 

من جهته قال الداعية والباحث الشرعي المصري، الدكتور محمد الصغير "لعل من الأسباب التي تُظهر الحركات الإسلامية بمظهر المفتقر إلى الحنكة السياسية، حرص الأنظمة الاستبدادية على عزل الإسلاميين عن العمل السياسي، بل والتضييق عليهم في العمل الخير والاجتماعي كذلك" مضيفا أن "حالة ضعف التقييم والمحاسبة داخل بنية تلك التيارات وفي صفوفها هو ما يسمح بتكرار أخطاء التجارب السابقة".

 


 
وأرجع الصغير "قلة وجود العدد الكافي من القادة السياسيين في أوساط الحركات الإسلامية إلى عدم الاهتمام بالتخصص بشكل كاف، حتى تتوزع المسؤوليات على ذوي التخصص والكفاءات، ليعمل كل فيما يحسنه ويجيده، وعدم الاعتماد الكلي على القيادة التي ربما ترى نفسها أهلا لكل عمل، والتي لا تعرف التقاعد، وتظل على منصة التوجيه بشكل دائم من غير أن تفسح المجال أمام القيادات الصاعدة".

وتابع لـ"عربي21": "ومن الملاحظ أن غالب الحركات لا تقوم بتدوين تجاربهاالسابقة، حتى تتم دراستها بتأن وموضوعية، والإفادة منها، وتحاشي الوقوع في ذات الأخطاء التي وقعت فيها، وهو  ما أظهرهم في صورة قليلي الخبرة أو أصحاب تجربة حديثة، لا يستفيدون من أصحاب الخبرات السابقة". 

وبخصوص ما تحتاجه الحركات الإسلامية لدرء ما يقال عنها بأنها قليلة الخبرة، وأن قياداتها تفتقر إلى الحنكة السياسية لفت الصغير إلى "ضرورة قيام الحركات الإسلامية بتوضيح وسائلها تماما كضرورة تحديد مبادئها ومنطلقاتها، لأن التأرجح بين الأمرين أو الخلط بين المسارين جعل المتابع يحكم في نهاية المطاف بأن الإسلاميين لا يجيدون إدارة اللعبة السياسية وفق أصولها وقواعدها". 

بدوره رأى أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، الدكتور عبد الباقي شمسان أن "تقييم أداء الحركات الإسلامية بعد كل الذي تعرضت إليه من ملاحقة ومطاردة، أدّت إلى الزج بالآلاف من قياداتها وكوادرها في السجون، وأخرجت المئات منهم خارج الجغرافيا الوطنية ما زال مبكرا".

 



وأضاف "لا يمكن بحال التغاضي عن كون تلك الحركات باتت مستهدفة بشكل مباشر، وبالتخطيط والتنسيق الدوليين، ما يعني أن المطلوب إضعافها وإخراجها من الحياة العامة، وهو ما يتزامن مع توجهات دولية لتعميم إسلام رخو، ليس له ملامح واضحة، ولا يكون له مواقف من القضايا العربية والإسلامية، ولا من الحكام والسلطات الحاكمة، إسلام شكلاني يسمح له بالاهتمام بالطقوس والشعائر الفردية، من غير أن يتدخل في الشأن العام إلا بما تريده السلطات منه".

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول "من الواضح أن المعركة كبيرة جدا، وهناك توجه لإيجاد (ناتو سني) لمواجهة إيران وإحلالها محل إسرائيل كعدو للعالم العربي، وهو ما تتوافق عليه بعض الأنظمة العربية، لكنه محل رفض تلك الحركات المعروفة بمواقفها الرافضة لتلك السياسات، ما يعني أن حصار الأنظمة لتلك الحركات سيشتد، وملاحقة قياداتها وكوادرها ستزداد ضراوة". 

وطبقا لأستاذ علم الاجتماع السياسي شمسان فإن "تلك الحركات لم تحسن استغلال الفرصة التي أتيحت لها حينما كانت في السلطة لتحسين صورتها، من خلال بث الطمأنينة لدى الأحزاب والقوى الوطنية والقومية الأخرى، وكان ينبغي عليها وضع استراتيجية بما يشبه حملات العلاقات العامة بين الدول لإنجاز تلك المهمة". 

وأردف "من المعروف أن تلك الحركات كانت تعمل بالسر لعقود طويلة، وفي أطر مغلقة، والحداثيون ينظرون إليها كجماعة تقليدية، ومن المؤكد أن لتلك الحركات خصوم يثيرون القلق في المجتمعات من وصولها إلى السلطة، ويحذرون من تأثيرها السلبي على الحياة العامة، خاصة الأوضاع الاقتصادية". 

وختم حديثه بالإشارة إلى أن ما تحتاجه تلك الحركات في مثل هذه الظروف الصعبة والقاسية، ضرورة مراجعة مسارها وإعادة ترتيب أوراقها، وتصعيد قيادات شابة، وإدراك ما الذي يحتاجه الشباب العربي، والاستفادة من التجربة التركية والتجربة المغربية لتقديم خطاب منفتح، لا سيما وهي تمر بأقسى وأشد ظروفها حلكة بعد استهدافها دوليا بشكل مباشر، مع دعم السلطات الحاكمة وغض الطرف عن كل ممارساتها القمعية، وهو ما سيزيد حملات محاصرتها ومطاردتها ضراوة".