صحافة دولية

بوليتيكو: هل تبقى أوروبا محايدة حيال تنافس الصين وأمريكا؟

أوروبا منقسمة حيال الانفتاح على روسيا والصين بمنأى عن السياسات الأمريكية وتوجهاتها الضاغطة- جيتي

نشر موقع "بوليتيكو" مقالا للصحافي ماثيو كارنيتشينغ، ترجمته "عربي21"، قال فيه إنه منذ فوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية، فقد امتلأ خطاب زعماء أوروبا بتوقع فجر جديد في العلاقة عبر الأطلسي، ومن ضمنها شكل العلاقة المستقبلية مع روسيا والصين.

 

وأظهر إجماع بين المفكرين الاستراتيجيين عبر الأطلسي في السنوات الأخيرة على أن الغرب يواجه تهديدين رئيسيين لأمنه: العدو القديم روسيا إضافة إلى الصين، القوة العالمية التي يرى معظمهم أنها تشكل التحدي الأكبر للعالم الديمقراطي على المدى الطويل.

وقال السكرتير الصحفي للبيت الأبيض جين بساكي هذا الأسبوع: "تتحدى بكين الآن أمننا وازدهارنا وقيمنا بطرق مهمة تتطلب نهجا أمريكيا جديدا".

وفي واشنطن، يشارك صانعو السياسة من كلا الحزبين الرئيسيين هذا التقييم. لكن أوروبا لديها تفكيرها الخاص بها.

ويفسر هذا التنافر الاستراتيجي سبب استمرار أوروبا في اتباع مسارها الخاص في ما يتعلق بكل من الصين وروسيا في مواجهة التحفظات الأمريكية.

فعلى سبيل المثال -كما يضيف الموقع- وافق الاتحاد الأوروبي، بدفع من ألمانيا، على اتفاقية استثمار تاريخية مع الصين، في أواخر كانون الأول/ ديسمبر، متجاهلا الاعتراضات عبر المحيط الأطلسي والطلبات من معسكر بايدن بالتأجيل حتى تتولى الإدارة الجديدة زمام الحكم.

ويبدو أن جاذبية السوق الصينية الضخمة للصادرات الأوروبية، ذات الأهمية الوجودية أصلا لشركات صناعة السيارات الألمانية، أثبتت أنها حجة أقوى لأنجيلا ميركل والقادة الآخرين من محنة الإيغور أو مصير الديمقراطية في هونغ كونغ.

لكن ما يقلق واشنطن هو أن أوروبا تدخل في الفخ وعيونها مفتوحة. وبعد عقود من الاستيلاء بهدوء على الملكية الفكرية الغربية في سعيها لبناء شركات تتفوق عالميا، ركزت الصين في السنوات الأخيرة على الاستحواذ على شركات في السوق الأوروبية، وخاصة ألمانيا. وفي الوقت نفسه، تقاربت بكين مع دول عبر جنوب وشرق أوروبا بوعد الاستثمار والتجارة من خلال مبادرتها 17+1.

في أثناء ذلك، سعى قادة الصين إلى تصوير مثل هذه الاستراتيجيات على أنها انعكاس لتبني البلاد للتجارة الحرة والنظام متعدد الأطراف، فيما يرى النقاد أن هناك أجندة أكثر خبثا.

وكتب بيتر روغ، المساعد السابق لجورج دبليو بوش وصوت محافظ بارز في واشنطن مختص بالشأن الأوروبي في تقرير نشره هذا الأسبوع معهد هدسون: "هذه الجهود، المغطاة بلغة مصمّة للآذان الغربية، تخدم استراتيجية بكين طويلة المدى لتحويل دول أوروبا بشكل غير مباشر إلى شبكة من الروافد للصين".

 

ومع خروج ترامب من الرئاسة أشارت الأصوات الرئيسية في القارة إلى أن أوروبا ستضع يدها مرة أخرى بيد أمريكا الملتزمة بالمثل العليا المشتركة والتصميم الراسخ لإنقاذ العالم من قوى الشر.


وقال الموقع إن بايدن، المشبع بأهمية العلاقة عبر الأطلسي، فعل كل الأمور الصحيحة، ليخفف من جرح القارة بعد أربع سنوات من الإساءة المستمرة.

 

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بمناسبة تنصيب بايدن: "عادت أمريكا وأوروبا تقف على أهبة الاستعداد".

 

اقرأ أيضا: FB: لماذا ستفشل محاولات بايدن لبناء تحالف جديد ضد الصين؟

 

وأضاف تقرير الموقع: "رؤية أوروبا يشاركها الكرملين، حيث حاولت موسكو منذ سنوات بث الانقسام في التحالف عبر الأطلسي، وكانت أداة نورد ستريم-2 الأكثر فاعلية في الآونة الأخيرة، وهي عبارة عن خط أنابيب بطول 1200 كيلومتر تحت البحر يبدأ شمال سانت بطرسبرغ ويمتد إلى ساحل بحر البلطيق في ألمانيا".

 

وقال إن واشنطن عارضت مع معظم دول أوروبا الشرقية المشروع الروسي لسنوات، بسبب مخاوف من أنه سيسمح لموسكو بالضغط على أوكرانيا وغيرها في المنطقة التي تعتمد عليها روسيا حاليا لنقل الغاز إلى أوروبا.


لكن برلين رفضت بشدة التراجع، بحجة أن خط الأنابيب سيثبت أنه أكثر كفاءة من الشبكة البرية القديمة المستخدمة الآن، على الرغم من الانتقادات المستمرة من أمريكا وحلفاء آخرين.


وعادت هذه التوترات إلى الغليان مرة أخرى هذا الشهر مع دخول العقوبات الأمريكية ضد الشركات المشاركة في المشروع حيز التنفيذ. وأعاقت الإجراءات، التي تعتبرها ألمانيا انتهاكا للقانون الدولي، في الوقت الذي تم فيه استكمال الخط ولم يتبق منه سوى 75 كيلومترا.


ويتنامى القلق بشأن تأثير المشروع على مكانة ألمانيا الدولية، وحتى داخل تحالف يمين الوسط الذي تنتمي إليه ميركل داخل البلاد.


في واشنطن، كان هناك أمل هادئ في أن تغتنم ميركل الفرصة التي أتاحها اعتقال روسيا للسياسي المعارض أليكسي نافالني هذا الشهر لوقف المشروع.


بدلا من ذلك، فعلت ميركل ما فعلته بعد حوادث التسمم في سالزبوري عام 2018، ومقتل متمرّد شيشاني عام 2019 على يد ما يشتبه بكونه مغتالا مكلفا من الكرملين في وسط برلين، وبعد تسمم نافالني شبه المميت العام الماضي بغاز أعصاب روسي: وهو لا شيء.


وقال الموقع: "ليست ميركل وحدها في أوروبا التي لا ترغب في الانضمام إلى نهج أمريكي أكثر قوة تجاه بكين وموسكو، بل تشاركها باريس وروما بشكل عام ناهيك عن المفوضية الأوروبية".


وردا على سؤال من الصحفيين هذا الأسبوع عن ما إذا كان سيتابع الزيارة المقررة إلى موسكو الشهر المقبل على الرغم من اعتقال نافالني، أكد مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل الزيارة، قائلا إنها "لحظة جيدة للتواصل والتحدث مع السلطات الروسية".


الزيارة ستبحث ما إذا كان قرار أوروبا سينفصل بشكل فعال عن أجندة السياسة الخارجية الأمريكية قبل أن تبدأ إدارة بايدن بالفعل أم ستبقى كما كانت بعهد ترامب أو مزيجا منهما.

 

ومع بروز التنافس الاستراتيجي بين أمريكا والصين على الساحة، يعلن معظم الأوروبيين عن رغبتهم في البقاء على الهامش والبقاء على الحياد. لكن إذا اعتقدوا أن أوروبا يمكن أن تصبح سويسرا، فإنهم مخطئون.


هناك تشبيه أكثر ملاءمة هو "المنطقة المحايدة"، وهي المنطقة الخارجة عن القانون التي كانت بمثابة حاجز بين القوى الكبرى في رواية فيليب ديك "الرجل في القلعة العالية"، وهي رواية بائسة عن عالم انتصر فيه الألمان واليابانيون في الحرب العالمية الثانية.