تقارير

الشقيري.. أسس منظمة التحرير واصطدم بالقادة العرب والفصائل

نجح أحمد الشقيري في جعل شعار الوحدة العربية هدفا قوميا أجمع عليه كل الشعب الفلسطيني- (أرشيف)

مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، وأول رئيس لها، وشغل قبل ذلك منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية، وعمل في الحكومة السورية، وتقلد منصب وزير الدولة السعودي لشؤون الأمم المتحدة وسفير الحكومة السعودية لدى الأمم المتحدة. 

اصطدم بالقادة العرب بعد قمة الخرطوم عام 1967، فكانت القطيعة التي انتهت باستقالته وسيطرة "الفدائيين" على منظمة التحرير الفلسطينية. 

ولد أحمد الشقيري في قلعة تبنين جنوب لبنان عام 1908، والده هو أسعد الشقيري، المفتي في الجيش العثماني، وكان منفيا خارج فلسطين، أما والدته فهي تركية الأصل.  

شهد الشقيري معارك الحرب العالمية الأولى في مدينة طولكرم، وعند اشتداد المعارك في المدينة اضطر إلى إكمال تعليمه في عكا، ثم في القدس، ليلتحق بعد ذلك بالجامعة الأمريكية في بيروت. 

توثقت صلته بـ"حركة القوميين العرب" فترة تعليمه في الجامعة الأمريكية في بيروت، وقامت الجامعة بفصله بسبب قيادته مظاهرة احتجاجا على الوجود الفرنسي في لبنان، وقررت السلطات الفرنسية إبعاده عن لبنان عام 1927. 

عاد الشقيري والتحق بمعهد الحقوق في القدس، وعمل في الوقت نفسه محررا في صحيفة "مرآة الشرق". وبعد تخرجه تدرب في مكتب المحامي عوني عبد الهادي أحد مؤسسي "حزب الاستقلال" في فلسطين، وفي المكتب تعرف إلى رموز الثورة السورية الذين لجأوا إلى فلسطين وتأثر بهم. 

وأسهم في إنشاء جمعيات الشبان المسلمين على غرار ما عرفته مصر من جمعيات إسلامية.  

شارك الشقيري بين عامي 1936 و1939 في أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى، ونشط في الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين أمام المحاكم البريطانية، كما أنه شارك في "مؤتمر بلودان" عام 1937 فلاحقته السلطات البريطانية واعتقلته، فغادر فلسطين إلى مصر. وفي عام 1940 عاد إلى فلسطين وافتتح مكتبا للمحاماة. وعمل مع الحاج أمين الحسيني في الحقل الوطني. 

وحين تقرر تأسيس "المكاتب العربية" في عدد من العواصم الأجنبية عين أحمد الشقيري مديرا لمكتب الإعلام العربي في واشنطن، ثم أصبح بعد ذلك مديرا لمكتب الإعلام العربي المركزي في القدس، وظل يرأس هذا المكتب حتى نكبة فلسطين عام 1948 حيث هاجر إلى لبنان واستقر في بيروت. 

ونظرا لخبراته الواسعة، فإنه اختير عضوا في البعثة السورية لدى الأمم المتحدة عام 1949. عاد بعدها إلى القاهرة وشغل منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، وبقي في ذلك المنصب حتى عام 1957. 

 

 


اختير من قبل المملكة العربية السعودية ليشغل منصب وزير الدولة لشؤون الأمم المتحدة، ثم عين سفيرا دائما للسعودية في الأمم المتحدة. وكان نشاط الشقيري أثناء فترة عمله بالأمم المتحدة مركزا حول الدفاع عن القضية الفلسطينية وقضايا المغرب العربي. 

 



بعد وفاة أحمد حلمي عبد الباقي ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية، اختير الشقيري ليشغل ذلك المنصب. 

وفي مؤتمر القمة العربي الذي عقد في القاهرة عام 1964، أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية، وكلف الشقيري بالاتصال بالفلسطينيين وكتابة تقرير عن ذلك يقدم لمؤتمر القمة العربي التالي، وأثناء جولته وضع مشروعي الميثاق القومي والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتقرر عقد مؤتمر فلسطيني عام، وقام الشقيري باختيار اللجان التحضيرية للمؤتمر الفلسطيني الأول الذي أطلق عليه اسم المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية. وانتخب الشقيري رئيسا له، وأعلن عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وانتخب الشقيري رئيسا للجنة التنفيذية للمنظمة. 

وفي مؤتمر القمة العربي الثاني في أيلول/ سبتمبر من نفس العام قدم الشقيري تقريرا عن إنشاء المنظمة، ووافق المؤتمر على ما أنجزه الشقيري وأقر تقديم الدعم المالي للمنظمة. 

تفرغ الشقيري للجنة التنفيذية للمنظمة في القدس، ووضع أسس العمل والأنظمة في المنظمة، وأشرف على إنشاء الدوائر الخاصة بها وتأسيس مكاتب لها في الدول العربية والأجنبية، وأشرف على بناء الجهاز العسكري تحت اسم جيش التحرير الفلسطيني. 

بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967 عقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم وترأس الشقيري وفد منظمة التحرير الفلسطينية في ما عرف بمؤتمر اللاءات الثلاث "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف". 

 



واقترح الشقيري على القمة إصدار قرارات تطالب بالوفاء بالالتزامات المالية تجاه منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني، وتمكن المنظمة من تحمل مسؤوليتها عن تنظيم الشعب الفلسطيني، وتعزيز جيش التحرير الفلسطيني واستكمال سلطتها عليه وإنشاء معسكرات لتدريب الفلسطينيين في الدول العربية بالتعاون مع المنظمة وتمكينها من استيفاء ضريبة التحرير من الفلسطينيين. 

وغادر الشقيري والوفد المرافق له المؤتمر ورفضوا كافة محاولات إعادتهم إليه إثر رفض القمة العربية لاقتراح ينص على "ألا تنفرد أية دولة عربية بقبول أية تسوية للقضية الفلسطينية" ورفض الموافقة على اقتراح الدعوة إلى مؤتمر قمة عربي للنظر في أي حلول مقترحة مستقبلا للقضية الفلسطينية وتحضره منظمة التحرير الفلسطينية. 

واصطدم أحمد الشقيري مع القادة العرب محملا إياهم مسؤولية ضياع ما تبقى من فلسطين، وبعد انتهاء المؤتمر بدأت حملة احتجاجات داخل اللجنة التنفيذية تطالب باستقالة الشقيري، فرفع سبعة من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مذكرة إلى أحمد الشقيري مطالبينه بالتنحي عن الرئاسة، وأعلنوا استقالتهم من اللجنة، وهم: يحيى حمودة، ونمر المصري، وبهجت أبو غربية، وأسامة النقيب، ووجيه المدني، ويوسف عبد الرحيم، وعبد الخالق يغمور. 
 
بدوره بادر الشقيري إلى فصلهم جميعا. ولم يكن عبد المجيد شومان رئيس الصندوق القومي الفلسطيني بعيدا عن المشهد، فقدم استقالته، وبذلك أصبح العدد ثمانية أعضاء من الخمسة عشر، وسرعان ما توالت المطالبة بتنحيته، من حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 
 
ومنذ تأسيس المنظمة، لم يحدث أي لقاء واقعي بينها وبين التنظيمات الفلسطينية ولم يكن ثمة ما يجمعها تحت راية المنظمة، فتفجر الصراع بينهما، وتمثل في الانتقاد الشديد للمنظمة ورئيسها، الذي تفاقمت أمامه الصعاب.
 
أمام هذا الواقع اضطر الشقيري، إلى دعوة اللجنة التنفيذية بكامل أعضائهـا إلى جلسة عقدت في القاهرة، في كانون الأول/ ديسمبر عام 1967 ولكنه رفض أن يقدم استقالته إليهم، وقال: "أنا هنا جئت باسم الشعب، فأقدم استقالتي للشعب الفلسطيني".  

وبناء عليه وجه الشقيري نداء للشعب الفلسطيني أعلن فيه أنه تنازل عن رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية. 

عندها قررت اللجنة التنفيذية أن يتولى يحيى حمودة رئاسة المنظمة بالوكالة، وعلل الشقيري استقالته؛ بأنها ترجع إلى "مشكلته" مع "الملوك والرؤساء العرب، الذين لا يمكنه العمل معهم، ولا يمكن العمل بدونهم؛ وهذه هي المشكلة". ويرى أن للصحافة المصرية دورا في استقالته. 

شكلت استقالة الشقيري ضربة كبيرة لجيل المؤسسين أو ما يعرف بالتيار القومي العروبي داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

وكان أبرز ما تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية بعد تنحي الشقيري مباشرة، وقوع جميع مؤسسات المنظمة تحت هيمنة الفصائل الفلسطينية والفدائيين، ابتداء من كانون الثاني/ يناير عام 1968، وحتى عام 1971، وبتأثير من حركة فتح، التي تبنت فكرة إقامة دولة ديمقراطية في فلسطين، يتعايش فيها العرب واليهود. 
 
لم يقبل الشقيري بعد استقالته بأي عمل أو منصب رسمي، فكان يقيم في منزله بالقاهرة، وكان متفرغا للكتابة، وكان يعقد في منزله ندوات فكرية، وعندما وقع الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، غادر القاهرة إلى تونس احتجاجا. 

بعد عدة أشهر أصيب بالمرض، ونقل على إثر ذلك إلى مدينة الحسين الطبية في العاصمة الأردنية عمان، وتوفي في 25 شباط/ فبراير عام 1980 عن عمر ناهز 72 عاما. وبناء على وصيته، دفن في مقبرة الصحابي أبي عبيدة عامر بن الجراح في غور الأردن على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود مع فلسطين. 

أثرى أحمد الشقيري المكتبة العربية بمجموعة من المؤلفات التي تدور حول القضايا العربية والقضية الفلسطينية لعل من أبرزها: "من القدس إلى واشنطن"، "أربعون عاما في الحياة العربية والدولية"، "حوار وأسرار مع الملوك والرؤساء"، "من القمة إلى الهزيمة.. مع الملوك والرؤساء"، "على طريق الهزيمة.. مع الملوك والرؤساء"، "الهزيمة الكبرى.. مع الملوك والرؤساء"، "علم واحد وعشرون نجمة"، "صفحات من القضية العربية"، "خرافات يهودية"، "معارك العرب وما أشبه الليلة بالبارحة"، "قضايا عربية"، "دفاعا عن فلسطين والجزائر"، "فلسطين على منبر الأمم المتحدة"، "مشروع الدولة العربية المتحدة"، "إلى أين؟". 

كان الشقيري من المؤمنين بفكرة الوحدة العربية الشاملة. ونجح إلى حد كبير، في جعل هذا الشعار هدفا قوميا أجمع عليه كل الشعب الفلسطيني؛ بعد أن دعا إلى إقامة "الدولة العربية المتحدة". وكان الرجل مناضلا فلسطينيا صادقا ومباشرا لا يعرف المداهنة أو الرياء، صراحته وتمسكه بمواقفه وغيرته على كل ما يتعلق بفلسطين والأمة العربية دفعته إلى رفض أي مشروع لا يحرر فلسطين، رحل قابضا على قناعته التي لم تتبدل رغم المحن والمصاعب. 

المراجع 

* أحمد الشقيري، "أربعون عاما في الحياة العربية والدولية"، 1969. 
* محمد عزة دروز، "مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن". بيروت، 1993. 
* يعقوب العودات، "من أعلام الفكر والأدب في فلسطين". عمّان، 1976. 
*"من هو؟: رجالات فلسطين 1945-1946". عمان ، 1999. 
*"الموسوعة الفلسطينية" القسم العام، المجلد الأول. دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984. 
* مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، 17 تشرين الثاني/نوفمبر، 2015.
*عمر شلايل، "منظمة التحرير الفلسطينية النشأة والمسيرة "، 2016.