ملفات وتقارير

مصابون يروون لـ"عربي21" تفاصيل مجزرة الحرم الإبراهيمي

المجزرة راح ضحيتها 29 شهيدا و150 جريحا- جيتي

ما زال الفلسطيني خميس الجمل (٣٦ عاما) يذكر كل تفاصيل المجزرة التي نفذها مستوطنون داخل المسجد الإبراهيمي الشريف في الخليل في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير من عام ١٩٩٤.


كان حينها في التاسعة من عمره؛ وكان متوجها لصلاة الفجر مع شقيقه الأكبر؛ ولم يعلم أن ذلك اليوم سينتهي بفتح بيت عزاء في منزل عائلته.


العائد من الموت


يقول خميس لـ"عربي٢١" إن جنود الاحتلال كانوا يتواجدون بشكل مكثف في محيط المسجد ويفتشون المصلين قبل دخولهم لأداء صلاة الفجر في يوم الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان آنذاك.


وبعد دخولهم للصلاة فضّل خميس الوقوف بين رجلين وليس بين الأطفال كما اعتاد؛ وحين مر الإمام على سجدة في القراءة كبّر للسجود ونزل المصلون؛ وفي تلك اللحظة بدأت أصوات الرصاص تملأ المكان.


يضيف خميس: "ظننت أنه ناتج عن خلل في مكبرات الصوت حتى سمعت المصلين يستغيثون والإمام يصرخ (انبطحوا على الأرض)، ثم فتحت عينيّ فرأيت المشهد المهيب؛ الرجلان اللذان كنت بينهما استشهدا وشكل جسداهما درعا حاميا لي، المصلون مضرجون بدمائهم على السجاد ومنهم من هو دون حراك ومنهم من يصرخ ويستغيث".

 

اقرأ أيضا: حاضرة في الأذهان.. 27 عاما على مجزرة الحرم الإبراهيمي (إنفوغراف)

دون وعي منه توجه خميس مع مجموعة من المصلين للهرب من باب المسجد؛ وفور خروجهم كانت مجموعة من جنود الاحتلال تستقبلهم بإطلاق الرصاص صوبهم، فالتفّ الطفل ليعود إلى المسجد؛ وفي هذه اللحظة شعر برصاصة ترتطم برأسه وبعدها غطى الدم وجهه.


كغيره من المصابين نُقل خميس إلى مستشفى عالية الحكومي، وكان أول جريح من المجزرة يصل إليه، وهناك كان المشهد أكثر قسوة ليحفر في ذاكرته.


وتابع: "أكوام من الجثث غطت أرضية المستشفى؛ المصابون كانوا ينقلون إلى غرف الجراحة والشهداء كانوا يوضعون على الأرض لعدم وجود مكان لهم، شاهدت سيلا من دماء ينزل على الأرض ليشكل بركة قانية صعبة النسيان".


بسبب هذه المشاهد القاسية لاحظ الأطباء خوف الطفل وارتعابه؛ وبعد معالجة جرحه في الرأس والذي كان سطحيا بشظية رصاصة اخترقت فروة الرأس واصطدمت بالجمجمة؛ تم نقله إلى قسم الجراحة، وهناك لم يجدوا لخميس شاغرا فتم نقله إلى أحد أسرّة قسم الولادة.


وأوضح أنه خلال تواجده هناك لم تجده العائلة في أقسام الطوارئ والجراحة التي كانت تعج بالشهداء والمصابين، مشيرا إلى أن أحد المتواجدين هناك اختلط عليه الأمر فقال لعائلته "دفنت ابنكم بيدي"؛ فعادت أدراجها مثقلة بالألم والقهر لتنصب له بيت عزاء.


لحظات قاسية مرت على العائلة التي ودعت الطفل دون أن تعرف مكان دفنه؛ بينما هو متواجد في المستشفى يسمع أصوات الصراخ والبكاء من عائلات الشهداء والجرحى، ومكث هناك ثلاثة أيام كاملة قبل أن يتعرف عليه أحد جيرانه الذي تواجد بالصدفة مع زوجته الحامل في القسم، ليعود الرجل إلى الحي ويخبر العائلة بأن تزيل بيت العزاء لأن ابنها الطفل حي يرزق.


يتابع: "كان الوضع في تلك الأيام كالأفلام السينمائية ولكنه كان حقيقة، رائحة الدماء ما زلت أشمها إلى اليوم، وصوت الصراخ والطلقات النارية ما زلت أسمعها وكأنها حدثت بالأمس، كنت عائدا من الموت كما وصفتني عائلتي، وربما خرجت من المجزرة دون إصابات خطيرة مستديمة ولكن الجرح في قلبي ما زال غير مندمل".


الطفل خميس عاد للمسجد بعد سبع سنوات من المجزرة؛ فممارسات الاحتلال التي أعقبت ذلك كانت دقيقة ومشددة وتمنع الدخول للمسجد بحجة "منع الفوضى"، ليكون ذلك مجرد بداية للسيطرة عليه وتقسيمه بين المصلين والمستوطنين.


يقول خميس: "نحن جيران للمسجد، ولكن رغم قرب المسافة فالاحتلال باعدها بإجراءاته، والحياة قبل المجزرة تختلف تماما عما بعدها، والمستوطنون أصبحت لديهم قدم في المسجد الإبراهيمي بعد المجزرة وكأنهم الضحية".


جرح غائر


الحاج حسني الرجبي (٦٨ عاما) ما زالت آثار الإصابة ظاهرة على ذراعه اليسرى، ورغم محاولته نسيان مشاهدها إلا أنه كلما دخل المسجد للصلاة فيه هاجمته الصور والذكريات مجددا.


وقال لـ "عربي٢١" إنه اعتاد التوجه إلى المسجد كل يوم لأداء صلاة الفجر مع عائلته خاصة خلال شهر رمضان، وفي اليوم الذي سبق المجزرة نغصت إجراءات الاحتلال على المصلين أثناء دخولهم لأداء صلاة التراويح.

 

اقرأ أيضا: 27 عاما على مجزرة المسجد الإبراهيمي.. ودعوات لحمايته

وتوجه الرجبي في فجر اليوم التالي برفقة زوجته وأطفاله إلى المسجد؛ وعلى غير العادة قام الجنود بفصل الرجال عن النساء، ليتوجه الأطفال ووالدتهم إلى قسم آخر من المسجد.


"كان كل شيء يبدو مريبا، تحركات الجنود خارج المسجد وتشديداتهم الزائدة كانت تنبئ بوجود أمر ما.. بدأ الإمام بالقراءة وقرأ السجدة ثم كبّر وسجدت مع المصلين؛ ووقتها شعرت بشيء كأنه يقتلع ذراعي من مكانها وسط صوت زخات الرصاص الكثيف، أدرت وجهي فرأيت ثلاثة مستوطنين، أحدهم يطلق النار واثنان يزودانه بالذخيرة كلما فرغت".


حالة من الهلع سادت المسجد وعلت أصوات الصراخ والتكبير فيه؛ ولكن الرجبي لم يتمكن من الخروج منه بسبب إصابته ونزيف الدم الذي سال منه.


وأوضح أن المصابين في المسجد كانوا كثر؛ وأن الاحتلال أحكم إغلاق بواباته لمنع دخول أي مركبة إسعاف، فاضطر المصلون لنقل الإصابات بمركبات المواطنين الخاصة إلى خارجه، بينما مُنع أي شخص من دخوله.


وأردف: "كانت مجزرة بكل معنى الكلمة؛ الدماء في كل مكان والصراخ هو سيد الموقف، ولكن الجنود أكملوا المجزرة خارج المسجد وشرعوا بإطلاق النار صوب من نجا من المصلين، لتكتمل فصول المشهد المريب الذي لاحظناه قبل المجزرة، وبسبب غضب المصلين لحقوا بالمستوطن الذي كان يطلق النار ولم يكترثوا لطلقات الجنود وتمكنوا منه وقتلوه بالقضبان الحديدية".


كانت إصابة الرجبي بالغة في ذراعه؛ فالعظم تفتت والأنسجة تهتكت بفعل رصاصتين إحداهما من النوع المتفجر المحرم دوليا، وبعد نقله لإحدى المستشفيات في المدينة تقرر نقله لمستشفى المقاصد في القدس ليمكث فيه شهرا، وبعدها تقرر نقله إلى المدينة الطبية في الأردن لزراعة البلاتين على طول ١٧ سم تفتت فيها العظم.


بعد عام كامل عاد الرجبي إلى مسجده؛ ولكنه تفاجأ بهول ما حدث، فالاحتلال كان قد بسط سيطرته بالكامل على المسجد وأجزائه المختلفة، والمستوطنون أصبح لهم مكان فيه، حتى الحدائق والمتنزهات خارجه أصبحت ضمن سيطرة الجنود، لينقلب الحال على الضحية رغم ما حل بها.


يقول الرجبي: "أنا أسكن في الحي ذاته قرب المسجد؛ ولكنني بدلا من أن أسير لمسافة مئة متر لأصله أصبحت أمشي مسافة كيلومتر، المنطقة كلها أصبحت تحت سيطرة الاحتلال وأغلقوا شارع الشهداء بالكامل وفيه أكثر من ألف محل تجاري، باختصار أصبح قلب الخليل هو الجزء الميت منها".


حتى الآن يحرص الرجبي على الصلاة في المسجد وآثار الجرح ما زالت ظاهرة على ذراعه؛ ولكنه يعتبر أن جرحه الأكبر هو سيطرة الاحتلال على المسجد والخناق الذي يفرضه على المصلين، حيث يتعرضون للتفتيش والتنغيص خلال دخولهم إليه، ويمنع الجنود رفع الأذان فيه في أغلب الأحيان، ويغلقونه ويسلمونه للمستوطنين للاحتفال في أعيادهم، ويقيمون ١٢٠ حاجزا في محيطه، كل ذلك حصل بعد المجزرة وبمراقبة دولية شرعنت تواجد الاحتلال فيه، كما يقول.

 

وفجر يوم 25 شباط/ فبراير 1994، الموافق للخامس عشر من رمضان؛ هاجم مستوطن مسلح ببندقية آلية، المصلين في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، ما أدى إلى استشهاد 29 من المصلين وإصابة 150 آخرين.