قضايا وآراء

هَبَّة باب العمود طريق لتصويب المسار

1300x600
بناءً على تقدير موقف واقعي، وقراءة متكاملة للمشهد الفلسطيني بكافة أبعاده، كان قد استشرف البعض منذ بدايات مسار الانتخابات التشريعية الفلسطينية الجديدة بأن يقوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيلها كما حصل فعلاً. ولسنا هنا بصدد العودة إلى النقاش الذي دار قبل قرار الفصائل الفلسطينية خلا حركة الجهاد الإسلامي حول خوض مغامرة انتخابية جديدة، لا سيما أننا في حضرة هبَّةٍ مقدسيةٍ عظيمة، قد أنجزت في الميدان وتُبشِّر بالمزيد إذا ما استفاقت الفصائل الفلسطينية لا سيما في الضفة والقدس من غفوتها، وتجاوزت ملهاة انتخابات مجلس تشريعي لدولة تخيُّلية؛ ما هي - في حقيقة الأمر - إلا جزءٌ صغير من كلٍ مغتصَب، يرزح تحت سلطة احتلال تتحكم بكل مفاصل حيات ذاك الفلسطيني الذي مازال صامداً على أرضه يقاوم، بما في ذلك انتخاباته وباعتراف رئيس السلطة الفلسطينية، بغض النظر عن وجاهة التبرير الذي ساقه هذا الأخير لتأجيل أو بالأصح لإلغاء الانتخابات التشريعية.

ما شهدته ساحات الأقصى وأزقة القدس العتيقة في الأيام القليلة الماضية يعيد التأكيد على معادلتين: أولاهما كون الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس وحتى في أراضي 48 جاهزاً وحاضراً للقيام بحركة شعبية قابلة لأن تتطور وتتصاعد حتى تصل إلى العصيان المدني وانتفاضة ثالثة طال انتظارها. فبمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره، ويفهم أكثر من غيره مسؤولياته التي لا يتردد في القيام بها، وكان هذا شاخصاً في مدى رقعة امتداد الاحتجاجات التي شملت بالإضافة إلى القدس أراضي الضفة الغربية ومناطق 48. وقد تجلى الوعي الفلسطيني في طبيعة الهتافات التي صدرت من قبيل "سامع يا صهيوني سامع.. جاي تسكير الشوارع.."، و"مِن أم الفحم تحية.. لقدسنا الأبية.."، و"بلا سلمية بلا بطّيخ.. بدنا أحجار وصواريخ.. يا أقصى إحنا جينا.. والشرطة ما تثنينا..". ولعل الهتاف الأكثر بلاغة كان "حط السيف قبال السيف.. إحنا رجال محمد ضيف.."، فكان لافتاً أنه لم يُهتف باسم أيٍ من السياسيين سواءً أكانوا من "حماس" أم من "فتح"، بل هُتِف باسم القادة العسكريين والشهداء.
بمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره

أما المعادلة الثانية التي أكدت عليها هبّة باب العمود فكانت الخشية الكبيرة لدى العدو من تفاقم الوضع في الأراضي المحتلة، وظهر ذلك جلياً في طريقة تعاطيه مع الأحداث، سواءً أكان مع صواريخ المقاومة التي انطلقت من غزة بشكل محسوب دعماً لهبّة القدس، أو في تعامل شرطة الاحتلال مع المتظاهرين المقدسيين التي على ما يبدو تفادت سقوط شهداء بين المتظاهرين خوفاً من التصعيد.

وتمكن قراءة القلق الأمريكي أيضاً من انزلاق الوضع إلى انتفاضة ثالثة في لغة التصريح غير المألوفة الصادر عن المتحدث باسم الإدارة الأمريكية نيد برايس، حيث أبدى قلق الإدارة الأمريكية من تصاعد العنف في القدس، وطالب بوقف شعارات الكراهية مع الدعوة إلى الهدوء، بالإضافة إلى مطالبة السلطات بحفظ أمن وسلامة جميع من في القدس، على عكس الموقف الأمريكي التقليدي الذي ما انفك عن تحميل الفلسطينيين مسؤولية جرائم الاحتلال مشفوعاً بعبارته الممجوجة بأن لدى "إسرائيل" حق الدفاع عن النفس. ولم تكن هذه صحوة ضمير، بل مؤشرا على إدراكه للنتائج الوخيمة على كيان الاحتلال إذا ما تطورت الاحتجاجات لتصل إلى انتفاضة ثالثة، يُحتمَل أن تعم هذه المرة كل الأراضي المحتلة في القدس والضفة وأراضي 48، ويكون ظهرها محمياً بمقاومة مسلحة قادرة في غزة يدعمها محور مقاومة صاعد بات يغير المعادلات على الأرض، ويمكنه رسم الخطوط الحمر أمام كيان الاحتلال في طريقة تعاطيه مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، خطوط حمر وقواعد اشتباك لن يجرؤ الاحتلال على تجاوزها كما بات واضحاً في سلوكه خلال الأعوام القليلة الماضية.

هاتان المعادلتان كانتا الحاكمتين خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة على أقل تقدير وما تزالان، ونُذكّر بهبّة كاميرات الأقصى التي خسرها الاحتلال، والعمليات الفردية وعمليات الطعن والدهس المتكررة ضد المستوطنين، وتراجع نتنياهو عن تنفيذ خطة الضم في الأول من تموز الفائت خوفاً من اشتعال الأراضي المحتلة حسب تقارير أجهزته الأمنية والعسكرية، ناهيكم عن الحذر الشديد لدى الاحتلال من الانزلاق إلى مواجهة جديدة مفتوحة مع المقاومة في غزة، وتوازن الرعب الذي يعيشه المحتل على جبهة جنوب لبنان المحرر أمام حزب الله.

وعليه يصير السؤال المطروح بإلحاح على الفصائل الفلسطينية: أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟
أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟

لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصة جديدة واقعية تتمثل بهبّة مقدسية مباركة يمكن تطويرها وتأطيرها، ويمكن من خلالها استعادة وحدة وطنية حقيقية في الميدان بين كل من يؤمن بمقاومة الاحتلال، عوضاً عن اللهث وراء مشاريع لن تؤدي إلا إلى زيادة التشظي في الساحة الفلسطينية كما حصل عقب القرار البائس في التوجه إلى انتخابات تشريعية في ظل الاحتلال وتحت سقف "أوسلو".

وإذا ما سلمنا بأنه قد ثبُت بالدليل الحسي انقطاع الأمل في قيام السلطة الفلسطينية ورموز التنسيق الأمني بتعديل مسلكهم، عندها يصبح على عاتق الفصائل مع الذين ما زالوا يؤمنون في "فتح" الرصاصة الأولى لا "فتح" القبيلة؛ اجتراح السبل لتفعيل العمل الميداني، لمواكبة تحركات الشارع الفلسطيني المنتفض، وعلى السلطة حينها الاختيار بين أن تكون جزءاً من الشعب الفلسطيني الثائر أو الوقوف على الحياد، وإما أن تستمر بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، وعندها لا ملامة على شعبنا إن عاملها معاملة العملاء في الانتفاضتين السابقتين.

وختاماً نُذكِّر بأن تفعيل المقاومة الشعبية الجادة والعصيان المدني كانا من أهم مخرجات اجتماع أمناء الفصائل الأخير المنعقد في أيلول الماضي، فماذا إذن هم منتظرون؟