كتاب عربي 21

"هري" السلطة.. أم "هري" المواطن؟!

1300x600
ما إن يفتح فمه، حتى يكون ما يخرج منه مغرياً بالكتابة عنه، فتضج بكلماته منصات التواصل الاجتماعي، حتى يقول أنصاره: ليته سكت!

بيد أن أزمتي مع عبد الفتاح السيسي في أن خطابه يفتقد لوحدة الموضوع، ويمثل لهذا عناوين لموضوعات مختلفة، تحتّم المسؤولية الوطنية التعرض لها، وهو ما يستدعي الحديث عن كل عنوان باستفاضة، وهو أمر لا يتسع له مقال أسبوعي، فيظل الوقت الذي يقضيه الكاتب في اختيار الموضوع الأهم، أكثر من الوقت الذي يستغرقه في كتابة المقال نفسه!

وقد كان خطاب السيسي الأخير هو تنويعات على لحن واحد، وهذا اللحن هو تبرير عجزه عن مواجهة تحديات بناء سد النهضة، ولهذا أخذنا يميناً ويساراً، من أول طلبه من المصريين التوقف عن "الهري"، إلى تطمينه لهم ودعوتهم إلى عدم القلق، إلى العودة لحديث الخط الأحمر، إلى وعده بانسحابه هو والجيش إذا لم يستطيعا الحفاظ على مياه النيل. وكلها تنويعات تستحق التوقف عندها، لكن العين بصيرة واليد قصيرة، كما يقول المثل الدارج! وهناك ألحان هامشية أخرى مثل مخاطبة الله سبحانه وتعالى له، وهو أمر ينبغي الوقوف عنده بجدية وصرامة وعدم التعامل معه بخفة واستخفاف!

لقد عاد السيسي إلى ذات الخطاب الذي يفصل فيه بينه وبين المصريين، ويخاطبهم وكأنه من جنس غريب عنهم، ولا نعرف سر غرامه بحديث: أنتم يا مصريين. فإذا كنا نحن "المصريين"، فمن أين هو؟ من بنغلادش؟!
الكلام الذي يتردد في هذا الموضوع، هو كلام خبراء ومختصين، وإن كانت الصياغات مختلفة، ومنه كلام لمسؤولين مصريين وسودانيين. لكن الأزمة في هذا الاتهام بـ"الهري" أن عبد الفتاح السيسي ألقى باتهامه بدون توضيح، وبشكل قريب الشبه بالاتهام المتداول الآن في جميع قضايا الرأي وهو نشر أخبار كاذبة، أو الانتماء لجماعة محظورة

وقد طالب "المصريين" بالتوقف عن "الهري" في ما يختص بأزمة سد النهضة. و"الهري" هو الثرثرة بكلام فارغ، وهو مصطلح ينتمي للهجة المصرية، ومفردة قديمة من المفردات التي اندثرت ثم عادت من جديد، بعد استخدام الجيل الجديد لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، فأين هو "الهري" في كلام المصريين في أزمة سد النهضة؟!

إن الكلام الذي يتردد في هذا الموضوع، هو كلام خبراء ومختصين، وإن كانت الصياغات مختلفة، ومنه كلام لمسؤولين مصريين وسودانيين. لكن الأزمة في هذا الاتهام بـ"الهري" أن عبد الفتاح السيسي ألقى باتهامه بدون توضيح، وبشكل قريب الشبه بالاتهام المتداول الآن في جميع قضايا الرأي وهو نشر أخبار كاذبة، أو الانتماء لجماعة محظورة والتعاون معها في تحقيق أغراضها، دون توضيح ماهية هذه الأخبار، وما هي هذه الجماعة. وعندما وجهت النيابة الاتهام الأخير لزياد العليمي- المحامي، سأل زياد المحقق عن هذه الجماعة، ولعله فوجئ بالسؤال، فأكد أنه سيخبره باسمها في الجلسة القادمة ومن ثم قام بـ"هبده" خمسة عشر يوماً حبساً احتياطيا على ذمة هذا الاتهام، ولا نعرف ما جرى في جلسات تجديد الحبس التالية على مدى أكثر من سنتين!

و"الهبد" هو أيضاً من المفردات المصرية القديمة، التي اندثرت ثم عادت للاستخدام من جانب الجيل الجديد مثل "الهري"، وإن كانت تؤدي معنى مغايراً عن الاستخدام القديم لها. فالهبد قديماً تعبير عن فعل، أما الآن فتعبير عن قول!

خطاب الحدة واللين

وهذا الطلب بالتوقف عن "الهري" هو وثيق الصلة بتهديد السيسي لوزير الري الأسبق نصر الدين علام بالتوقف عن الكلام في ما لا يعرف، ولم يذكر اسمه لكني لفت انتباهه بأنه المعني بهذا التهديد، ولم يصدقني، وكانت النتيجة حبسه بتهمة الفساد، قبل أن يحصل على البراءة من محكمة النقض!
كان الأداء مختلفاً، فبينما كان السيسي في التهديد الأول غاضباً بشكل لافت وقد احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه، كان في اللقاء الأخير مداعباً الجماهير، ومآلات الأمر هي السبب في انتقال الخطاب من الحدة إلى الوداعة!

وكان الأداء مختلفاً، فبينما كان السيسي في التهديد الأول غاضباً بشكل لافت وقد احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه، كان في اللقاء الأخير مداعباً الجماهير، ومآلات الأمر هي السبب في انتقال الخطاب من الحدة إلى الوداعة!

ففي المرة الأولى، كان عائداً تواً من الخرطوم بعد توقيعه لاتفاق المبادئ، وسط زفة منصوبة له من إعلامه تدور حول العنوان الرئيس لجريدة "اليوم السابع": "السيسي حلها"، وكان يعيش في دور الفاتح الكبير، ومن ينتصر في المعارك الكبرى غير الجنرالات؟ لكنه الآن يعلم أن حالة غضب تسري في أوصال المصريين بما في ذلك أنصاره، ولهذا لم يجد من يدافع عن موقفه في أزمة السد سوى لجان الكترونية تعلق بأسماء مستعارة، وهو أمر كاشف عن حالة انكشاف للعصب. فإذا كان من الجائز أن يكتب مهاجمون للنظام العسكري بأسماء مستعارة خوفاً من التوصل إليهم واعتقالهم، فممن يخاف من يدافعون عن السيسي، إلا إذا كانوا ذباباً يصنع كل واحد منهم أكثر من صفحة لهذا الغرض؟ وهم عجزة؛ وسيلتهم الوحيدة هي السب والشتم، ويفتقدون للقدرة على الدفاع الموضوعي عنه، وعندما يقرر أحدهم أن يتحلى بالرصانة فإنه يحيلك للمجهول، فهو يثق في قيادته السياسية وقدرتها على الدفاع عن مصر وأمنها القومي!

فات هؤلاء إن مصر لم تتعرض لهزيمة عسكرية، وبالتالي من حقها أن تحدد الوقت المناسب للثأر، كما جرى في حرب أكتوبر، التي يتم الاستشهاد بها في هذه الحالة وهو استشهاد فاسد، فعامل الوقت ليس في صالح مصر، فعندما يتم الانتهاء من البناء والملء، ستكون مهمة دول المصب هي حماية سد النهضة وليس التعرض له!

ويدرك عبد الفتاح السيسي أنه لا يملك كلاماً مهماً في الأمر، لذا فكانت الدعابة بالتوقف عن "الهري" وطمأنة الرأي العام بغير سند، فكان ما يقوله هو "الهري"، والذي بدأه منذ أن وقع اتفاق المبادئ وتصوير نفسه بأنه حرر عكا، ثم سار في طريق طمأنة الناس، مع الفشل الواضح في جميع جولات المفاوضات، التي كانت تتم التغطية عليها بحركات أسد الميكروفون، النعامة في الحروب الجادة، ثم بمشهد القسم العبثي، عندما طلب من رئيس الوزراء الإثيوبي أن يردد خلفه بأنه لن يضر بمصالح مصر، وهو تصرف لا تعرفه حتى المجتمعات التقليدية التي لم تشكل دولة، فإذا لم يكن هذا هو "الهري" فكيف يكون؟!
يدرك عبد الفتاح السيسي أنه لا يملك كلاماً مهماً في الأمر، لذا فكانت الدعابة بالتوقف عن "الهري" وطمأنة الرأي العام بغير سند، فكان ما يقوله هو "الهري"، والذي بدأه منذ أن وقع اتفاق المبادئ وتصوير نفسه بأنه حرر عكا، ثم سار في طريق طمأنة الناس، مع الفشل الواضح في جميع جولات المفاوضات

لقد حدث بعد جولة مفاوضات فاشلة، وبعد خروجه من جولة جديدة، بحضور الرئيس البشير، أن بدا حريصاً على قطع الطريق على الرئيس السوداني ورئيس الحكومة الإثيوبية للحديث أمام الصحفيين الذين امتلأت بهم القاعة وهو يقول إن كل شيء تمام وعلى ما يرام، فلا يُعقد مؤتمر صحفي كما جرت العادة، وعندما تفشل المفاوضات بعد ذلك، أليس ما قاله عن أن كل شيء تمام كان هو "الهري" بشحمه ولحمه؟!

من الهراؤون؟

لم يحدد السيسي من هم "الهراؤون"، لكن إذا كان يقصدنا، فإننا ومنذ بداية الأزمة لم نقل كلاماً ويثبت كذبه، إلا أن "الهري" كان هو الوصف الصحيح لمثل هذه الوعود، مثل قوله إنه لم يضيعنا من قبل ليضيعنا اليوم، دون رد حقيقي على ما أثرناه وأثاره غيرنا!

قلنا إن اتفاق المبادئ هو رأس كل خطيئة، لأنه أعطى شرعية لبناء السد، فهل بإمكان أحد أن يكابر الآن وينفي ذلك؟!

وقال غيرنا ورددنا خلفه أن هذا الاتفاق لا يضمن لمصر أو السودان قطرة مياه واحدة، فليقل لنا في أي نص فيه توجد هذه الضمانة؟!

وعند الملء الأول قال سدنة حكمه إن إثيوبيا لن تجرؤ على القيام بذلك أحادياً، وقلنا ستفعل وفعلت، وفي الملء الثاني حدث الأمر نفسه، وها هي إثيوبيا تحتفل بقرب الانتهاء من الملء الثاني!
إن "الهري" كان في التهديد بأن هذا خط أحمر، وفي التلويح بالحرب، ثم التراجع السريع بعد حشد الأنصار في هذا الطريق، والخطاب الممل عن ضرورة الاحتشاد خلف القيادة السياسية في موقفها، مع أنها سبب الأزمة ولن تكون جزءاً من الحل

إن "الهري" كان في التهديد بأن هذا خط أحمر، وفي التلويح بالحرب، ثم التراجع السريع بعد حشد الأنصار في هذا الطريق، والخطاب الممل عن ضرورة الاحتشاد خلف القيادة السياسية في موقفها، مع أنها سبب الأزمة ولن تكون جزءاً من الحل.

لقد قال السيسي بأن قطرة مياه واحدة لن تنقص من حقوق مصر التاريخية من مياه النيل، وهذا هو "الهري"، لأن بناء السد والملء بأي درجة لا بد أن يؤثر في هذه الحقوق!

ثم إن الحديث عن فشل المفاوضات على مدى سنوات مضت، وعن المخاطر الناجمة عن بناء السد، أفاض فيها النظام والمتحدثون باسمه، فعندما يرددها البعض فهل يجوز هنا التعامل معها على أنها "هري"؟!

إن ما يجب أن يعلمه القاصي والداني أن الجريمة قد وقعت ببناء السد، وكل ما سيحدث بعد هذا تفاصيل لتأكيد الجريمة، وأن الجيش لن يحارب ولن يتدخل لإخراج السد من الخدمة ولو بعملية قصف سريعة، وأن السيسي لن يسحب توقيعه من اتفاقية المبادئ حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأن كل ما يفعله الآن هو لتمكين إثيوبيا من إنهاء مهمتها لا أكثر! وهو ما قلناه من قبل ونؤكد عليه اليوم، وعلى السيسي أن يفعل العكس ليثبت أن كلامنا "هري"!

فإن لم يفعل ولن يفعل، فلا داعي لأن يرمينا بدائه!

twitter.com/selimazouz1