قضايا وآراء

قارن ومتعلقة وأفعالهما

1300x600
ظننت أنني تخلصت من الغضب، بالأحرى الألم، لكني كنت على خطأ، فهو يزداد على الرغم من كل الحيل التي حاولت بها تسكينه.

كنت قد حددت المسبب، وهو فعل "قارَنَ"، وذلك التنويه الذي تضعه المواقع الإخبارية: أخبار متعلقة؛ وتريد به لفت انتباه القارئ إلى موضوعات سبق نشرها، ومتصلة بشكل ما بالموضوع المنشور، وأجلت التفكير في الأمر برمته، بعد أن أعددت كل المادة، ووثقتها.

قلت: فلتكن مرة أخيرة، ولن أعود لمثل هذا الفعل، وعليّ أن أحتمل.

فقد قادني خبر في باب الحوادث، إلى "متعلقاته"، التي نقلتني من القليوبية قبل أيام؛ إلى البداري والقاهرة في ثلاثينيات القرن الماضي، ومنها قذفت بي إلى رحاب مختلفة من العالم على وقع آثار حادث مقتل جورج فلويد، ثم رمت بي إلى قنا، فجر يوم الأحد الماضي.

المقارنة كانت إجبارية لا مهرب منها، ولذلك أردت أن أفهم: قارَنَ في حضورها اللغوي، وقد هدّأت معانيها المتعددة بعض آثار الآلم؛ فالفعل يعني: المرافقة، والمقابلة، والجمع، ثم (هذا اكتشاف) التسوية، فيقال "قَارَنَ رَفِيقَهُ: رَافَقَهُ وَاقْتَرَنَ بِهِ"، ويقال "قَارَنَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ: قَابَلَ بَيْنَهُمْ"، ويقال "قَارَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قِرَاناً: جَمَعَ بَيْنَهُمَا"، ثم يقال "قَارَنَ بَيْنَ النَّاسِ: سَوَّى بَيْنَهُمْ"، وفعل سَوَّى معناه "سَوَّاهُ: قوّمه وعدّله، جعله سوِيّاً لا عِوَج فيه"، وهذا غاية ما أريد من هذه الكتابة.

* * *

هذا هو عنوان الخبر: "أمن القليوبية" يسيطر على أحداث الشغب في شبين القناطر.

لماذا حدث "الشغب"؟ لأن "أمين شرطة قام بإطلاق الرصاص على شقيقين في مشاجرة بينهم بسبب تحرير مخالفة مرورية، ما أدى إلى مصرع أحدهم".

في صياغة صحفية محتملة سيكون العنوان "أمين شرطة يقتل مواطنا".

وماذا حدث بعد ذلك؟

يذكر الخبر: "قام الأهالي بإشعال النيران في المزلقان وتوقيف حركة القطارات على خط شبين.. قليوب، وقامت قوات الأمن بالتعامل بالقنابل المسيلة للدموع وتفريق المواطنين".

هذا هو "الشغب" بعينه، مفترض أن يبقى الأهالي ساكنين، يتمتعون بنعمة "الهدوء".

أمين شرطة بوحدة مرور شبين القناطر أطلق النيران من سلاحه الميرى فقتل مواطنا، لماذا "الشغب"؟

في التفاصيل يتبين أن أمين الشرطة أطلق "رصاصا"، أي أكثر من واحدة، فقتل وأصاب.

لماذا "الشغب"؟

يطمئن العنوان "الناس": الأمن سيطر على الشغب.

في الزاوية نقرأ من "أخبار متعلقة" العناوين التالية: "الحكم على مدير أمن القليوبية الأسبق بتهمة قتل متظاهري 25 يناير 5 سبتمبر"، الخبر منشور يوم (4 تموز/ يوليو 2014)، وهناك خبر آخر، عنوانه: "تجديد حبس 25 متهماً في أحداث شغب بقرية في القليوبية 15 يوماً"، وعنوان فرعي: "الاشتباكات أسفرت عن إصابة المأمور ومجند وتهشيم 5 سيارات شرطة". والخبر منشور بعد خمسة أيام من خبر مدير أمن القليوبية السابق.

ماذا حدث في أحداث "الشغب" القديمة (2014)؟

تفصيل الخبر يبرز؛ أولا أن القرية "شهدت أحداث شغب ليلة العيد، أصيب خلالها مأمور مركز شرطة شبين القناطر ومجند، وتم إتلاف 5 سيارات شرطة أثناء تدخل القوات لفض مشاجرة بين طرفين".

لكن لماذا وقع "الشغب" من أساسه، وفي ليلة العيد؟ لأنه حدثت مشاجرة بين مواطنين من القرية وبين مجندين.

ثم إن المشاجرة استحالت إلى "شغب"، حيث يفصّل الخبر أنه "تجمع 150 شخصاً من أهالي القرية في محاولة للفتك بأحد طرفي المشاجرة"، فمن هو يا ترى الذي حاول "الأهالي" الفتك به؟

لا يفيدنا الخبر في هذه المسألة، لكنه يخبرنا أن مسنة (70 عاما) أصيبت.

وماذا في هذا؟ لماذا "الشغب"؟

لا إجابة في الخبر، لكن ليطمئن القارئ، فقد قامت "قوة من ضباط مركز شبين بالتصدي لأهالي قاموا برشقهم بالحجارة، الأمر الذي تسبب في إصابة مأمور المركز بجرح قطعي أسفل العين اليسرى وكسر بالأنف، وإصابة مجند (21 سنة). كما أسفرت أحداث الشغب عن تهشيم زجاج 5 سيارات شرطة، ما اضطر الأمن إلى الدفع بقوات الأمن المركزي و4 مدرعات قامت بإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع، والقبض على 25 متهماً، وتحرير محضر بالواقعة".

وها أنا محمول إلى خارج القليوبية، وصدى الخبر المنتظر يتردد: "براءة مدير أمن القليوبية الأسبق و3 من مساعديه في قتل متظاهري 25 يناير".

* * *

تأخذني "قارن" في سحابتها السحرية إلى "ليلة ‏19‏ آذار/ مارس عام ‏1932،‏ وفي مركز البداري مديرية أسيوط‏، وأثناء عودة مأمور المركز يوسف الشافعي أفندي من زيارة لدار مهندس الري فهيم أفندي نصيف، وعند مدرسة البداري الابتدائية وخلف حائط متهدم كمن شابان من أبناء البلد‏، وعندما أصبح المأمور والمهندس على بعد ستة أمتار من مرمى النار‏، أطلقا عليهما رصاصة أودت بحياة الأول وأصابت الثاني إصابات خفيفة‏.‏

في نفس الليلة تم القبض على الجانيين اللذين شاهدهما بعض المارة وهما يهرعان بعد ارتكاب الجريمة للاختفاء في المزارع القريبة‏، أولهما‏:‏ أحمد جعيدي عبد الحق، العمر: 23‏ سنة المهنة‏:‏ طالب سابق بمدرسة الصنائع وإن كان قد تركها ليعمل بالفلاحة في أرض أبيه‏، والثاني‏:‏ حسن أحمد أبي عاشور الشهير بحسونة، العمر‏: 25‏ سنة المهنة‏:‏ فلاح وسكنه البداري‏.

هذه وقائع مشهورة للغاية في التاريخ القانوني والسياسي المصري، قذفني إليها حضور "قارن" الطاغي.

فماذا وراء الوقائع المادية- الجنائية الصرفة؟

لنبقى أولا في الدائرة الأولى، دائرة المحاكمة: سمعت المحكمة الدعوى، (و) حكمت حضورياً في 21 حزيران/ يونيو سنة 1932، بإعدام أحمد جعيدي عبد الحق، وبمعاقبة حسن أحمد أبي عاشور الشهير بحسونه بالأشغال الشاقة مؤبداً.

ثم كان أن "طعن محامو المتهمين على الحكم، وأدانت المحكمة برئاسة عبد العزيز فهمي باشا في حكم تاريخي لها صدر يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1932 فساد النظام وأفعال رجال البوليس التي وصفتها بأنها "إجرام في إجرام". وقالت المحكمة أيضا: "إن من وقائع هذه القضية ما هو جناية هتك عرض يعاقب عليها القانون بالأشغال الشاقة، وإنها من أشد المخازي إثارة للنفس واهتياجا لها ودفعا بها إلى الانتقام". ورأت محكمة النقض أن ما جعلته محكمة جنايات أسيوط موجبا لاستعمال الشدة كان يجب أن يكون من مقتضيات استعمال الرأفة".

فقد تبين لـ"النقض" أن جريمة القتل كانت "بسبب قيام المأمور (القتيل) بتعذيب المواطنين الذين يقبض عليهم، وكان من بين من تعرضوا للتعذيب الرجلان اللذان قتلا المأمور، حيث قام بتعذيبهما وتعريتهما وهتك عرضهما أمام الأهالي.

من الدائرة المباشرة للدائرة الأوسع يتبين أن "قضية مأمور البداري" أكبر من مجرد جريمة قتل وحكم محكمة. فقد أحدثت كلمات عبد العزيز فهمي "زلزالا سياسيا" هائلا، أصاب "بنيان الحكومة"؛ كما تجمع كل المراجع السياسية عن تلك الفترة.

كانت الوزارة ضمن ما أطلقت عليه تلك المراجع "المرحلة الثانية" مما عرف بـ"الوزرات الملكية"، فقد كلف الملكُ فؤاد؛ إسماعيل صدقي بتشكيل الوزارة، وقد أعرب صدقي عن سياسته في تشكيل الحكومة ضمن ما ذكره في مذكراته، قائلا: "كانت سياستي أن أنظم الحياة النيابية والدستورية تنظيما جديدا يتفق ورأيي في الدستور واستقرار الحكم والقضاء على الفوضى".

فماذا فعل؟

أولا ألغى دستور 1923، وشرع دستورا جديدا، ثم طارد كل معارضيه. وما كان يقصده بـ"القضاء على الفوضى" قريب للغاية من تلك التعبيرات التي طالعناها في أخبار القليوبية.

والحط من شأن الدستور، فعلا (عدم احترام نصوصه والتزاماته) وقولا (الدستور كتب بنوايا حسنة)، قاسم مشترك بين البداري والقليوبية.

وتجمع المصادر على أنه من بين جميع الوزارات التي تألفت منذ صدور تصريح 28 شباط/ فبراير 1922 وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، والتي بلغت نيفا وأربعين وزارة، فإنه لم تحظ وزارة منها بما حظيت به وزارة إسماعيل صدقي الأولى من عداوة شعبية تفجرت في أعمال عنف بالغة، خصوصا خلال الجانب الأول من عهد هذه الوزارة. ثم وقعت حادثة مقتل مأمور البداري، وقد أدى ما تكشف في تلك القضية واستقالة وزير الحقانية علي ماهر بسببها بالإضافة إلى التفكك الذي أخذ يصيب بنيان الوزارة؛ إلى تقديم صدقي لاستقالة وزارته.

* * *

وهل من علاقة بين القليوبية، قبل أيام، وبين البداري (1932) وبين جورج فلويد وما جرى له، وما نتج عما جرى له؟

في حماية "قارن" نمضي، مع الثقة في أن غالبية القراء يعرفون "الواقعة"، بصورة ما: جورج فلويد، مواطن أمريكي من أصل أفريقي توفي في 25 أيار/ مايو 2020 في مدينة منيابولس، بولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك أثناء تثبيته على الأرض بُغية اعتقاله من قبل شرطة المدينة، حيث قام ضابط شرطة بالضغط على عنق فلويد (بركبته) لمنعه من الحركة أثناء الاعتقال لما يقارب تسع دقائق.

ويهمنا من باقي التفاصيل بضعة أمور: سُجِلَت الحادثة في العديد من مقاطع فيديو الهواتف المحمولة التي تداولها الناس على نطاق واسع على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

وأتذكر أن قتل متظاهري 25 يناير كان على الهواء مباشرة.

بعد مقتل فلويد، انطلقت المظاهرات والاحتجاجات، وقد كانت سلمية في البداية، ثم تطوّرت وتصاعدت لاحقاً إلى أعمال شغب، حيث حُطّمت النوافذ في دائرة الشرطة وأشعلت النيران في متجرين، ونهبت وتضررت العديد من المتاجر. اشتبك بعض المتظاهرين مع الشرطة، التي أطلقت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

ينفلت الغضب، بشكل تلقائي، نتيجة أمور واضحة: هناك شعور عام بالظلم والتمييز، هناك محاولات من الشرطة والإدارة لتجنب المساءلة والعقاب، هناك مخزون هائل من الغضب مكتوم.

ويبقى أن الاحتجاج تجاوز كل الحواجز: العرقية، والجغرافية، والاجتماعية، فظهر في مناطق وبلدان وقارات مختلفة، ثم كانت هناك مظاهر اعتذار لافتة: ملوك ورؤساء وبرلمانيون ووزراء ومشاهير من كل لون وصنف عبر العالم، يعتذرون عما جرى لفلويد وملايين غيره من ظلم تاريخي، ومراحل استعمارية عديدة.

ثم كانت العدالة متحققة، كان الإعلام ينقل شكوى الأهل على الهواء مباشرة، والإدارة والشرطة تعرب عن تفهمها لـ"الشغب"، وتحاول التفاهم معه.

* * *

محطتي الأخيرة مؤلمة، فبينما أحاول التماسك جراء الغضب مما دفعتني إليه "قارن"، قرأت خبرا حمل هذا العنوان: "أحد أقارب المتوفى بطلق ناري في قنا: الطبيب قال لنا لو عايزين تخرجوا أنا مشفتكمش".

التفاصيل تكشف لنا دلالة أن يضع عبد الفتاح السيسي ودولته الدستور تحت أحذيتهم. والتوضيح سيكون في وقت، أو مكان، آخر.