قضايا وآراء

مصالحات المنطقة تكتيك أم استراتيجية؟

1300x600
جملة من المصالحات بين العواصم المتنافسة والمتصارعة في المنطقة اكتملت، أو في طريقها للاكتمال، والسؤال: هل يمكن اعتبار تلك المصالحات بين المحورين المتنافسين (التركي القطري من ناحية والمصري السعودي الإماراتي من ناحية أخرى) خطوة تكتيكية تستوجبها الضرورات اللحظية، أم أنها خيار استراتيجي نتيجة قناعات تولدت لدى قادة هذه الدول بعد صراع وتنافس استمر لسنوات؟

ليس خافيا أن الحليفين المتصادمين تكوّنا بطريقة تلقائية مع اندلاع ثورات الربيع العربي الذي دعمته كل من تركيا وقطر، وتعززا مع الثورات المضادة لهذا الربيع التي دعمتها السعودية والإمارات وإسرائيل.

وليس خافيا أن كلا المحورين أصبح يعرف قدراته وقدرات الطرف الآخر.

وليس خافيا أن كلا المحورين حقق مكاسب، كما أنه تعرض لإخفاقات خلال السنوات العشر الماضية.
ليس خافيا أن كل دولة لديها مصالحها الخاصة، وأولوياتها التي ربما تحتاج إلى تهدئة بعض الجبهات لصالح جبهات أخرى

وليس خافيا أن كل دولة لديها مصالحها الخاصة، وأولوياتها التي ربما تحتاج إلى تهدئة بعض الجبهات لصالح جبهات أخرى.

وليس خافيا أن مسار المصالحات تحرك بشكل متواز تقريبا، حتى وإن سبقت المصالحة الخليجية- الخليجية نظيرتها التركية الخليجية المصرية.

وليس من شك أن هناك تنسيقا بين أطراف كل حلف في أي خطوات على أي صعيد، بمعنى تنسيق تركي قطري في مقابل تنسيق سعودي إماراتي مصري، ومن هنا يمكننا أن نستنتج أن أي تسوية تتم بموافقة مباشرة أو رضا لبقية الأطراف حتى تتمكن من الصمود.

من أبجديات السياسة أنه لا توجد صداقة دائمة أو عداوة دائمة بل مصالح دائمة، هذا لا ينفي وجود مبادئ في بعض الأحيان لكنها لا تصمد كثيرا أمام المصالح الاستراتيجية للدول. فالغرب مثلا يقدم نفسه باعتباره حامي حمى المدنية والديمقراطية والحريات، ويظل صادحا بهذه المبادئ، حتى إذا ما ظهرت مصالح استراتيجية في الطريق انحاز إليها على الفور، ونسي ما كان يدعو إليه من قبل. والجميع يعرفون الأمثلة على ذلك، فما بالك بدول أقل تحضرا أو ديمقراطية من الغرب؟!
تصعيد الدول للهجات العداء والتحشيد السياسي والإعلامي وحتى العسكري لا يعني أن الباب سيظل موصدا إلى الأبد

تصعيد الدول للهجات العداء والتحشيد السياسي والإعلامي وحتى العسكري لا يعني أن الباب سيظل موصدا إلى الأبد، وإلا فمن كان يصدق أن تتحاور القوتين العظمىين وحلفيهما (الأطلسي ووارسو) إبان الحرب الساخنة والباردة؟ ومن كان يصدق أن تتصالح مصر مع عدوها التاريخي الكيان الصهيوني بعد أربع حروب طاحنة بينهما؟

في أشد الجولات العسكرية تكون هناك أبواب خلفية للتواصل بين الدول، وفي حالة تركيا ومصر (مثلا) اللتين قطعت العلاقات بينهما عقب انقلاب السيسي في 2013، ظلت الحوارات قائمة بين الأجهزة الأمنية، كما ظلت العلاقات التجارية قائمة وبلغت خمسة مليارات دولار، كما أن الإمارات لم تقطع علاقاتها مع إيران التي تحتل ثلاث جزر إماراتية، بل إنها الشريك التجاري الثاني لها بحجم مبادلات يبلغ 20 مليار دولار!!

الحديث الآن عن المصالحات السياسية، التي تكتمل بعودة العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، بعد تسوية كل أو معظم القضايا الخلافية بين الأطراف. وفي الحالة الخليجية فقد عادت العلاقات بالفعل بين قطر ودول الحصار السابقة جميعها (السعودية- الإمارات- البحرين- مصر)، ولكن لا تزال بعض القضايا العالقة محل نقاش وتفاوض. أما في الحالة التركية الخليجية المصرية فالمصالحة لا تزال في خطواتها الأولى، وإن شهدت تطورا على صعيد العلاقة التركية السعودية عقب تبريد أنقرة لملف اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والاتصالات واللقاءات التركية السعودية المباشرة (اتصال أردوغان وسليمان، ولقاء وزيري الخارجية الفرحان وجاويش أوغلو)، لكن مستوى العلاقة لم يعد حتى الآن إلى وضعه الطبيعي السابق، حيث لا تزال حملة مقاطعة البضائع التركية قائمة في السعودية، في الوقت الذي لا تزال قضية خاشقجي مفتوحة أمام القضاء التركي وإن بوتيرة أبطأ.
المفاجأة كانت في العلاقات التركية الإماراتية الأكثر التهابا (بالإضافة إلى مصر)، وكانت المفاجأة في زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد إلى تركيا

المفاجأة كانت في العلاقات التركية الإماراتية الأكثر التهابا (بالإضافة إلى مصر)، وكانت المفاجأة في زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد إلى تركيا، منتصف آب/ أغسطس المنصرم، تبعها اتصال هاتفي من الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات، مع الرئيس التركي أردوغان، كما زار طحنون قطر، والتقى نائب حاكم الإمارات الشيخ محمد بن راشد بالشيخ تميم على هامش قمة دول جوار العراق قبل أسبوع، وهي القمة التي شهدت عدة لقاءات جانبية أيضا بين بعض القادة المشاركين ومنها لقاء السيسي مع الشيخ تميم لأول مرة منذ سنوات.

أما العلاقات المصرية التركية فهي تتحرك ببطء ربما لأنها تتم بين دولتين كبيرتين، كما أن الملفات الخلافية بينهما كبيرة، سواء في التعامل مع المعارضة المصرية في تركيا، أو في ليبيا، أو في الحدود البحرية وغاز المتوسط، ومع ذلك فقد بدأت الخطوات التمهيدية ممثلة في منع بعض المذيعين والبرامج في قنوات المعارضة المصرية، والتي قابلتها تهدئة إعلامية مصرية تجاه تركيا. ومن المقرر أن يزور نائب وزير الخارجية المصري تركيا على رأس وفد دبلوماسي، يومي 7 و8 أيلول/ سبتمبر الحالي، لبدء جولة جديدة من المباحثات الدبلوماسية بين البلدين.

نعود إلى السؤال الرئيسي: هل هذه المصالحات والتسويات هي خطوات تكتيكية أملتها الظروف الراهنة؟ أم أنها خيار استراتيجي لهذه الدول بعد تجارب الصراع المريرة؟

المؤشرات تشي بأنها محض خطوات تكتيكية أملتها الظروف الراهنة، خاصة بعد فوز الرئيس الأمريكي جو بايدن برئاسة أمريكا، وبعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان؛ الذي يمثل خطوة ضمن خطوات أخرى للانسحاب من المنطقة عموما، ما يعني حلول قوى إقليمية لملء الفراغ الأمريكي، وهو ما يسيل لعاب بعض دول المصالحات.
المؤشرات تشي بأنها محض خطوات تكتيكية أملتها الظروف الراهنة، خاصة بعد فوز الرئيس الأمريكي جو بايدن برئاسة أمريكا، وبعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان؛ الذي يمثل خطوة ضمن خطوات أخرى للانسحاب من المنطقة عموما

ولعل القاسم المشترك بين الدول التي تقاربت هو تهديد بايدن لها جميعا في ملف الحريات وحقوق الإنسان (رغم انه لم يبد جدية في هذا الأمر حتى الآن). لقد كان وصول بايدن إلى الحكم دافعا قويا للمصالحة الخليجية بعد أن اختفى ترامب من المشهد، وهو الذي كان يمنح الحماية وحتى التحريض للسعودية والإمارات ضد قطر.

ولعل النقطة الأهم التي دفعت الإمارات مؤخرا لكسر جليد علاقتها مع تركيا هو إدراكها لفشل رهاناتها، وإدراكها لصعود الدور التركي القطري بعد تحقيق تركيا نجاحات في ليبيا، وفي أذربيجان، وحتى شمال سوريا، وقدرتها على مواجهة المؤامرة على اقتصادها الداخلي (حيث أن الإمارات أحد المتهمين الرئيسيين فيها).

كما أحرزت قطر نجاحا فائقا في الوساطة بين الأمريكان وحركة طالبان، والتي انتهت بانسحاب الولايات المتحدة، لتصبح أفغانستان مجالا حيويا جديدا لكل من قطر وتركيا اللتين عهدت إليهما طالبان بتشغيل المطار وربما بعض المرافق الأخرى. وربما تمكنت تركيا من كشف مؤامرة جديدة للإمارات فسارعت أبو ظبي للملمة الفضيحة قبل إعلانها.

تظل إذن كل خطوات المصالحة والتسوية الجارية حاليا بين دول المنطقة محض إجراء تكتيكي تستهدف منه كل دولة تجنب خطر، أو تحقيق مصلحة معينة. فتركيا مثلا تريد تحسين اقتصادها عبر استثمارات وصفقات خليجية جديدة، وعبر اتفاق بحري مع مصر يمنحها مجالا بحريا أوسع للتنقيب عن النفط والغاز المتوفر بشدة في الحدود المرتقبة، حتى يتمكن أردوغان من الوصول إلى عام الانتخابات الرئاسية بشكل آمن. والسيسي يريد تحقيق انتصار معنوي عبر قمع الإعلام المعارض له في تركيا، ليستكمل بذلك منظومة قمع الإعلام في الداخل والخارج، وليظهر أمام أنصاره بمظهر البطل الذي أملى شروطه على تركيا.
تظل إذن كل خطوات المصالحة والتسوية الجارية حاليا بين دول المنطقة محض إجراء تكتيكي تستهدف منه كل دولة تجنب خطر، أو تحقيق مصلحة معينة

ليس متوقعا أن تتحول الخطوات التكتيكية إلى خيار استراتيجي لوجود عقبات كبرى في الطريق، فالسيسي لن ينسى الموقف الحاد التركي من انقلابه وتسفيهه بشكل دائم، وتركيا لن تنسى جريمة السعودية على أرضها بقتل خاشقجي، كما أن محمد بن سلمان لن ينسى أن تركيا قضت على حلمه بتولي الملك سريعا كما كان مخططا، وعلى الأقل شوهت صورته بحيث لا يستطيع الخروج في رحلات خارجية خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. وقطر لن تنسى سنوات الحصار الظالم المرير، والإمارات لن تنسى طموحها للعب دور أكبر من حجمها في المنطقة، ولن تتوقف غيرتها من جارتها قطر.

وهذا يعني أن الزعماء الذين يتفاوضون على الطاولات لم يتخلوا عن خناجرهم، ويتحينون الفرص لغرسها في قلوب مفاوضيهم.

twitter.com/kotbelaraby