ملفات وتقارير

قانونيون لـ"عربي21": سعيد ألغى الدستور وعاد للنظام المطلق

سعيد متمسك بانقلابه ويزيد من إجراءاته التي تمعن في تفرده بالسلطة بشكل مطلق- جيتي

وصف قانونيون قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد، التي أعلن عنها أمس الأربعاء، من خلال أمر رئاسي، بـ"الخرق الجسيم، والتعدي الصارخ على الدستور، الذي تم انتهاكه بإلغائه".


وأجمع أغلب أساتذة القانون الذين تحدثت معهم "عربي21"، على أن الرئيس سعيد قام بـ"انقلاب مكتمل الأركان، واستحوذ على جميع السلطات بغير حق، وشرّع لنفسه حكم البلاد، دون حسيب ولا رقيب، معلننا عودة الدكتاتورية".

 

وأكدوا استيلاء سعيد على السلطة التشريعية والتنفيذية، جاعلا من قراراته غير قابلة للطعن.

 

ويرى مختصون مساندون للرئيس وقراراته وهم قلة، أن الرئيس نقح الدستور، وليس ألغاه، أو علقه.

 

اقرأ أيضا: اتحاد الشغل بتونس يندد بـ"الحكم الفردي المطلق" لسعيد

وأصدر سعيد أمرا قرر من خلاله مواصلة العمل بتوطئة الدستور وبالبابين الأول والثاني منه، وبجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع "التدابير الاستثنائية"، إضافة إلى إلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

 

وسيتولى رئيس الجمهورية بمقتضى الأمر الرئاسي، إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية، بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر منه.


إلغاء الدستور 

 

وقال أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، الدكتور شاكر الحوكي، في تصريح خاص لـ"عربي21"، إن "هناك وجهين للقراءة القانونية بما يتعلق بإجراءات االرئيس سعيد، وجه إجرائي وآخر مضموني".

 

وأوضح أن "الأول يتضح من خلال أن رئيس الدولة استند إلى الفصل 80 من الدستور في ما يتعلق بالتدابير الاستثنائية، لكن هذا الاستناد لا يتعلق فقط بتأويل واسع، وإنما بتناقض كلي مع الفصل 80، لأن الفصل يدعو لاتخاذ التدابير الاستثنائية من أجل العودة الطبيعية للحياة السياسية، ومن أجل عودة دواليب الدولة إلى سالف عهدها، وليس من أجل مشروع دستور جديد".

 

واعتبر الدكتور الحوكي أن "ما يقوم به الرئيس هو الذهاب إلى وضع دستور جديد كان قد دعا إليه منذ 2012، وهو يستغل الفرصة، ولا أقول ثغرة، لأن الدستور ليس به ثغرات من هذه الناحية"، وفق تقديره.


وفي إجابته عن سؤال "هل علق الرئيس الدستور؟"، أوضح الحوكي أن "الرئيس ألغى الدستور، وليس علقه، هو يدعي أنه يحترم الدستور والحريات، لكن ذلك مجرد لعب كلمات، وتحايل على لغة القانون الصارمة، فالأمر الرئاسي الذي صدر الأربعاء ألغى الدستور بنسبة 90 بالمائة، ولم يحافظ إلا على فصلين، لأجل تبرير الأمر الرئاسي، وحافظ أيضا على التوطئة التي تشير إلى سيادة الشعب".


ولفت الحوكي إلى أن "الرئيس لم يمس هذه الفصول لأنها تتضمن الحقوق والحريات، لأنه لا يريد أن يفتح حربا على جميع المستويات. في الوقت الحالي يكتفي بتغيير النظام الرئاسي، وربما فيما بعد الحقوق والحريات".


وعن استبدال الرئيس للنظام من شبه برلماني إلى رئاسي، أكد الدكتور الحوكي أن "الرئيس عاد لنظام رئاسوي بصلاحيات ملكية، تعود بنا إلى القرون الوسطى، فهو ألغى العمل بالهيئة الوقتية لمراقبة مشاريع دستورية القوانين، وقام بتحصين الأوامر الرئاسية من أي طعن، وهذا يؤكد التوجه الانفرادي للحكم الذي يرغب الرئيس في إرسائه، ونزعته التسلطية المطلقة".


وفسر الدكتور ثانيا من الشكل المضموني، أن "الرئيس قام بعودة لدستور 1959، وهي عودة لنظام رئاسوي بأبشع صوره، حتى مقارنة في عهدي بورقيبة وبن علي، فاستحواذه على السلطة التشريعية والتنفذية وإلغاء هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين، يعني أنه لا يريد لأحد أن يشاركه الرأي، وينتظر أن يلغي بقية الهيئات الدستورية من هيئة الانتخابات، وهيئة الاتصال السمعي والبصري".


بدوره، قال باحث دكتوراه في القانون عدنان الكرايني، في تصريح خاص لـ"عربي21"، إن ما قام به الرئيس "إلغاء للدستور، ولا يوجد توصيف آخر لهذا، ذلك أن التخلي عن جزء منه وإبقاء آخر أمر لا يستقيم في لغة القانون، فقد قام قيس سعيد بترك نصوص الدستور جانبا وقام بإنشاء ما أسماه أمرا رئاسيا ينظم السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذا لا يستقيم باعتبار أن الدستور هو أعلى الهرم التشريعي ويتسم بالعلوية، ولا يمكن لأمر رئاسي أن يلغي أو ينقح نصا قانونيا فما بالك بنص دستوري".

 

اقرأ أيضا: إعلان جبهتين حزبيتين بتونس لمواجهة انقلاب سعيد و"عزله"

ووصف الدكتور قرارات سعيد التي أعلنت بالأمس بأنها "سابقة خطيرة جدا، ودخيلة عن منطق القانون وأبجدياته، وهذا الإلغاء تم بقوة السلاح والأمر الواقع وليس بقوة القانون فليس له سند دستوري يتيح له، والأخطر أن جعل الأحكام الاستثنائية الواردة في "الأمر الرئاسي" هي الأصل الذي لا يجب أن يخالفه أي نص بما في ذلك النصوص الدستورية".

 

وتابع: "أي أنه جعل من المبدأ (علوية الدستور) استثناء والاستثناء هو الأصل، وهذا لم يتجرأ عليه لا بورقيبة ولا بن علي ولا بقية المستبدين على مر التاريخ". 


استفراد بالسلطة


وعن الآثار التي تترتب عن إلغاء الدستور، أكد الدكتور عدنان الكرايني، أن "الدستور هو مصدر شرعية رئيس الجمهورية، وبإلغائه يصبح كل شيء ملغيا، بما في ذلك صفته كرئيس للجمهورية التونسية".

 

وقال: "أساس التعاقد بينه وبين الشعب هو الدستور، وتم انتخابه في إطار هذا العقد الاجتماعي، ولشغل منصب رئيس الجمهورية، وممارسة الاختصاصات الواردة بالدستور، ما إن يخرج عنه حتى يفقد الشرعية، وكذلك المشروعية، فالمشروعية هي أن ينال الحاكم مقبولية المحكوم وهذا يتم ضبطه بالانتخابات، وهي المعيار الوحيد لتحديد هذه المقبولية". 

 


وأشار الدكتور الكرايني إلى أن "سعيد ينتقل إلى نظام مغال في الرئاسوية، جمع كل السلطات بين يديه بلا رقيب ولا حسيب. بل وصل به الأمر أن يحصن مراسيمه من الطعن بالإلغاء (الفصل 7)، وفي الوقت الذي أشار فيه الفصل 4 الفقرة الثانية إلى أنه لا يجوز أن تنال المراسيم من الحريات المضمونة بالنصوص الوطنية والدولية.. فإن الضمانة الوحيدة التي تحقق هذا المنع أطاح بها بأن منع الطعن في المراسيم".

 

وشدد على أن "هذا أمر خطير جدا، ويمس أحد أهم الحقوق وهو الحق في اللجوء للقضاء، ويمنعه من ممارسة مهامه الرقابية الحامية للحريات". 


وحذر "من خطورة أن تشمل المراسيم النظام الانتخابي فهو الذي يحدد قواعد اللعبة ويضمن نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، وهذا يعني أن قيس سعيد هو الذي يحدد من هو الناخب وكيف ومتى ننتخب على مزاجه دون أي ضابط أو رقابة".


وتابع بأن "أستاذ القانون الدستوري الذي أفنى عمرا في تدريس مبدأ الفصل بين السلطات، يأتي اليوم بجرة قلم يطيح بهذا المبدأ المؤسس لدولة القانون".

 

وقال: "الرئيس منع كل أشكال الرقابة على ممارسة السلطات التي استحوذ عليها، وألغى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، ما يؤكد أن هذا الشخص يعمل بلا رقابة وبلا سلطة تحده، إذا ما تجاوز الحد. وهذا قلب الاستبداد وعين الانحراف بالسلطة".


وأكد عدنان الكرايني أن "الرئيس استولى على صلاحيات التشريع والقضاء والتنفيذ وأصبح الحاكم بأمره بحكم فردي أعاد تونس للعهد القروسطي ما قبل دستور قرطاج الذي كان ينص على مؤسسات الحكم والعلاقة فيما بينها".

 

وقال: "تونس تعيش الآن على وقع سلطنة مقنعة برداء مدني تحيط به الشعبوية من كل جانب، دستورها الوحيد هو ما قاله لويس الـ14 ملك فرنسا ذات يوم ما هي الدولة؟ الدولة هي أنا! يعلمنا التاريخ أن كل انقلاب لا يأتي إلا بأسوأ مما كانت عليه الوضعية من قبل، لذلك لا بد من الاتعاظ من دروس التاريخ وخوض معركة الوعي حتى لا نعيد ذات الأخطاء ونلدغ من الجحر نفسه مرة أخرى. ولكي نعبد الطريق فإن علينا إدراك اللحظة الفارقة".

من جانبها، نبّهت أستاذة القانون الدستوري منى كريم، في توضيح على صفحتها الرسمية، قائلة: "لا للتضليل لا للمغالطة لا للتلاعب بالألفاظ. رئيس الجمهورية يتجه بخطى ثابتة نحو الدكتاتورية عبر تنظيم مؤقت للسلط العمومية دون أجل ليجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى إصدار العملة، وفي غياب تام لأي سلطة مضادة ودون إمكانية إلغاء لقراراته، فهو محصن تماما من الرقابة".

 

 

 

بدورها، قالت أستاذة القانون الدستور سناء بن عاشور إن الرئيس سعيّد "مُناور أمام الله والشعب والتاريخ".


وكتبت بن عاشور في صفحتها عبر "فيسبوك": "أقسم امام الله على احترام الدستور وعلى أن يبقى ضمن الفصل 80 منه. حنث بيمينه بانحرافه عنها منذ مدة طويلة. يوم أمس سقطت الأقنعة والإجراءات الاستثنائية التي صدرت بموجب مرسوم أحادي الجانب أفضت إلى قلب النظام الدستوري وإرساء تنظيم جديد للسلطات العمومية تعوض أحكام الدستور وتبقي مع ذلك على البعض منها بشرط عدم مخالفتها لأحكام المرسوم".

 

وتابع: "(المادة 20) يا لها من بدعة: الأمر الرئاسي أعلى من الدستور!".