كتاب عربي 21

"جوع" بريطانيا ومخاطر الشعبوية على العالم!

1300x600
لم تصل بريطانيا بالطبع إلى مرحلة الجوع بعد، ولكنها لأول مرة منذ حرب أكتوبر/ رمضان 1973 تشهد تدافعا كبيرا على محطات الوقود، ما اضطر الحكومة لأن تطلب من الجيش إرسال عدة آلاف من جنوده، ليتولوا سياقة سيارات النقل الكبيرة وتزويد المحطات بالوقود اللازم للطوابير الطويلة في شوارع لندن وغيرها من المدن الكبيرة المزدحمة في بريطانيا.

ومع أن "الجوع" لم يحدث بعد، إلا أن استخدام هذه الكلمة في العنوان ليس من قبيل الإثارة، ولكن لأنه يبقى أحد الاحتمالات الممكنة إذا لم تتخذ الحكومة قرارات سريعة لحل أزمة العمالة الناتجة عن الهجرة المعاكسة لمواطني الاتحاد الأوروبي، وخصوصا من دول شرق أوروبا الفقيرة نسبيا.

ثمة أخبار كثيرة متناثرة حول ما تسببه أزمة نقص العمالة، ستُظهر - إذا تم تجميعها - صورة قاتمة عن الوضع في بريطانيا بعد أقل من سنة من بدء المرحلة الانتقالية للخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت). من ضمن هذه الأنباء أن أصحاب مزارع الخنازير التي تعتبر جزءا من مائدة الغالبية العظمى للشعب البريطاني؛ قد يضطرون لقتل 150 ألف حيوان بسبب نقص العمالة المطلوبة للعمل في هذا المجال، فيما بدأت التحذيرات من أزمة في توصيل الطلبات التي تزداد وتيرتها مع اقتراب أعياد الميلاد، وبات من الواضح أن "الديك الرومي" الذي يمثل تقليدا من تقاليد أعياد الميلاد لن يكون كافيا لتأمين الطلب المرتفع عليه في هذه الفترة.
مع أن "الجوع" لم يحدث بعد، إلا أن استخدام هذه الكلمة في العنوان ليس من قبيل الإثارة، ولكن لأنه يبقى أحد الاحتمالات الممكنة إذا لم تتخذ الحكومة قرارات سريعة لحل أزمة العمالة الناتجة عن الهجرة المعاكسة لمواطني الاتحاد الأوروبي، وخصوصا من دول شرق أوروبا الفقيرة نسبيا

بعيدا عن الطعام والوقود، يعاني أيضا قطاع الصحة من أزمة في العمالة، وتشمل هذه الأزمة المستشفيات وعيادات الأسرة، ودور رعاية المسنين التي تجاوز عددها العام الماضي (2020) 17600 دار، يقيم فيها حوالي نصف مليون إنسان.

لا يشكل الوضع الحالي بكل تأكيد كارثة أو انهيارا، ولكنه يمثل خطرا حقيقيا على أسس دولة الرفاه التي تشكلت في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. قامت دولة الرفاه على تعاقد غير مكتوب بين الشعوب وحكوماتهم، تقدم الحكومات -المنتخبة - وفق هذا التعاقد حياة مرفهة تؤمن الحد المتوسط من الحياة للغالبية العظمى للمواطنين، حتى لو لم يكونوا قادرين على العمل، ويلتزم المواطن بالمقابل بدفع الضرائب والالتزام القوي بالقانون. هذا التعاقد الاجتماعي استطاع أن يضع دول أوروبا الغربية في مقدمة دول العالم من حيث الثروة والديمقراطية والحريات ومحاسبة الحكام، إضافة لجعلها دولا متقدمة في السلام الاجتماعي، إذ أن الرفاهية تحسن من جودة الحياة وتحقق سلاما اجتماعيا تلقائيا؛ لا يتحقق لمواطني الدول التي يبذل الناس فيها قصارى جهدهم للحصول على الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

إذا فشلت الحكومة البريطانية في حل أزمة نقص العمالة في المجالات الرئيسية مثل الصحة والطعام والوقود، فإن التدافع الحاصل الآن على محطات الوقود قد يصبح جزءا من الحياة اليومية للبريطانيين، في محلات السوبرماركت والمستشفيات والشوارع، وهو الأمر الذي قد يتحول مع الوقت إلى شجارات يومية ونزاعات ستشكل بقعة قاتمة على حالة السلام الاجتماعي الذي يحظى به البريطانيون منذ عقود بفضل "دولة الرفاه".
إذا فشلت الحكومة البريطانية في حل أزمة نقص العمالة في المجالات الرئيسية مثل الصحة والطعام والوقود، فإن التدافع الحاصل الآن على محطات الوقود قد يصبح جزءا من الحياة اليومية للبريطانيين، في محلات السوبرماركت والمستشفيات والشوارع، وهو الأمر الذي قد يتحول مع الوقت إلى شجارات يومية ونزاعات

لم يكن لأزمة العمالة في بريطانيا أن تحدث لولا تصويت غالبية البريطانيين (حوالي 52 في المائة) لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2017. كانت نتيجة التصويت متأثرة بشعارات شعبوية لزعماء سياسيين، أحدهم ترك السياسة بعد "بريكسيت" وصار يجني الملايين من الإعلانات! بينما استفاد قائد حملة الخروج في حزب المحافظين بوريس جونسون من الفوضى السياسية التي خلقتها مفاوضات البريكسيت ليصبح رئيسا للوزراء بأغلبية غير مسبوقة منذ ثمانية عقود، فيما بدأ المواطنون بجني الثمار السيئة لهذا التصويت، سواء كانوا من الذين قالوا "نعم" أو "لا".

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس هو المثال الوحيد على مخاطر الشعبوية، حيث كانت أزمة وباء كورونا مثالا صارخا على هذه المخاطر. تلكأ قادة "شعبويون" مثل دونالد ترامب وبوريس جونسون في التعامل مع الأزمة ما أخّر فترة التعافي الجزئي منها، بينما ظل زعماء آخرون يطرحون شعارات شعبوية عن كون الوباء مؤامرة كما حصل في البرازيل، التي أصبحت بسبب شعارات رئيسها وسلوكه الشعبوي ثالث دولة في العالم من حيث عدد الإصابات والوفيات بسبب فيروس كورونا.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس هو المثال الوحيد على مخاطر الشعبوية، حيث كانت أزمة وباء كورونا مثالا صارخا على هذه المخاطر. تلكأ قادة "شعبويون" مثل دونالد ترامب وبوريس جونسون في التعامل مع الأزمة ما أخّر فترة التعافي الجزئي منها، بينما ظل زعماء آخرون يطرحون شعارات شعبوية

قد يكون لدى الكثيرين - ونحن منهم - مآخذ كثيرة على النظام الدولي والعولمة وحتى الديمقراطية، ولكن هذا النظام الذي استقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح متجذرا في الحياة، ولذلك فإن إصلاحه يجب أن يحصل بالتدريج وليس بالانقلاب عليه تماما وبشكل مفاجئ، لأن هذا سيؤدي إلى اختلالات كبيرة يدفع المواطنون البسطاء ثمنها. ينطبق هذا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وطريقة التعامل مع وباء كورونا، وعلى شعارات شعبوية أخرى تنسف مفهوم الدولة، كما هو الحال مع الرئيس التونسي قيس سعيد على سبيل المثال.

ثمة انتقادات وعلامات استفهام كبيرة على النظام العالمي وإدارة الدول الحديثة، ولكن الإجابة عليها لا يمكن أن تكون "بالشعبوية" التي تمثل خطرا على الدولة وعلى الشعوب على حد سواء!

twitter.com/ferasabuhelal
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع