كتاب عربي 21

طفرة "النظّام" في ذكرى استشهاد الشقاقي!

1300x600
صارت "طفرة" إبراهيم بن يسار النظّام، مضرب مثل في ما سمّاه بعضهم "عجائب علم الكلام الثلاث"، بيد أنّ "طفرة" النظّام تفرّدت بأن ظلّت "طفرته" لم يسبقه إليها أحد، كما جزم الشهرستاني، ولم يوافقه عليها حتى أصحابه المعتزلة، فقال المعتزلي الحاكم الجشمي إنها "محال في عقل كل عاقل". فمضى قول النظّام بالطفرة، كما يقول أبو المظفر الإسفراييني، "مثلا سائرا يُضرب لكل من تكلم بكلام لا حقيقة له، ولا يتقرّر في العقل معناه"، إلى أن استدعاها معاصرون، بوصفه نظرية رائدة في فلسفة ميكانيكا الكم، وهو ما فعله الألماني ماكس ييمر، في كتابه "فلسفة ميكانيكا الكم"، والذي تناول فيه تفسيرات ميكانيكا الكم من منظور تاريخي.

وأيّا كانت المقاربة بين نظرية "الطفرة" للنظّام التي تقول إنه يمكن للجسم أن ينتقل من مكان إلى آخر دون أن يمرّ بالمسافة الفاصلة بينهما، وبين حركة الإلكترونات، فلست خبيرا، ولا من أي وجه، بفيزياء الكوانتم، فإنّه يمكن القول إنّ حركة التاريخ تبدو بطيئة في كثير من الأحيان، والمجتمعات وقواها متكلّسة، بما يحتاج "طفرة" تقفز بها إلى الأمام، أو تقطع بها مسافة بعيدة، تفصلها عن قوى أخرى متقدّمة عليها، أو تضعها في مكان متقدّم من الفعل التاريخي. وهذه "طفرة" أخرى بالمعنى التاريخي والاجتماعي، ولا تحتاج إثباتا من الفيزياء، فإثباتها متحصّل في رجال ساهموا في القفز بمجتمعاتهم الكثير إلى الأمام، وكأنهم انتقلوا بها من حال إلى حال، دون المرور، فيما هو ظاهر، بالتدرّجات الوسيطة، وكأنهم اختفوا في لحظة تاريخية كي يظهروا في أخرى في الوقت نفسه!

لقد كانت النقلة التي ساهم فتحي الشقاقي في إحداثها كبيرة، بالنظر إلى اعتبارين؛ الأوّل حالة التكلّس التي أصابت الفاعلية الكفاحية الفلسطينية، ببعديها الاجتماعي والتنظيمي، والثاني التفوق الهائل للمستعمرة الصهيونية المسماة "إسرائيل". فقد شلّ خروج منظمة التحرير من لبنان في العام 1982 المعنويات الفلسطينية، وبالرغم من عمليات الدفع التي أخذت تتكاثر داخل الأرض المحتلة نحو أشكال مواجهة أكثر استمرارية وتأثيرا من الداخل، فإنها كانت تبدو غير كافية، إلى درجة بروز مصطلح الأسرلة الذي يعبّر عن الخشية من استيعاب المنظومة الاستعمارية للمجتمعات الفلسطينية في فلسطين المحتلة، وتذويبها. وأمّا الحركة الإسلامية الفلسطينية التقليدية، فقد كانت تشهد منذ مطلع الثمانينيات سجالات حول موقعها من الصراع مع الكيان الصهيوني، إلا أنّها لم تكن بالسرعة والجذرية الكافيتين.

ساهمت خطوة الشقاقي النظرية والتنظيمية، في تعظيم الفعاليات التي سبقت الانتفاضة الأولى، وهنا يمكن استحضار عملية حائط البراق عام 1986، بالتشارك بين تنظيم الدكتور الشقاقي، وسرايا الجهاد الممتدة عن تحولات التيار الماوي في حركة فتح نحو الإسلام. ويمكن استحضار الهروب الكبير من سجن غزة المركزي في أيار/ مايو 1987، بقيادة الشهيد مصباح صوري، والذي ظلّ ومجموعته ينفّذون العمليات حتى تشرين الأول/ أكتوبر 1987، أي حتى قبل الانتفاضة الفلسطينية الكبرى بشهرين.

بالتأكيد، كانت مساهمة الشقاقي واحدة من بين مساهمات تَعدّد الفاعلون فيها، وأخذت مسارات متنوعة، ما بين تنظيم الاحتجاجات الشعبية، والعمليات العسكرية، وعمليات الدوريات من خارج الأرض المحتلة، وبترسيخ البنى التنظيمية للحركة الإسلامية الإخوانية، ومدّ أطرها التنظيمية، لتلتقي هذه المساهمات كلها في المصبّ الكبير الذي مثّلته الانتفاضة الأولى.

عملية الدفع والتسريع الأكثر جوهرية، ومن ثمّ الأكثر مساهمة في "الطفرة"، أو الانتقال الكبير، هي في الجهد النظري الذي قدّمه الشقاقي ورفاقه في المراحل الأولى، في السؤال عن موقع الحركة الإسلامية من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعن موقع القضية الفلسطينية برمّتها، لا بالنسبة للحركة الإسلامية الفلسطينية فحسب، بل لعموم الحركة الإسلامية في العالم، وموقعها بالنسبة للإسلام والأمّة. فسقوط القدس في حزيران/ يونيو 1967 طعنة في القلب، مما يجعله أخطر التحديات التي عصفت بالأمة منذ بدء تاريخها الحضاري، مما يهدّد الاستمرار الثقافي التاريخي للعرب، وهي الفكرة التي قدّمها "توفيق الطيب"، في كُتيبه "ما بعد النكبتين"، وبنى عليها الدكتور الشقاقي قفزته ومشروعه إلى الأمام.

لقد ساهم جهد الدكتور الشقاقي في تسريع السجالات الداخلية داخل الجماعة الإخوانية الفلسطينية، حتّى لو عبّرت هذه المساهمة عن نفسها بتمظهر منفصل. صحيح أن تلك السجالات كانت للكثير منها مسارات قائمة بذاتها، سابقة على مساهمة الشقاقي ومزامنة لها، إلا أنّه لا يجوز النظر لها بالكلّية، بمعزل عن مساهمة الشقاقي، والتي يمكن عدّها من هذه الزاوية قفزة كبيرة، بحيث أنه قد يصعب تخيّل المسار الفلسطيني، بتشابكاته النضالية والحركية الإسلامية، دون بروز الشقاقي إلى حيز التسريع والدفع إلى الأمام.

أهمية هذا النوع من الرجال، في الفرادة المركّبة من الرؤية النظرية والفاعلية في الواقع، وإذا كان البعض قد يحقق "طفرته" في حقل من حقول الصراع، كالحقل العسكري مثلا، فإنّ ثمة من يبسط "طفرته" على رقعة الصراع كلّها، وكان الشقاقي من هذا الصنف الثاني، وكانت مساهمته حاسمة.

من الرجال من مساهمتهم حاسمة، ولكنها جزئية، كمساهة ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى إلى موسى، يحذّره من مخطط آل فرعون، لقد أنقذت مساهمته موسى، وبهذا الاعتبار كانت حاسمة، أما مساهمة موسى نفسه، فقد كانت حاسمة في مستوى كلّي، في مستوى صراعه الراهن، وفي مستوى التاريخ برمّته، فقيل له "ثُمَّ جِئتَ عَلى قَدَرٍ يا موسى". والشقاقي كانت لها مساهماته الجزئية، ومساهماته الأوسع في رقعة الصراع الكلّية، فكان كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:

أتى الخلافة إذْ كانت له قَدرا    كما أتَى ربّه موسى على قَدَر

فهؤلاء الرجال هبة ربانية، يخرجون مما يبدو عدما، من اللا متوقع، ليقفزوا بأمّتهم أو مجتمعاتهم كثيرا إلى الأمام، وتبدو الآن المقولة المركزية للشقاقي، والأمّة تتخبط في محاولات الخلاص من ارتكاستها، والحالة الفلسطينية يكسوها الجمود.. في موضع صلاحية للخروج من أزماتنا، فأزمتنا واحدة، وهي التحدّي الوجودي الذي يمثله الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وينعكس على أوضاع أمّتنا كلّها.

twitter.com/sariorabi