حقوق وحريات

قراءة في دوافع إلغاء السيسي العمل بقانون "الطوارئ"

هل يتحسن الوضع الحقوقي في مصر مع إلغاء حالة الطوارئ؟ - جيتي
"ادفنوني بملابس السجن إذا مت في الزنزانة حتى أحاجج بها من ظلمني أمام الله"، كلمات قالها المعتقل السياسي منذ كانون الثاني/ يناير 2019، يحيى حسين عبد الهادي، صباح الاثنين، أمام محكمة جنح مدينة نصر (طوارئ)، التي تحاكمه بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية.

وبعد عدة ساعات من تلك الكلمات؛ شهدت مصر قرارا مثيرا للجدل، أعلنه رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، بإلغاء حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ 2017، بعد 4 سنوات ونصف حكمها في ظل القانون سيئ السمعة، أُهدرت خلالها الكثير من الحقوق والحريات.

 السيسي، قال عبر" فيسبوك": "يسعدني أن نتشارك معا تلك اللحظة التي طالما سعينا لها بالكفاح والعمل الجاد، فقد باتت مصر، بفضل شعبها العظيم ورجالها الأوفياء، واحة للأمن والاستقرار في المنطقة، ومن هنا فقد قررت، ولأول مرة منذ سنوات، إلغاء مد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد".


 ويبدو من قول السيسي "جميع أنحاء البلاد" أن القرار يشمل شبه جزيرة سيناء، لكن المثير أن قراره يأتي بعد 19 يوما من فرضه حظر التجوال بشمال سيناء، وإخلاء بعض الأماكن من السكان، وحظر الإقامة أو الاقتراب أو التردد على أماكن معينة بها، وحظر سير الدراجات ومركبات الدفع الرباعي.

 بعض المختصين والنشطاء والسياسيين ثمنوا القرار، واعتبروه خطوة مهمة في جمهورية السيسي الجديدة، ويدعم الاستثمار في مصر، ويؤكد أن الوضع في سيناء أصبح مستقرا، وقالوا إنه يجب أن يتبعه خطوات أخرى.

 لكن وعلى الجانب الآخر، أكد حقوقيون وسياسيون معارضون للنظام بأنها خطوة لن تفيد مع ترسانة قوانين صنعها النظام، ومع ممارسة قمعية على الأرض منذ 8 سنوات.

 "ترسانة غير الطوارئ"

وفي قراءته لدوافع ودلالات رفع السيسي حالة الطوارئ في عموم مصر، يقول الحقوقي المصري محمد زارع: "القرار في حد ذاته جيد؛ ولكن الكارثة هي وجود منظومة قوانين تحد من الحقوق والحريات، أقرها النظام خلال السنوات السابقة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يلفت إلى "قانون مكافحة الإرهاب الذي يُعطي صلاحيات واسعة للسلطات الأمنية والقضائية للقبض على المصريين ومحاكمتهم، وكذلك قانون الكيانات الإرهابية، الذي يمنح الدولة حق التحفظ على أموال المصريين ويمنعهم من التصرف فيها".

رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، يشير إلى أن "هناك ترسانة قوانين جديدة مقيدة للحقوق والحريات، وأن المسألة ليست قانون الطوارئ فقط"، لافتا إلى جزئية ثانية، وهي أن "معظم الموجودين بالسجون ليسوا بسبب قانون الطوارئ".

وهنا يشير زارع إلى أن "الدولة فرضت قانون الإجراءات الجنائية والذي من خلاله تستطيع السلطات التحفظ على المطلوبين والتحقيق معهم لسنوات طويلة ومفتوحة في العقوبات التي تصل للإعدام بنحو 3 سنوات حبسا احتياطيا".

 ويعتقد أنه "ولذلك فإن عددا كبيرا من المحبوسين لن يستفيدوا من إلغاء حالة الطوارئ؛ والمسألة ليست بإلغاء العمل بالقانون فتتحسن حقوق الإنسان في مصر، والمسألة تحتاج لجهود على كافة المستويات".

 ويجزم بأن "إلغاء حالة الطوارئ شيء جيد لو أن الدولة جادة ولديها حسن نية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان، ولذا عليهم أن يستمعوا ويلغوا كل القوانين المقيدة للحريات بشكل عام وليس الطوارئ فقط، وكذلك الحبس الاحتياطي المفتوح، وغير ذلك يثبت عدم حسن النية مع المعتقلين".

 ويرى الحقوقي المصري أن القرار رسالة للخارج أكثر منها للداخل، موضحا أن "السيسي أوقف حالة الطوارئ بإرادته، ويرى أن هذه مرحلة جديدة بعد استقرار الدولة، وهذا الحديث يتزامن مع احتمالات لقاء السيسي بالرئيس الأمريكي جو بايدن ومشاريع جديدة للاتحاد الأوروبي في مصر".

 

اقرأ أيضا: هكذا تسببت مشروعات السيسي بتفاقم أزمة أسعار السكن

 ويختم بالقول: "المسألة ممارسة على أرض الواقع، وخطة واضحة لحصر القوانين المفترض تعديلها، وأن تتوقف النيابة والمحاكم عن تجديد الحبس الاحتياطي، وهذا ما ستثبته الأيام إذ تعلمنا السنوات الماضية أن نُخضع التجربة على الأرض ولا ننساق لقرار إعلامي كبير".

"مكسب كبير"

على الجانب الآخر، ثمن المحامي بالنقض والحقوقي المصري أسعد هيكل، القرار ووصفه بـ"الجيد"، مضيفا: "وإن كان صدر بشكل مفاجئ، فهي مفاجأة سعيدة؛ لأنها أشعرت وأعطت المصريين والمهتمين بحقوق الإنسان بعض الاطمئنان والأمل بأن مصر تخطو نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان".

 في حديثه لـ"عربي21"، يؤكد أن "فرض الطوارئ كان يضع كثيرا من القيود على حرية الأشخاص، والاجتماعات، والانتقالات، وحالات القبض، ومراقبة الرسائل، وكذلك الصحف ولدرجة تصل لفرض الحراسة وسحب التراخيص".

وعن وضع جزيرة سيناء يقول هيكل: "لها وضع خاص، وهناك مواجهات عسكرية ضد الإرهاب، وهي منطقة يحق للدولة فرض حظر التجول بها ومنع نشر الأخبار إلا على لسان المتحدث العسكري، ولكن هناك تقدم على هذا المسار، كما أن رفع حالة الطوارئ يمتد إلى سيناء".

 "المكاسب كثيرة، منها انفراجة اقتصادية على صعيد السياحة، وحرية السفر، وطمأنينة للقادمين إلى مصر، وللعاملين بالمجال الاقتصادي بأنه ليست هناك قرارات استثنائية والقانون العادي يطبق"، يوضح عضو لجنة الحريات بنقابة المحامين سابقا.

 ويشير إلى "مكاسب كبيرة في الحقوق السياسية والاجتماعية"، مؤكدا أن "القرار سيحسن من مراكز المتهمين المحبوسين على ذمة قضايا سياسية وقضايا الرأي".

 ويضيف: "يترتب على الإلغاء أن كافة القضايا المنظورة أمام محاكم أمن الدولة طوارئ سواء جنايات أو جزئية أو جنح كالتي يحاكم بها المعتقلون يحيى حسين عبد الهادي وعلاء عبد الفتاح ومحمد الباقر، ستتحول من قضايا ومحاكم استثنائية لمحاكم عادية".

 ويجزم بأن "تحول القضايا للقضاء الجنائي الطبيعي العادي، يمنح المتهمين والمدافعين عنهم ضمانات كانت غائبة في المحاكمة بوجود الطوارئ؛ منها أن المتهم أمام قاضيه الطبيعي يمكنه الطعن بالاستئناف أو النقض ويتخذ إجراءات الطعن العادية".

ويلمح إلى "الاتهامات أو الجرائم التي لن تُنظر أمام محاكم أمن الدولة طوارئ منها جرائم الإرهاب، والبلطجة، الاعتداء على الأرض الزراعية، والتظاهر، والتجمهر، وقضايا أمن الدولة من الداخل والخارج، والأسلحة والذخيرة، وستنظر الآن أمام القضاء العادي".

ويوضح أن "العمل كان يجري في ظل قانون الطوارئ على محاكمة المتهم مرة واحدة ولا يبقى أمامه سوى التظلم لرئيس الجمهورية ممثلا بمكتب الحاكم العسكري الذي يصدق على الحكم أو يعدله، والآن ستعود إجراءات التقاضي إلى وضعها وهذا مكسب كبير".

 ويعتبر هيكل أن جزءا من القرار موجه للخارج، و"يعطي طمأنة بأن مصر رغم التموجات والاضطرابات حولها آمنة وأنها تطبق القانون الطبيعي ولديها ضمانات محاكمة طبيعية، وهناك حالة من العمل والاستثمار والاقتصاد تسير بشكل طبيعي دون قوانين استثنائية ما يمنح الثقة للداخل والخارج".

 "نتائج القرار"

 رؤية هيكل أيدها المحامي بالنقض علاء علم الدين، الذي أكد أنه "ستحال جميع القضايا الجديدة ومنذ تاريخ اليوم إلى محاكم الجنايات والجنح العادية حسب نوعها، ويجوز الطعن في أحكامها بالنقض بالنسبة للجنايات، والمعارضة والاستئناف والنقض بالنسبة للجنح".

 وأضاف عبر "فيسبوك": "تستمر محاكم أمن الدولة طوارئ بنظر القضايا المحالة إليها سابقا في ظل إعلان حالة الطوارئ، وذلك حتى تفصل فيها باعتبارها محكمة طوارئ ويتبع في شأن هذه القضايا جميع أحكام الطوارئ من عدم جواز الطعن في أحكامها وخضوعها للتصديق".



 وتنص المادة (19) من قانون الطوارئ (رقم 162 لسنة 1958) على أنه "عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها، وتتابع نظرها وفقا للإجراءات المتبعة أمامها".

 "أما الجرائم التي لا يكون المتهمون فيها قد قدموا إلى المحاكم فتحال إلى المحاكم العادية المختصة وتتبع في شأنها الإجراءات المعمول بها أمامها"، وفق المادة.

 "سجال المصريين"

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي أثار القرار جدلا وسجالا بين المصريين، إذ تساءل السياسي المصري المعارض أحمد رامي الحوفي، بـ"فيسبوك": "ما قيمة الإعلان عن إلغاء قانون الطوارئ وبالسجون عشرات الآلاف من المعتقلين؟".

 وأكد أن "قرار إخلاء سبيل المعتقلين هو التعبير الحقيقي عن درجة من درجات التحسن في الملف الحقوقي، خلاف ذلك فلن يعدو الأمر مجرد دعاية وخطاب للخارج على غرار إطلاق ما أسماه السيسي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان".


 لكن، المحامي خالد المصري، قال إن القرار رائع، و"لن يشعر به ولن يعرف تبعاته ولا نتائجه إلا المعتقلون السياسيون الذين تضرروا بالغ الضرر طول السنوات الماضية من حالة الطوارئ"، مضيفا عبر "فيسبوك": "نحن في انتظار قرارات أخرى بالعفو والإفراج عن المعتقلين".



 السياسي مدحت الزاهد، قال إن "إنهاء حالة الطوارئ خطوة إيجابية طيبة يلزم استكمالها بعدم تصديق الرئيس على الأحكام السابق إصدارها عن هذه المحاكم".

 وأضاف عبر "فيسبوك": "وإصدار قانون بالعفو العام الشامل عن المتهمين في قضايا الرأي، وتعديل قوانين الحبس الاحتياطي، والإجراءات الجنائية، وتأكيد استقلال السلطة القضائية، وتوازن السلطات".


وعن مردود القرار اقتصاديا، قال رئيس قسم الاقتصاد والمالية بكلية الحقوق جامعة القاهرة سيد طه بدوي: "القرار له آثاره الإيجابية التي تنعكس على الاقتصاد المصري وخطط التنمية المستدامة".

 وأضاف عبر "فيسبوك": "هذا القرار رسالة اطمئنان للخارج لجذب الاستثمارات الأجنبية، ورؤوس الأموال، وتنشيط حركة التجارة الخارجية".