كتاب عربي 21

"الجزيرة" بعد 25 عاما.. هل من ولادة جديدة؟!

1300x600
"بيتر آرنت"، اسم لم يتغير فيه شيء في الذاكرة؛ التي لم تزل عوامل المحو تعمل عليها، وتزداد بأسا بتراكم السنوات على القدرات العصبية للمرء. لم تكن الأطباق اللاقطة للبث الفضائي قد انتشرت بعدُ، ولا البث الفضائي العربيّ عموما، ومع هذا فقد حفظنا اسمه، وقناته حينها "CNN"، حتى أننا لقّبنا باسمه رجلاً عندنا في القرية يشاركه شيئا من معالم سحنته، وذلك لأن مصدرنا الوحيد، يومها، لمتابعة حرب الخليج الثانية (1991) كان التلفزيون الأردني، وربما تلفزيون العدوّ الإسرائيلي، ولست أدري الآن أيهما الذي كان الأكثر تعريفا لنا بـ"بيتر آرنت" ونقلا عن "CNN".

في حرب الخليج الثالثة (2003)، باتت الأسماء المحفوظة مألوفة: أحمد منصور، طارق أيوب (استشهد في العدوان على العراق المتمثل في هذه الحرب)، تيسير علوني، عبد العظيم محمد، حتّى وضاح خنفر، المدير السابق للجزيرة وأشهر مدرائها، وكانت حرب العراق هذه، وما تلاها، بوابته إلى إدارة الجزيرة، والفرق هذه المرّة أنّ الأسماء والوجوه عربية، قريبة. والمشهدية أعظم تأثيرا، إذ لا يمكن لمن عاصر هذه الحرب أن ينسى معركتيّ الفلوجة الأولى والثانية، وهذه واحدة من صور الفارق الذي صنعته قناة الجزيرة في الواقع الإعلامي العربي، وتداخلات هذا الفارق العميقة مع التحولات السياسية والثقافية في العالم العربي برمّته، والتي انفجرت في الزلزال العظيم، الذي يدعوه بعضنا "الربيع العربي".
هذه واحدة من صور الفارق الذي صنعته قناة الجزيرة في الواقع الإعلامي العربي، وتداخلات هذا الفارق العميقة مع التحولات السياسية والثقافية في العالم العربي برمّته، والتي انفجرت في الزلزال العظيم، الذي يدعوه بعضنا "الربيع العربي"

ظلّت الجزيرة تساهم في مراكمة التحوّلات، منذ تغطيتها لأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، مرورا بحضورها الكبير في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم في العدوانين على أفغانستان والعراق، وصولا للثورات العربية. بيد أنّ هذه المساهمة مبنية على الالتقاط الذكي للفرصة، وملاحظة الفراغ الكبير في الواقع الإعلامي العربي، الذي من شأنه أن يسمح بمَلئِه للمبادر الأوّل. وليست المبادرة بمجرّدها هي المهمة، وإنما نوع المبادرة، وبكلمة أخرى، نوع الخطاب، فلا بدّ والحالة العربية هي تلك أن يكون الخطاب ملامسا لأعمق مناطق الجرح العربي، وأكثرها سخطا على النظام الرسمي العربي، وهذا يستدعي إبراز المُهمّشين، وإظهار المطاردين المطرودين، وتكثيف حضور المعارضات العربية، بتلويناتها المختلفة، تحت غطاء ذكي، سمّته الجزيرة "الرأي والرأي الآخر". وهكذا، أخذ الناس، ممن لا يملكون أطباقا لاقطة، يتزاورون عند غيرهم ممن يملكون، للفرجة على "الاتجاه المعاكس"، و"أكثر من رأي"، و"بلا حدود".

مبادرة كهذه، كانت تحتاج مناورة سياسية تحميها، فدولة صغيرة تبحث عن خطّ طريق خاصّ بها، بالاستناد للثروة الغازية، وبالأدوات الناعمة، وبما يمكّنها من تحقيق مكانة خاصّة بها، ومن جهة أخرى يحميها من القوى الإقليمة المحيطة (إيران شرقا والسعودية غربا)، لا يمكنها حماية هذه المبادرة بلا تداخل بين المبادرة الإعلامية والمناورات السياسية؛ التي تتقن إدراك التناقضات والاستفادة منها، فالمبادرة الإعلامية لخدمة المناورة السياسية، والمناورة السياسية تحمي بدورها المبادرة الإعلامية.

هذه العلاقة التبادلية بين المبادرة الإعلامية، الممثلة في الجزيرة والمناورة السياسية، أفادت الجميع: قطر، والجزيرة، والجمهور العربي، والإعلام العربي الذي انفجر بعد ذلك؛ في قنوات إخبارية أرادت منافسة الجزيرة والتصدي لخطابها، وقنوات أخرى ذات مرجعيات حزبية ورأسمالية، إلا أنّ لهذه العلاقة أثمانها كذلك، وهي أثمان باهظة على أية حال.
هذه العلاقة التبادلية بين المبادرة الإعلامية، الممثلة في الجزيرة والمناورة السياسية، أفادت الجميع: قطر، والجزيرة، والجمهور العربي، والإعلام العربي الذي انفجر بعد ذلك؛ في قنوات إخبارية أرادت منافسة الجزيرة والتصدي لخطابها، وقنوات أخرى ذات مرجعيات حزبية ورأسمالية، إلا أنّ لهذه العلاقة أثمانها كذلك، وهي أثمان باهظة

المبادرة الإعلامية، التي ساهمت كثيرا في تعزيز الحضور القطري، في أعقد الملفات الإقليمية، بما يجعلها أكثر حيوية ومرونة وفاعلية في بعض المفاصل السياسية العربية الحرجة؛ من دول عربية كبرى ذات ريادة إقليمية.. كان لا بدّ لها (أي المبادرة الإعلامية) أن تحتكم في اللحظات التي تنوء بها المناورة السياسية؛ إلى مواءمات المناورة السياسية، التي تتناقض في بعض أحوالها الأكثر إنهاكا وحرجا مع عناصر قوّة المبادرة الإعلامية، أي تتناقض مع الخطاب الأكثر استجابة للجراح العربية العميقة، كالجرح الفلسطيني، والجرح النازف من خطايا النظام الرسمي العربي. وهذا الثمن دُفِع مبكرا، بإدخال الرواية الصهيونية إلى البيوت العربية، وهو الأمر الذي بنت عليه لاحقا المؤسسات الإعلامية المناوئة للجزيرة، والممولة من الأنظمة التي باتت اليوم في الخندق الصهيوني بالكامل، كما بنى عليه الحضور الصهيوني في مواقع التواصل الاجتماعي، التي خصمت الكثير من الإعلام التلفزيوني التقليدي. ولا يمكن حين استحضار هذا الثمن المبكر إلا التذكير بتزامنه مع التدشين للعلاقات التجارية القطرية الإسرائيلية ذلك الوقت.

إنّ حالة السيولة التي تبعت الثورات العربية، لا بدّ وأن تُدخِل كلا من المبادرة الإعلامية والمناورة السياسية في حالة إرباك، فالتدبير السياسي لدولة صغيرة، لن يتمكن من الإحاطة بدفق التطورات التابعة للحظة الثورات العربية، وخلق المواءمات التي تحفظ الذات من التربّص، وفي الوقت نفسه تحتفظ للمبادرة الإعلامية بعناصر قوتها. العجز عن خلق المواءمات المناسبة سيكرس المبادرة الإعلامية تابعة للمناورة السياسية، وهكذا تتحول ذروة النجاحات إلى عبء قد يستحيل تجاوزه، وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للظرف السياسي العربي العام بما تعلّق به من أوضاع اقتصادية وثقافية واجتماعية، فكذلك بالنسبة للجزيرة.

بهذه المراجعة، يمكن تلخيص أكثر مراحل الجزيرة، صعودا واستقطابا وألقا، وهي لحظة الإطلاق في الفراغ، وثلاثية التغطية لأحداث 11 أيلول/ سبتمبر والانتفاضة الفلسطينية الثانية والحرب على العراق، ثم الثورات العربية. والجزيرة في هذه المراحل كلها، كان نجاحها وصعودها يتمثل في شرطين؛ الأوّل أنها تخاطب الشريحة الأوسع من العرب، أي عامة العرب المتضررين من ثنائية الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، والثاني شرط المهنية في حدود معقولة، وهو الأمر الذي احتفظ للجزيرة بالتفوق، حتى بعد تأسيس قنوات منافسة لها بإمكانيات عالية.
الجزيرة في هذه المراحل كلها، كان نجاحها وصعودها يتمثل في شرطين؛ الأوّل أنها تخاطب الشريحة الأوسع من العرب، أي عامة العرب المتضررين من ثنائية الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، والثاني شرط المهنية في حدود معقولة، وهو الأمر الذي احتفظ للجزيرة بالتفوق، حتى بعد تأسيس قنوات منافسة

إذ ظلت تلك القنوات تخاطب ممولها أكثر مما تخاطب الجمهور العربي، وخدمة أجندة الممول تحتاج ذكاء مهنيّا، يحترم ذكاء المشاهد. فالأكاذيب الفجّة لا تعمّر كثيرا، لا سيما في زمن الدفق الهائل بأدواته التي تستعصي على الحصر، ومن ثمّ تخلّفت منافسات الجزيرة عنها، وظلت الأخيرة تحتفظ بالحصة الأكبر، بالرغم من انتهاء زمن الفراغ، وازدحام الساحة، وتجاوز الإعلام وأدوات الاتصال للبث التلفزيوني التقليدي، والذي قد لا تطول أهميته، بالشكل الحالي، أكثر من عشر سنوات قادمات.

تصعب الولادة الجديدة في ظرف كهذا (أي انتهاء زمن الفراغ، واحتشاد الساحة بما يتجاوز البث التلفزيوني التقليدي، وخضوع المبادرة الإعلامية لمواءمات السياسة)، إلا أنه لا يصعب الابتكار الذي يحافظ على التميز الكفيل باستقطاب جمهور كبير، دون أوهام الاحتفاظ بالمساحة القديمة نفسها.

وهنا تمكن ملاحظة افتقار المشهدية الإعلامية العربية الراهنة لعنصري المهنية والمصداقية، فمنافسو الجزيرة سقطوا في هذا الاختبار، بينما الفردانية الإعلامية التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي، وممكنات شبكة الإنترنت، تقصر عن التزام المهنية المطمئنة للجمهور، أو القدرة الواسعة على التنوع وتقديم الخدمات والإحاطة بالأحداث. وتظل الحاجة لمرجعية إخبارية مهنية قائمة، وهو ما تمكن المبادرة إليه من جديد، ولا يعني ذلك السقوط في فخّ الدعاية الاستقطابية.

التجدد لا يعني الاقتصار على محاولات الاندماج مع العالم التفاعلي في شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بتجديد الخدمة، سواء الإعلامية، بتكريس المرجعية الإخبارية الموثوقة والسبق الصادق والمغامر في الوقت نفسه إلى المعلومة أو موقع الحدث، أم الثقافية، بإعادة إنتاج الأفكار والرموز المؤثّرة، الأكثر تعبيرا عن الجدّة والأصالة والثقل المعرفي. وهنا تمكن ملاحظة الفارق بين ما قدمته الجزيرة سابقا للجمهور العربي من شخصيات سياسية وثقافية وصحفية مؤثّرة، من خلال منصتها، وبرامجها التي كانت مبتكرة بالنسبة لذلك الزمن في الفراغ العربي، وبين القصور عن ذلك الآن.

twitter.com/sariorabi