صحافة دولية

FP: متاحف الغرب مليئة بالآثار المسروقة من بلدانها الأصلية

المتاحف في مختلف البلدان الغربية مليئة بالقطع الأثرية المنهوبة خلال سنوات الاستعمار- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية مقال رأي للكاتب أحمد طويج تحدث فيه عن صفقة إعادة القطع الأثرية إلى العراق التي تعتبر خطوة واعدة ولكنها ليست كافية لضمان إعادة ما نُهب في السابق، إلى أصحابه الأصليين. 

وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن الولايات المتحدة أعلنت عن اعتزامها إعادة أكثر من 17 ألف قطعة أثرية نُهبت من العراق، في إطار صفقة تاريخية بين وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية ووزارة العدل الأمريكية.

ونظرًا لأن المتاحف في مختلف البلدان الغربية مليئة بالقطع الأثرية المنهوبة خلال سنوات الاستعمار والاستغلال والفساد، فإنها تشكل هذه الصفقة سابقة مهمة في الجهود الرامية إلى إنهاء استعمار المتاحف وإعادة الآثار المسروقة إلى بلدانها الأصلية.

تعتبر المجلة هذه الصفقة جزءًا من حملة عالمية للحد من الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية. ولكن القطع الأثرية التي أعيدت إلى العراق قادمة في المقام الأول من مرجعين أمريكيين، هما متحف الكتاب المقدس وجامعة كورنيل. أما القطع الأخرى المنتشرة في مختلف الدول الغربية والتي تم الاستيلاء عليها في عمليات نهب مدعومة من الدولة، وبتأييد من الإمبراطورية البريطانية والألمانية والعثمانية،  فإنه من غير الواضح ما إذا كانت ستُعاد إلى بلدانها الأصلية. ومع أن عودة القطع الأثرية إلى بلدانها الأصلية يمثل خطوة واعدة، إلا أن العالم لا بد أن يدرك أيضا أن هذه الصفقة ليست كافية.


بعبارة أخرى، يحتاج المجتمع الدولي إلى الضغط على المتاحف في جميع أنحاء العالم لمواصلة إعادة الآثار المنهوبة إلى بلدانها الأصلية، خاصة المنظمات العالمية مثل اليونسكو. ويمكن اعتماد الصفقة الأمريكية العراقية نموذجًا لإعادة تقييم طريقة استعادة القطع الأثرية وتصحيح الأخطاء المرتكبة طيلة القرون الماضية.

 

اقرأ أيضا: أموال يمنية بأمريكا تكشف تفاصيل جريمة قبل 300 عام

وأشارت المجلة إلى أن القطع الأثرية العراقية قيّمة بشكل لا يمكن إنكاره. غالبا ما يُشار إلى العراق باعتباره "مهد الحضارة"، بدءا من اختراع الكتابة السومرية في سنة 3200 قبل الميلاد، وصولا إلى مدونة حمورابي لقواعد السلوك التي سجلها حوالي 1750 قبل الميلاد، والتي تعد واحدة من أقدم مدونات القوانين، وقد ساهم العراق في تشكيل العلم والتاريخ والثقافة العالمية.

تركت تلك الحضارات القديمة وراءها قطعًا أثرية لا تقدر بثمن، والكثير منها معروض حاليا في متاحف بعض أكبر دول العالم الغربي إلى جانب كنوز أخرى منهوبة. نُهبت العديد من هذه القطع الأثرية بعد سنة 2003، في أعقاب الفراغ الأمني الذي خلفه انهيار حكم صدام حسين. وبعد سنوات من اليأس والعقوبات الاقتصادية، نهب اللصوص كل ما في وسعهم بدءا من دورات المياه وصولا إلى الكابلات الكهربائية. ولم تكن المتاحف العراقية في مأمن حيث نهب العديد من العراقيين عددًا لا يحصى من القطع الأثرية الثمينة.

على امتداد ثلاثة أيام، نُقلت القطع الأثرية من المتحف الوطني العراقي في بغداد على مرأى ومسمع الجنود البريطانيين والأمريكيين الذين أمروا بحماية وزارة النفط العراقية فقط. وسرعان ما هُرّبت القطع الأثرية خارج البلاد، وعُرضت للبيع في المزادات العالمية مثل دار كريستيز.

وبيعت رموز التراث الثقافي العراقي لهواة جمع الآثار والمتاحف على حد سواء، رغم معرفتهم بأنها منهوبة واحتجاج النشطاء والأكاديميين على المزادات. وما زاد الأمور سوءا، صعود تنظيم الدولة في سنة 2014 وسيطرته على بعض أهم المواقع الأثرية في العراق. 


وانهارت الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، بما في ذلك مدينة نينوى التاريخية العاصمة السابقة للإمبراطورية الآشورية الجديدة. ومن أجل مواصلة تمويل توسعه، لجأ تنظيم الدولة إلى استغلال القطع الأثرية للمدينة التوراتية، التي أثارت اهتمام التوراتيين الأثرياء المقيمين في الولايات المتحدة، مثل الملياردير ستيف غرين مالك سلسلة محلات "هوبي لوبي".

ونُقلت الآثار المسروقة عبر الحدود إلى تركيا. ونظرا لأن التجارة العالمية عادة ما تكون منظمة بشكل جيد، فقد استخدم التجار غير الشرعيين سوق فيسبوك الحر للوصول إلى الجمهور الغربي.  

والآن قررت الولايات المتحدة إعادة هذه الآثار إلى العراق. ومع أن هذا الإنجاز يعد انتصارًا صغيرًا للدول التي تضغط على المؤسسات الغربية لإنهاء استعمارها للآثار، إلا أن إجراءات وزارة العدل الأمريكية لم تكن كافية. فقد رفعت الوزارة دعوى مدنية لمصادرة القطع الأثرية ونجحت في إعادة آلاف القطع، بينما فشلت في استعادة العديد من القطع الأثرية العراقية الأخرى التي وجدت طريقها إلى المتاحف الأمريكية على مدار القرن الماضي.

ماذا عن تمثال أسد بابل المعروض في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، أو غيره من القطع الأثرية المنهوبة من العراق وبقية دول الشرق الأوسط؟ توضح قصة بوابة عشتار في مدينة بابل كيف انتهى المطاف بأجزاء من تاريخ العراق في متاحف الغرب. وهذه البوابة معروضة في متحف بيرغامون في برلين، وهي عبارة عن هيكل أزرق ضخم بناه الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني سنة 575 قبل الميلاد. 


نُقلت بوابة عشتار إلى برلين في خضم أعمال النهب واسعة النطاق في العراق التي بدأت قبل قرن من الغزو الأمريكي للبلاد، تحت مسمى "التنقيب عن الآثار" الذي كان يحظى بقبول علني أكبر. بعد غزو البريطانيين للعراق في سنة 1914، تشكلت المملكة العراقية تحت سيطرة الانتداب البريطاني. 


ومع تبني السياسات الموجودة في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية، سرعان ما تم إقرار القوانين التي تمنح امتيازات لعلماء الآثار الأجانب. وفي سنة 1924، تم تشريع قانون الآثار الذي صاغته عالمة الآثار والكاتبة البريطانية غيرترود بيل، والذي سمح بتصدير القطع الأثرية إلى خارج العراق. وقد استفادت جامعات شيكاغو وأكسفورد وييل وكذلك المتحف البريطاني من هذا القانون عندما غادرت السفن المحملة بالقطع الأثرية البلاد.

وكان علماء الآثار الألمان ينقبون عن الآثار بالفعل في المواقع البابلية منذ سنة 1899، بتمويل من الجمعية الشرقية الألمانية بقيادة عالم الآثار روبرت كولدوي، في الوقت الذي كانت فيه الإدارة العثمانية منشغلة بالحفاظ على ما تبقى من إمبراطوريتها المنهارة.

وقام علماء الآثار الألمان بتهريب القطع الأثرية التي عثروا عليها، بما في ذلك الأواني الفخارية المزخرفة، إلى برلين عن طريق إخفائها في صناديق من الفحم. واكتُشفت بوابة عشتار في سنة 1902، لكن أعمال التنقيب توقفت مؤقتا خلال الحرب العالمية الأولى، ولم تُنقل بوابة عشتار إلى برلين إلا حينما سمحت بريطانيا لألمانيا بتصدير اكتشافاتها في نهاية الحرب خلال سنة 1917.

 

اقرأ أيضا: إيقاف أكبر عملية تهريب للآثار في تاريخ تركيا (صور)

"لم يهتموا بتاريخنا"

حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة استرجاع البوابة لكنها واجهت ردود فعل مماثلة للدول النامية الأخرى التي طالبت باستعادة آثارها، على غرار نيجيريا التي طالبت باستعادة مجموعة بنين برونز، واليونان التي طالبت باستعادة تماثيل إلجين الرخامية، ومصر التي طالبت باسترجاع التمثال النصفي لنفرتيتي. 

واقترح الأكاديميون والمتاحف وحتى بعض العراقيين أن كنوز العراق التاريخية ستكون أكثر أمانا في ألمانيا مقارنة بالعراق الذي مزقته الحرب. وتجدر الإشارة إلى أن موقع بابل الأثري تعرض للتهديد فقط عندما استخدمت القوات الأمريكية والبولندية الموقع التاريخي كقاعدة عسكرية خلال حرب العراق.

ونقلت المجلة عن أبو زينب، وهو أحد المرشدين السياحيين البارزين في الموقع البابلي القديم، قوله: "إنهم لم يهتموا بتاريخنا. ففي كل مرة تهبط فيها طائرة مقاتلة أو تقلع، تتداعى أجزاء من جدران المعالم التاريخية".

وذكرت المجلة أن العديد من المنظمات غير الحكومية أدانت الضرر الذي ألحقه الغزو الأمريكي بالتراث العراقي. ومع أن القوات الأمريكية لم تُتهم بقصف المواقع التاريخية بشكل مباشر، إلا أن تقصيرها في حماية المواقع بعد الغزو سهّل بوضوح عمليات النهب، كما أن انتشار القوات حول مواقع التراث العالمي يعد بمثابة إهمال جسيم.

وعلى الرغم من تمجيد التراث الثقافي العراقي في مختلف أنحاء العالم، إلا أن العراقيين أنفسهم غير قادرين على الاستمتاع بتراث أجدادهم. ففي ظل استمرار فرض قيود صارمة على تأشيرات السفر، يكافح العراقيون الأثرياء حتى للسفر إلى الدول الغربية لرؤية تاريخهم بينما تستمر مؤسسات مثل متحف بيرغامون في الاستفادة منه، حيث يتقاضى المتحف حوالي 14 دولارًا عن كل زيارة.

ونظرا لأن قضية إنهاء الاستعمار في المتاحف قد اكتسبت زخما كبيرا على مدار السنوات القليلة الماضية، فقد كافحت المتاحف الغربية لحفظ ماء وجهها من الاستياء العام المتزايد. فعلى سبيل المثال، نظم المتحف البريطاني محادثات ومعارض في إطار حملة لتغيير التصور القائل إن "كل الآثار المعروضة منهوبة".

في محاولة لتعزيز صورته العامة، ادعى المتحف البريطاني في سنة 2018 أنه أعاد ثمانية قطع أثرية منهوبة إلى العراق. ولكن على عكس تماثيل إلجين الرخامية مثلا، لم تكن هذه القطع جزءا من مجموعة المتحف الخاصة ولم تُعرض هناك إلا بعد أن صادرتها الشرطة من تاجر في لندن.

وكافح المتحف البريطاني في محاولاته الأخرى لإعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى بلدها الأصلي. وعلى نحو مماثل، فشل متحف فيكتوريا وألبرت في لندن في التعامل مع محاولات إنهاء الاستعمار التراثي، حيث قال إنه سيعيد الكنوز الإثيوبية المنهوبة من الحملات البريطانية العنيفة بشرط الاحتفاظ بهذه العناصر في المتحف على سبيل الإعارة.

ومن المعروف أن المتحف البريطاني أجبر نيجيريا في الخمسينيات على شراء جزء صغير من مجموعة منحوتات بنين برونز، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، لإعادتها إلى وطنها الأصلي، وهو أمر يبعث على السخرية لأنهم حصلوا عليها عندما غزت القوات البريطانية مدينة بنين سنة 1897، وقتلت السكان المحليين في إطار حملة عقابية مزعومة. 

ولا تزال الدعوات لإعادة جميع منحوتات بنين برونز قائمة. وفي الشهر الماضي، عرضت نقابة من الفنانين من مدينة بنين التبرع بأعمال فنية للمتحف البريطاني مقابل القطع المنتشرة في جميع أنحاء المؤسسات الغربية، بما في ذلك متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.

وأعادت جامعة كامبريدج الأسبوع الماضي إحدى منحوتات بنين برونز، وهو عبارة عن تمثال صغير لكوكريل. وقال محاسب من مدينة بنين لصحيفة "نيويورك تايمز": "كانت هناك قصص حول هويتنا، وقد أظهرت هذه القطع قوتنا وهويتنا". وينطبق الأمر نفسه على بوابة عشتار وغيرها من القطع الأثرية العراقية. فلا يزال العراق ممزقا بسبب الصراعات الطائفية، ومن شأن التأكيد على سرد ثقافي مشترك من خلال ماض مشترك أن يساعد في إعادة توحيد الأمة المنقسمة.

وفي الوقت الراهن، وبعد أن تستقر الأوضاع نسبيًا في العراق، فإن الترويج للسياحة الثقافية على وجه الخصوص سينهض باقتصاد البلاد. وتمثل صفقة إعادة 17 ألف قطعة من قبل الولايات المتحدة خطوة نحو تحقيق ذلك، ولكن يجب أن تكون مثالًا يحتذى به لبقية المتاحف في جميع أنحاء العالم لاتخاذ إجراءات مماثلة، حتى عندما يتعلق الأمر بالقطع الأثرية "الثمينة".