ملفات وتقارير

ما دلالات تجنيس الرياض رجال دين؟ "الطريقة الإماراتية" حاضرة

الحسيني رجل دين شيعي أدين في بلده لبنان بالتجسس لصالح الاحتلال- حسابه عبر تويتر

قررت السلطات السعودية منح الجنسية لمجموعة من الشخصيات، اعتبرتهم من أصحاب الكفاءة والإبداع في مجالات مختلفة.

 

فبعد قرار منح "الإقامة المميزة" الذي صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وجّه الملك سلمان مؤخرا بتجنيس أصحاب الكفاءات في مجالات مختلفة، منها "العلم الشرعي، والطب، والصناعة والنفط، والذكاء الاصطناعي، وغيرها"، وذلك لرفد خطة المملكة التنموية "2030".

 

وسلّطت وسائل إعلام سعودية وعربية الضوء على تجنيس رجل الدين الشيعي محمد علي الحسيني، رئيس ما يسمى "المجلس العربي الإسلامي"، بالإضافة إلى عضويته في رابطة العالم الإسلامي التابعة للرياض.

 

والحسيني أدين في لبنان سابقا بالتجسس لصالح الاحتلال الإسرائيلي، واعتقل لسنوات، قبل أن يُطلق سراحه ويصبح دائم الظهور عبر الفضائيات السعودية.

 

إلا أن قائمة بأسماء من تم تجنيسهم نشرتها صحف سعودية، أظهرت أن جل رجال الدين الذين مُنحوا الجنسية هم أعضاء في الرابطة ذاتها التي يرأسها وزير العدل السعودي السابق، محمد العيسى.

 

وضمت القائمة الجديدة مفتي عام البوسنة والهرسك السابق مصطفى تسيريتش، ورئيس المجلس الإسكندنافي للعلاقات حسين الداودي، وأمين عام اللجنة الإسلامية المسيحية للحوار محمد نمر السماك، وجميعهم أعضاء في رابطة العالم الإسلامي.

 

 

تصدّر المشهد

منذ وصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى منصبه في منتصف العام 2017، تعزّز الدور الموكول لرابطة العالم الإسلامي، وباتت تتصدر الواجهة الدينية للمملكة بعيدا عن هيئة كبار العلماء.

 

وبرغم تأكيد الرابطة في ميثاق تأسيسها أنها تهدف إلى "توحيد كلمة المسلمين، وإزالة عوامل التفكك المحيقة بالمجتمعات الإسلامية"، إلا أن أمينها العام محمد العيسى دائما ما يهاجم تيارات، أبرزها جماعة الإخوان المسلمين، والجاليات المسلمة في دول الغرب.

 

وأقر العيسى علانية، في مقابلة تلفزيونية، بأن جولاته الخارجية، لا سيما في دول أوروبا، أحد أهدافها هو شيطنة الإخوان لدى الغرب، داعيا أصحاب القرار في الدول إلى اجتثاث رموز الجماعة، أو إجبارهم على الاعتذار علنا، والعمل ضد جماعتهم.

 

 وفي أيلول/ سبتمبر 2019، أيّد العيسى خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي هاجم الإسلام السياسي، داعيا من مؤتمر في باريس إلى "قمعه".

 

وأضاف: "يجب على جميع المسلمين في أوروبا احترام دساتير وقوانين وثقافات البلدان التي يعيشون فيها"، مشدّدا على أنه "يجب عليهم ألّا يقبلوا استيراد الفتاوى والأفكار الأجنبية".

 

اقرأ أيضا: من هو الحسيني الذي جنّسته السعودية؟ أدين بالتخابر مع الاحتلال

 

واجهة للتطبيع

بالتزامن مع الخطوات الإماراتية والبحرينية الأولى للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، كانت رابطة علماء المسلمين التي جنّست السعودية عددا من أعضائها تنفتح على جمعيات يهودية.

 

وشارك العيسى في مؤتمرات مشتركة مع جمعيات يهودية إسرائيلية، أبرزها منتدى افتراضي يدعم إسرائيل بتنظيم من اللجنة اليهودية الأمريكية "AJC"، وبمشاركة وزير جيش الاحتلال بيني غانتس.

 

كما زار معسكر الاعتقال النازي "أوشفيتز- بيركينو"، في بولندا، قائلا إن "التواجد هنا مع أبناء ضحايا الإبادة الجماعية، وأفراد الجالية اليهودية والإسلامية، واجب مقدس وشرف عظيم". 

 

الباحث والمختص في تاريخ دول الخليج، الأكاديمي عبد الله الشمري، قال إن خطوة تجنيس أعضاء في رابطة العالم الإسلامي "تأتي في سياق دعم التيار الصاعد الذي يقوده العيسى، ويسير على خطى واضحة نحو التطبيع".

 

"الطريقة الإماراتية"

الشمري قال في حديث لـ"عربي21" إن تجنيس الشخصيات الإسلامية هذه تشبه ما قامت به الإمارات مع رجال دين، في مقدمتهم عبد الله بن بيّه، الذي بات يترأس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.

 

وتابع بأن الخطوة السعودية يمكن وصفها بـ"خيط لشد وجه النظام المترهل، وأشبه ما يكون بخطوة تجنيس الإمارات لوسيم يوسف، وابن بيه، وفاروق حمادة المستشار الديني بديوان ولي عهد أبوظبي".

 

ولفت إلى أن تجنيس شخصيات دينية يدل على أن "هذه الأنظمة أصبحت لا تثق تمامًا بالمنتج المحلي للدعاة الدينيين، وباتت تستورد منتجات من الخارج، وتوطنهم ليقدموا خطابا دينيّا جديدا".

 

بدوره، قال مدير مركز "الجزيرة العربية" للإعلام، المعارض السعودي محمد العمري، إن ابن سلمان قد يسعى من خلال هذه الخطوة إلى منافسة أبو ظبي في العلماء الذين استقطبتهم، وفي مشروعها "الديانة الإبراهيمية".

 

ولفت في حديث لـ"عربي21" إلى أن ابن سلمان قد يرمي إلى أبعد من ذلك، من خلال مزاحمة مجلس الإفتاء الأوروبي في التأثير على مسلمي الغرب.

 

اقرأ أيضاكيف تحولت رابطة العالم الإسلامي إلى مبشر لـ"التطبيع"؟

 

تهميش "كبار العلماء" و"الجامية"

تصدير "رابطة العالم الإسلامي"، وتجنيس أعضائها، فتح تساؤلات حول سبب تهميش هيئة كبار العلماء مؤخرا، بالإضافة إلى تهميش ما يعرف بـ"التيار الجامي"، الذي يدين بالولاء المطلق للحكومة.


الباحث عبدالله الشمري، قال لـ"عربي21" إن ابن سلمان "يحاول التخلص من تركة الدعوة الوهابية بتياراتها الثلاثة: القتاليّة (داعش)، والسرورية التي تأتي في منطقة الوسط، والجاميّة".

 

ونوّه بأن " الغريب أن عمليات داعش توقفت منذ تولي ابن سلمان. أما السرورية، فابن سلمان أدخل رموزها في السجن، وشن حربًا واسعة عليهم، ولم يتبق أمامه إلا الجامية، وهم في الظاهر لا يمثلون خطرًا عليه؛ كونهم يؤمنون بطاعة آل سعود إيمانًا جازمًا وطاعةً مطلقةً، إلا أنهم أحيانًا يمثلون مصدر إزعاج طفيف لأفكار ابن سلمان الترفيهية الليبرالية نوعًا ما".

 

وأشار إلى حادثة اعتقال الداعية بدر العتيبي، المحسوب على هذا التيار، وإبعاد الأردني أسامة عطايا، وهو من شيوخ التيار أيضا، ممن دعموا علانية قوات خليفة حفتر في ليبيا.

 

وأضاف الشمري أن "الجامية باتت أداة تتحكم بها المخابرات الإماراتية، التي وظفتها في الساحة الليبية دعمًا لحفتر، وفي الساحة اليمنية دعمًا للمجلس الانتقالي، وقد تركوا النمط التقليدي لهم بأنهم جماعة مهتمة بالدعوة إلى العلم وترك السياسة، إلى جماعة لها دور سياسي واضح، ولديها خطاب منحاز للطرف المموّل، وسمعتها الدولية أصبحت سيئة، إذ نسبت تقارير دولية كثيرة جرائم حرب إلى شخصية جامية شاركت في العمليات القتالية في ليبيا، وارتكبت مجازر بحق المدنيين، ومن أبرزهم محمود الورفلي".

 

وخلص إلى أن "خطوة تجنيس أعضاء فريق العيسى، تعد دعمًا لهم، ليتولوا مهام تحسين وجه النظام السعودي من الجانب الديني، وإظهاره بأنه نظام يؤمن بالتسامح الديني، ويتقبل الآخر بصرف النظر عن دينه، ويحارب التعصّبات الدينية".

 

اقرأ أيضا: "الإبراهيمية" دعوة دينية إنسانية أم تسويق مسيس للتطبيع؟

 

مقاربات تاريخية

محمد العُمري، لفت إلى شواهد تاريخية توضح أبعاد هذه الخطوة، إذ قال إنه حينما انقلب الملك فيصل على أخيه سعود في العام 1964، حرّض أخواله من "آل الشيخ"، وكانوا يحتكرون المؤسسة الدينية والتعليمية والقضائية حينها، على مساندته.

 

وأضاف أنه "بعد نجاح الانقلاب، بدأ تيار آل الشيخ يكثر من الإنكار على الملك فيصل، وفي إحدى المرات أرسل الملك رسالة لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ ،وهو محتكر المناصب، يطلب منه اعتماد محكمة في القطيف (ذات غالبية شيعية)، أي يكون القاضي على المذهب الجعفري.. فقلب ابن إبراهيم الرسالة، وكتب عليها (الذي ذبح القط يسلخه)، في إشارة إلى رفضه القرار".

 

وأشار العمري إلى أن رفض ابن إبراهيم هذا دفع الملك فيصل في العام 1971 إلى إنشاء هيئة كبار العلماء؛ بهدف إشراك شريحة علماء من خارج أسرة آل الشيخ، مثل الشيخ عبدالعزيز بن باز وآخرين؛ بهدف تحجيم دور آل الشيخ.


وتابع بأن الحالة اليوم هي أن تجنيس أعضاء "الرابطة" واستقطابهم يهدف إلى دفعهم لإصدار فتاوى تصب في شرعنة التطبيع مع الاحتلال، وتغريب المجتمع لتحقيق طموحات محمد بن سلمان.

 

وحول سبب استقطاب دعاة من الخارج بدلا من الاعتماد على المواطنين، قال العمري إن "الوهابية متجذرة عند الدعاة، لذلك فالحل الجذري التجنيس، مع تطعيمهم ببعض الأسماء الوازنة".

 

وتابع: "لكن هي مدسوسة على الدعوة"، لافتا إلى وجود حالات يتم تنشئتها منذ الصغر على أن تصبح ضابط "على شكل شيخ"، عبر زجهم في المعهد العلمي، ثم كلية الشريعة، قل أن يتم فرزهم إلى الشؤون المعنوية في الجيش ووزارة الداخلية.