أفكَار

السعودية تحذر من "الدعوة والتبليغ".. ما دلالات ذلك ومآلاته؟

ما سر حملة السلطات السعودية على جماعة الدعوة والتبليغ؟ خبراء ومتخصصون يجيبون (فيسبوك)

كان لافتا ومثيرا توجيه وزير الشؤون الإسلامية السعودي، عبد اللطيف آل الشيخ خطباء الجوامع والمساجد التي تُقام فيها صلاة الجمعة في المملكة لتخصيص خطبة الجمعة الفائتة (10/12)، للتحذير من جماعة "الدعوة والتبليغ" تحت ذرائع وعناوين دينية تُدرج الجماعة في إطار الاتجاهات الضالة والمنحرفة عن منهج السلف الصالح.

كما طالب الوزير في توجيهه بضرورة اشتمال الخطبة على المحاور التالية: "1 ـ ذكر أبرز أخطائهم، 2 ـ بيان ضلال الجماعة وانحرافها وخطرها، وأنها بوابة من بوابات الإرهاب، وإن زعموا أنهم خلاف ذلك، 3 ـ بيان أن الانتماء للجماعات الحزبية ومنها "جماعة التبليغ والدعوة" محظور في المملكة العربية السعودية، 4 ـ خطرهم على المجتمع". 

وقد أثار هذا التوجيه ردود فعل ساخطة في أوساط إسلامية واسعة، نظرا لأن جماعة الدعوة والتبليغ، لا تتدخل في الشأن السياسي، ولا تنازع أهل السلطان سلطانهم، وإنما هي جماعة دعوية مسالمة، نذرت نفسها للدعوة إلى الله، وإحياء جهد النبي صلى الله عليه وسلم، وترغيب المسلمين وحثهم على التمسك بدينهم، بالإكثار من عبادة الله وذكره وتعظيم أمره وحكمه، والاجتهاد في الدعوة إلى الله ضمن ترتيب محدد وضعه مؤسس الجماعة وشيوخها. 

تأسست جماعة الدعوة والتبليغ في الهند سنة 1926 على يدي الداعية الهندي الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، وتشير بعض المراجع إلى أن الكاندهلوي أخذته الغيرة على حال كثير من المسلمين في الهند بعد اختلاطهم بالهندوس وأتباع الملل الأخرى، فلم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه، فاهتم بالأمر وأولاه عناية خاصة، وقاده التفكير إلى ضرورة إيجاد طريقة تحفظ على المسلمين دينهم وإسلامهم، فاهتدى إلى طريق الدعوة والتبليغ، بتوجيه نبوي عبر رؤيا منامية وفق مصادر بحثية. 

ومن المعروف أن للجماعة انتشارا واسعا في الهند وباكستان، وغالب الدول العربية والإسلامية، وفي أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا، وسائر دول العالم الأخرى، واعتادت الجماعة على إقامة اجتماعاتها السنوية في مراكزها الكبرى كـ(نظام الدين) في الهند، وكـ (رايوند) في باكستان، التي عادة ما يحضرها مشاركون بأعداد كبيرة تُقدر بمئات الألوف من جنسيات مختلفة.

ووفقا لباحثين فقد وُجهت للجماعة منذ تأسيسها، وطوال مسيرتها الدعوية، انتقادات شديدة، من قبل علماء ودعاة باكستانيين وعرب، كان أشدها انتقادات بعض العلماء والمشايخ السلفيين، الذين هاجموها بقسوة بوصفها جماعة صوفية ماتريدية مبتدعة، لا تهتم بمسائل العقيدة والتوحيد، خاصة توحيد الألوهية، ولا تعتني بتعليم العلم الشرعي ونشره، وتنتشر في خطاباتها ودروسها الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتُكثر في مذاكراتها ومواعظها من تداول الحكايات والقصص الخرافية.

واختلفت آراء ومواقف علماء ودعاة المملكة العربية السعودية بشأن الجماعة، ففي الوقت الذي تداول فيه رواد مواقع التواصل الاجتماعي كلمات مدح وثناء على الجماعة من قبل علماء سعوديين كبار، كالشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد صالح العثيمين، وشيوخ آخرين، اعترض بعضهم بأن ثمة مواقف لاحقة لأولئك العلماء والمشايخ تنتقد الجماعة وتحذر منها، كما كان لبعضهم رأي صريح في معارضة الجماعة والتحذير منها، كالشيخ حمود التويجري في كتابه (القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ).  

لكن ماذا وراء الموقف السعودي الرسمي الأخير الذي يتجه إلى حظر الجماعة، وتوجيه الخطباء للتحذير منها، وبيان خطرها على المجتمع، واعتبارها بابا من أبواب الإرهاب؟ وكيف ستتعامل الجماعة مع ذلك التوجيه والقرار؟ وهل ستلجأ إلى تجميد نشاطاتها في السعودية أم أنها ستواصل ذلك مهما كانت النتائج والمآلات؟

في قراءته لدوافع وأبعاد التوجه السعودي الرسمي الجديد، استغرب الباحث في العلوم الشرعية، وتاريخ الحجاز والجزيرة العربية، سلطان العبدلي "صدور هذا التوجيه بحق جماعة الدعوة والتبليغ التي لا يعرف عنها اشتغالها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، وهي الجماعة التي يُسمح لها بالحركة والتجمع والدعوة حتى داخل أراضي الـ48 الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني". 

 



وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "بعد أن حظرت السلطات السعودية الاتجاهات الفكرية والسياسية الإسلامية، كالإخوان المسلمين، والسلفية السرورية.. جاء الدور لتحظر جماعة الدعوة والتبليغ، وهذا يشير إلى استمرارية السلطات ومواصلتها لسياسة استعداء كافة الجماعات والقوى الإسلامية التي انتهجتها في العهد الجديد بعد تسلم محمد بن سلمان لولاية العهد".

ورأى أن استهداف السلطات السعودية لجماعة الدعوة والتبليغ بشكل صريح ورسمي ومباشر "لا يمكن تفسيره إلا أنه استهداف للحالة الدينية برمتها، ويرمي إلى محاصرة كل النشاطات الدعوية وحظرها خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما سيلفت أنظار الكثيرين إلى معرفة هذه الجماعة ممن لم يسمعوا بها من قبل، وفي الوقت نفسه سيهيج المجتمع السعودي ضد هذه السياسات الاستفزازية".

وفي ذات الإطار قال الأكاديمي السعودي، الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي لـ"عربي21" معلقا على القرار: "باختصار أرى أن هذا القرار يعبر عن توجه رسمي لاستئصال أي تأثير يُذكر الناس بدينهم، أو يجعل الدين محور حياتهم، لأن النظام يرى أن وجود الوعي والسلوك الدينيين، يعيق مشاريعه التطبيعية والإفسادية"، على حد قوله. 

 

                               سعد الغامدي.. أكاديمي سعودي

من جهته قال الكاتب والمحلل السياسي المصري، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، الدكتور كمال حبيب: "على الرغم من أن جماعة الدعوة والتبليغ لا علاقة لها بالسياسة، إلا أن تقديرات السعوديين بوجود أي جماعة إسلامية مهما كانت، فهي في نظرهم تمثل خطرا". 

وتابع: "وذلك لإمكان تحول بعض أعضائها إلى مستويات أعلى تتجاوز مجرد الدعوة، فخبرتهم السابقة مع الجماعة السلفية المحتسبة ـ على سبيل المثال ـ التي لم يكن لها ميول سياسية، أو اهتمام بالمجال الرسمي الديني للدولة في بداياتها، إلا أنها تطورت عبر حركة جهيمان العتيبي إلى مفهوم الاحتساب، ونقد السلطة والعلماء، وقد كانت السلطات تتساهل مع هذه الجماعات مطلع السبعينيات، لكنها مثلت لها فيما بعد تحديا".

وردا على سؤال "عربي21" بخصوص نتائج ومآلات هكذا توجه وقرار، أشار الباحث المصري حبيب إلى أن "السياسة السعودية الحالية تُظهر أن مفهوم الأمن بطبيعته الاستئصالية لدى صناع القرار الجديد في البلاد هو المسيطر حاليا، لذا فإنهم يعتبرون كل الجماعات الإسلامية حتى ذات الطبيعة الدعوية تشكل خطرا على الأمن والمجتمع". 

وأردف: "لا تريد الدولة في توجهها الجديد الرامي إلى التخلص من الإرث الوهابي القديم، أن يبقى أي صوت دعوي آخر إلا صوت المؤسسة الوهابية الرسمية بعد كسر أسنانها، وسيادة لغة جامية تبرر للحاكم، وولي الأمر حتى لو فعل معصية". 

 



وخلص في نهاية حديثه إلى القول: "السلطات السعودية تتجه الآن إلى إعادة ترتيب المجال الديني بقبضة حديدية غاشمة، لا يُسمح معها بوجود أي جماعة دينية إلا تلك التي تبرر ما يفعله ولي الأمر، لذا فإنهم ينظرون إلى جماعة التبليغ بتحركاتها الدعوية، وتواصلها مع الناس مباشرة، أنها تمثل تهديدا في نظر الدولة وقادتها الجدد، متأثرين بذلك بتوجه الإمارات التي تتبع سياسة منع وتعقب واستئصال أي جماعة تحث الناس على الدين، وتذكرهم بتعاليمه وأحكامه وآدابه، حتى لو كانت جماعة الدعوة والتبليغ". 

وللوقوف على رأي جماعة الدعوة والتبليغ حيال هذا التوجه الرسمي السعودي الجديد، وكيف ستتعامل معه في قادم الأيام، وما مدى انعكاسه على الجماعة في مختلف مناطق تواجدها الأخرى، تواصلت "عربي21" مع بعض قياداتها وشيوخها، إلا أنهم امتنعوا عن التعليق على ذلك، مؤكدين أن سياسة الجماعة ومنهجيتها منذ تأسيسها ولغاية اليوم تتجنب الدخول في سجالات ومجادلات مع مخالفيها ومعارضيها، وتؤثر عوضا عن ذلك تركيز جهودها على أعمالها الدعوية والإيمانية والتربوية".