كتاب عربي 21

النزيف البشري والحرب الأخرى

1300x600

لا ترصد المؤسسات العربية الرسمية عن قصد حجم الأعداد البشرية الحقيقية التي تغادر المنطقة بشكل نهائي كل سنة في واحدة من أخطر الكوارث السكانية والاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المنطقة. لكن حتى إذا صدرت دراسات علمية رسمية عن بعض المنظمات مثل جامعة الدول العربية أو بعض الدراسات الإقليمية فإنها تواجَه بلا مبالاة الأنظمة التي لا ترى في هذه الكارثة تهديدا لوجودها في السلطة. 

الأمر الأخطر في هذه الكارثة أنها تضاعفت واشتدت بعد ثورات الشعوب الأخيرة وما أعقباها من حروب وفوضى دفعت بموجات الهجرة إلى أعلى نسبها في تاريخ المنطقة. فحسب موقع صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA عرفت المنطقة العربية هجرة حوالي 40 مليون مهاجر سنة 2019 منهم 9,3 من اللاجئين وهم يشكلون حوالي 10 في المائة من مجموع عدد سكان البلاد العربية.  يمثل هذا المؤشر الرقمي أخطر المؤشرات عن التحولات التي ستعرفها المجتمعات العربية في المستقبل على كل المستويات وخاصة منها الاجتماعي والاقتصادي بما هما العصب المحركّ للأمة وشعوبها. 

الأوطان الطاردة 

كيف تحولت بلاد العرب إلى جحيم لا يطاق؟ وهو جحيم تتساوى فيه الدول الغنية بالدول الفقيرة بل هو جحيم أشدّ في حال السلم منه في حال الحرب. ففي سوريا يهرب الناس لاجئين من جحيم الدمار والقصف والقتل الذي تمارسه مليشيات الأسد ومرتزقة روسيا وإيران لكنهم قد يعودون غدا إلى قراهم ومدنهم يوم تنتهي الحرب. أما في بقية الدول العربية الأخرى التي يهرب منها شبابها وهي في حال السلم كما هو الحال في تونس أو الجزائر أو المغرب فإنهم في الغالب لن يعودوا أبدا إلى أوطانهم.
 
الحرب والبطالة والاستبداد وغياب الحريات وانتشار الفساد وانسداد الأفق والظلم المنتشر في كل مكان.. حوّل البلدان العربية إلى جحيم لا يطاق. لم يعد الأمر مقتصرا على الشباب العاطل وعلى أصحاب الرأي والفكر بل طال الوباء كل طبقات المجتمع بما فيها الطبقات الميسورة التي تسارع بإرسال أبنائها إلى الخارج لأنها تعلم أنّ الطوفان قادم في الطريق وأن مسألة الهروب الكبير مسألة وقت فحسب.

 

إن التهديد الديمغرافي هو اليوم تهديد وجودي للمجتمع العربي نفسه خاصة في طبقاته السفلى وروافده الصغيرة التي تغذي النهر الكبير فهجرة الأدمغة قابلة للتعويض على المدى القريب لأنها طبقات علوية للجسم الاجتماعي أمّا هجرة النخاع الشوكي للمجتمع الذين هم شبابه وقواته العاملة فهو أمر غير قابل للتعويض إلا على المدي البعيد.

 


فالتاجر والطبيب والمهندس والجامعي والقاضي.. صاروا جميعا يبحثون عن ملاذ خارج الوطن لهم وخاصة لأبنائهم بعد أن أتت عصابات الفساد والنهب على كل شيء. أنظر إلى لبنان وتونس وليبيا ومصر والجزائر وسوريا والعراق واليمن والسودان.. كلها صارت أرضا يستحيل فيها العيش بحرية وكرامة وأمن. 

ليس الأمن ذاك المفهوم المدلّس الذي تصوّره السلطة السياسية وتروّج له أبواقها الإعلامية من انتشار للشرطة والحرس والجيش وقوات القمع في كل زاوية ومكان بل الأمن شعور فردي وجماعي بالرضى والأمان. وهو شرط العمران الناسل عن العدل وعن سلطة القانون الذي لا يكون ممكنا في ظل الاستبداد وسلطة الفرد الواحد الحاكم بأمره. بل الأدهى اليوم هو أنّ مفهوم الأمن بمفهومه الاستبدادي صار منعدما مع انفجار معدلات الجريمة والسطو والسرقة وانتشار الرشوة والمخدرات وكل أشكال الانحراف الاجتماعي تحت حراسة قوت الأمن نفسها. 

لم يعد ممكنا في كثير من الدول العربية تصوّر مستقبل آمن بعد أن صارت المجتمعات غابات للوحوش يأكل فيها القويّ الضعيف فيصادر رزقه ويمنع قوته ويغتال كل أحلامه. صارت السلطة في قبضة عصابة من كبار اللصوص كما هو الحال في الجزائر وفي لبنان وفي تونس ومصر.. حيث تملك عائلات بعينها كل ثروات الوطن مستعينة في ذلك بحفنة من الاقطاعيين ولصوص المال العام. وهي العصابات التي تدرك جيدا أنها لن تعمّر طويلا لذا تراها أول من يرسل أبناءها خارج الوطن ليلتحقوا بالثروات المنهوبة التي تنتظرهم هناك.
 
أما بالنسبة للطبقات الوسطى والفقيرة فقد انهارت كل المصاعد الاجتماعية بعد دمار التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وهو الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى الهروب من الوطن بحثا عن أرض آمنة تضمن لهم ولأبنائهم حياة كريمة لا يموت فيها البشر أمام أبواب المصحات الخاصة. 

قرى الأشباح 

قد لا نبالغ في القول إنّ قرى بكاملها فقدت خيرة شبابها خاصة في المناطق البعيدة عن المدن وعن المراكز الحضرية الكبرى. ففي تونس مثلا تكاد مدن الشمال الغربي والوسط والجنوب تفرغ من سكانها بعد موجات الهجرة المتعاقبة التي طالت خاصة القوى العاملة النشطة من الشباب ومن الكفاءات العلمية والحرفية.  كانت هذه الموجات مقتصرة في البداية على الهجرة الداخلية نحو العاصمة مثلا أو الحواضر الكبرى للبحث عن العمل أو للدراسة لكنها تحولت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى هجرة خارجية نحو أوروبا تحديدا سواء كانت هجرة منظمة للدراسة أو العمل أو عبر موجات الهجرة غير النظامية في قوارب الموت مثلا.
 
يلمس الزائر لهذه المدن والقرى خلال فصل الشتاء خاصة أن عدد السكان في تناقص مستمرّ وأن الشباب الذي كان يملأ المقاهي والمعاهد والمدارس قد تناقص بشكل لافت بل إنّ أرباب العمل وأهل الصناعات والفلاحين صاروا يشتكون من ندرة اليد العاملة واختفائها. اضطرت فصول دراسية إلى الإغلاق بسبب غياب التلاميذ لأن نسبة السكان قد انخفضت فلا تكاد تجد أسرة واحدة تحتفظ بكل أبنائها الذين هاجروا وغادروا قراهم ومدنهم ولا يعودون إلا صيفا لزيارة الأهل ولم يبق منهم إلا من لم يستطع إلى الهجرة سبيلا.

 

أدّى الاستبداد والقمع في سوريا إلى هروب ملايين السوريين خارج وطنهم وقادت حالة القمع والفساد السياسي في شمال أفريقيا إلى هجرة مئات الآلاف من الشباب سواء عبر الهجرة الشرعية أو عبر قوارب الموت وهو الأمر الذي قد يتطور مستقبلا إلى موجات هجرة متسارعة تهدد وجود مجتمعات برمتها.

 


مشهد مخيف ومرعب لأنّ تداعياته المستقبلية ستكون كارثية على الجميع فقد أُفرغت المدن والقرى من سكانها ومن قواها العاملة المبدعة دون حرب ودون إطلاق رصاصة واحدة وهو ما يرتقي بهذا الظاهرة إلى مصاف جريمة ضد الإنسانية وضد الأمم والشعوب.
 
لكن في المقابل لا تكاد الأنظمة العربية الرسمية والأبواق الإعلامية المرتبطة بها والنخب الناطقة باسمها تولي الأمر أية أهمية وذلك لثلاثة أسباب رئيسية : أما السبب الأّول فيتمثل في أنّ هذه الظاهرة رغم خطورتها لا تشكل خطرا على بقاء النظام السياسي في الحكم وهو الأمر الوحيد الذي يشغل بال السلطة السياسية. ثانيا ستتخلص الدولة من عبء مسؤولية تشغيل هذه الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل وهو ما سيخفف عنها عبء المسؤولية الاجتماعية. أما السبب الثالث فيتمثل في تحوّل هذه الأعداد المهاجرة إلى مصدر هام للعملة الصعبة لأنها ستقوم بإرسال مبالغ كبيرة إلى أهلهم في الوطن.
 
من سيبقى في وطن لا يجد فيه سريرا في مستشفى أو عملا يحفظ به كرامته ؟ من سيبقى في وطن لا يستطيع فيه التعبير عن رأيه بحرية ؟ من سيبقى في وطن كالسجن إن لم يكن أسوأ من أبشع السجن؟ 

هل من مخرج؟

الجديد اليوم في الحالة العربية هو أنّ الجميع تقريبا يعرف الحلول لكنّه يقف عاجزا عن تنفيذها. أصل الداء في الحالة العربية هو الفساد السياسي الذي فرّخ كل الظواهر المرضيّة بما فيها ظاهرة الهجرة الجماعية الكثيفة لذا فإنه لا يمكن تصوّر إمكانية حلول للظاهرة دون تجاوز مرحلة الفساد السياسي في رأس السلطة السياسية بالبلاد العربية.
 
إذا تواصلت حالة الانسداد السياسي وتمادت مظاهر القمع ومصادرة الحريات بما هي الحارس الرسمي للفساد ولدول العصابات فإن النزيف لن يتوقف بل سيتضاعف أضعافا. لا يوجد اليوم حلّ لكل مظاهر اختلال التوازن العربية إلا برحيل أنظمة الاستبداد الرسمي باعتباره مقدّمة ضرورية لوضع أسس دولة المؤسسات والقانون وكرامة الإنسان.
 
كانت المجتمعات العربية طيلة عقود ضحية كل أنواع التخريب الناجم عن سياسات وخيارات الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة لكنها كانت مرحلة قابلة لإصلاح أمّا اليوم فإن حالة النزيف البشري القويّ سترحل بأجزاء الجسم الاجتماعي كلّه مما يجعل من كل مشاريع الإصلاح أفعالا لاغية.
 
إن التهديد الديمغرافي هو اليوم تهديد وجودي للمجتمع العربي نفسه خاصة في طبقاته السفلى وروافده الصغيرة التي تغذي النهر الكبير فهجرة الأدمغة قابلة للتعويض على المدى القريب لأنها طبقات علوية للجسم الاجتماعي أمّا هجرة النخاع الشوكي للمجتمع الذين هم شبابه وقواته العاملة فهو أمر غير قابل للتعويض إلا على المدي البعيد.

أدّى الاستبداد والقمع في سوريا إلى هروب ملايين السوريين خارج وطنهم وقادت حالة القمع والفساد السياسي في شمال أفريقيا إلى هجرة مئات الآلاف من الشباب سواء عبر الهجرة الشرعية أو عبر قوارب الموت وهو الأمر الذي قد يتطور مستقبلا إلى موجات هجرة متسارعة تهدد وجود مجتمعات برمتها.
 
دون الوصول إلى حالة من الاستقرار السياسي التي يسبقها حتما إحلال سلطة سياسية راشدة ودون معالجة جذور الهروب الجماعي من منطقة صارت طاردة لأبنائها فإن المسألة الديمغرافية ستكون أكبر المخاطر التي ستواجهها المنطقة العربية في المستقبل.