كتب

باحثان يقدمان قراءة في مستقبل الفلسطينيين الديمغرافي

كتاب يقدم توقعات ديموغرافية لعدد الفلسطينيين في العالم بحلول عام 2050 (عربي21)

الكتاب: الفلسطينيون في العالم ..دراسة ديموغرافية
المؤلف: يوسف كرباج وحلا نوفل
الناشر:المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات/2020


أنشأ الفلسطينيون حيث استقروا مجتمعهم الخاص، متفاعلين مع المجتمعات الأخرى. وهذه التفاعلات بين المجتمعات السكانية المختلفة تؤثر بطبيعة الحال في عدم استقرار الوضع الديموغرافي لهم، في ضوء استمرار الحركات السكانية التي تحكمها الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون في دولة فلسطين، والفلسطينيون في إسرائيل، وفي أماكن اللجوء والشتات المختلفة. في هذا الكتاب يتناول الباحثان يوسف كرباج ـ المتخصص في الدراسات الديموغرافية ـ وحلا نوفل ـ أستاذة الديموغرافيا والدراسات السكانية في الجامعة اللبنانية ـ الجوانب الديموغرافية للفلسطينيين في العالم، حيث يستخدم التحليل الديموغرافي كمقياس موضوعي للحقائق الديموغرافية المتعلقة بماضي الفلسطينيين وحاضرهم، ويوفر مسارات علمية للتنبؤ بمستقبلهم الديموغرافي.

وعبر التعرف إلى تيارات الهجرة التي شكلت مجتمعات فلسطينية في المهاجر، واستنادا إلى عدد من المعطيات يحاول الباحثان تقديم توقعات ديموغرافية لعدد الفلسطينيين في العالم بحلول عام 2050. لكن الباحثان يلفتان أيضا إلى أن هذه الدراسة، لم تشمل جميع بلدان العالم التي يقيم فيها فلسطينيون، إنما شملت عددا كبيرا منها يقرب من 23 بلدا: فلسطين، إسرائيل، و5 دول عربية مجاورة، والدول الخليجية، وثلاث دول من أوروبا الغربية، و5 دول من شمال أوروبا، إضافة إلى أمريكا الشمالية ودولتان في أمريكا الجنوبية.

السيناريو الكارثة

بلغ عدد الفلسطينيين في دولة فلسطين نحو 5 ملايين نسمة في عام 2017، أي نحو 38 في المئة من إجمالي عدد الفلسطينيين في العالم، الذي يقدر بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بـ13 مليون نسمة. ولا يمثل هؤلاء أغلبية الفلسطينيين في العالم، لكنهم قد يتحولون إلى ذلك في ضوء دينامياتهم الديمغرافية، وفي حال تحقق حلمهم في العودة. وبذلك تضم فلسطين أكبر عدد من الفلسطينيين في تاريخها منذ النكبة، وهذه ميزة، لكنها ليست أمرا مفروغا منه، إذ إن قوة الشعب الفلسطيني الديمغرافية معطى أساس من أجل الحفاظ عليه. 

في مواجهة هذا الواقع، ثمة سيناريو إسرائيلي يحظى بإجماع الطبقة السياسية والأغلبية العظمى من السكان اليهود الإسرائيليين، يصفه الباحثان بالسيناريو الكارثة، يتمثل بضم جزء كبير من الضفة الغربية. ويوضحان أن هناك مناطق مهمة محط طمع إسرائيلي مثل المستوطنات الرئيسية (معاليه أدوميم، وغوش عتسيون، وإصبع أرئيل). ويتوقعان أن تشهد الأعوام القليلة المقبلة انسحابات من المستوطنات الصغيرة قليلة السكان والنائية وغير المربحة، جنبا إلى جنب مع تعزيز مجموعات أقوى. وربما تضم إسرائيل 40 ـ 50 في المئة من مساحة الضفة بما فيها المنطقة "ج"، حيث الوجود شبه المنعدم للسلطة الفلسطينية. 

 

تضم فلسطين أكبر عدد من الفلسطينيين في تاريخها منذ النكبة، وهذه ميزة لكنها ليست أمرا مفروغا منه، إذ إن قوة الشعب الفلسطيني الديمغرافية معطى أساس من أجل الحفاظ عليه.

 



ويضيفان:" سيبلغ الخطر حدا مؤلما، حيث لن تكون المستوطنات هي التي تشبه جيوبا في أرض أجنبية، بل التجمعات السكانية الفلسطينية هي التي سيبدو بعضها معزولا عن بعض. وستكون التدابير الأمنية (الجدار وتوسيع المستوطنات والطرق الالتفافية) غير كافية على الإطلاق، إذا فقدت مساهمة الديموغرافيا في هذا المجال النزاعي، تتولى الديموغرافيا وظيفة مزدوجة: الذهاب إلى غزو الفراغات وملؤها من خلال تحول مستوطنات وبؤر استيطانية شبحية إلى تجمعات مكتظة بالسكان، وإعطاء مبرر أن الاستيطان وصل إلى نقطة اللاعودة، ولا بد من السماح للأجيال الجديدة الوفيرة المولودة محليا في المستوطنات بالمطالبة بالحق في الأرض". 

ويتوقعان أن تكون السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين عدوانية على نحو متزايد، حيث يستمر الاحتلال والاستيطان. ولئن لم يكن هناك ترحيل معلن للفلسطينيين، فربما يكون هناك ترحيل سلس من خلال جعل حياتهم مستحيلة. لكن الباحثان يعودان للتأكيد أن التاريخ الديموغرافي للعقود الأربعة المقبلة، يجب التعامل معه بكثير من الحذر في ما يخص الاستنتاجات.

على صعيد آخر، يشير الباحثان بخصوص الفلسطينيين في إسرائيل إلى أنه ترحيلهم يبدو أمرا شبه مستحيل، في ضوء الكتلة الديمغرافية الكبيرة الموجودة الآن وفي سياق النمو الديموغرافي المحتوم، لكن يخشى من أن تكون المناطق التي فيها عدد كبير من الفلسطينيين، مثل الجليل والمثلث، خاضعة لشكل من أشكال العزل، يشبه إلى حد بعيد السيطرة المعززة، مثلما حصل في جنوب أفريقيا خلال أيام الفصل العنصري.

خيار الهجرة

انتقالا إلى الأردن، حيث شارف عدد سكانه عتبة العشرة ملايين بحسب تعداد 2015، فقد بلغ عدد الفلسطينيين بحسب التعداد نفسه 634 ألف نسمة فقط، رغم أنهم يقدرون بملايين عدة. ذلك أن هذا الرقم يشمل فقط الفلسطينيين الذين يحملون جواز السفر الفلسطيني (البطاقة الخضراء) والسكان الفلسطينيين المقيمين في الأردن من قطاع غزة، ولا يتضمن الفلسطينيين المقيمين في الأردن الذين يحملون الجنسية الأردنية (النازحون واللاجئون وحملة البطاقة الصفراء). يميل الإسرائيليون لتضخيم عدد الفلسطينيين في الأردن، بحيث يجعلونه يمثل 60 ـ 80 في المئة من عدد السكان، بما يتناسب ورغبتهم بتقديم الأردن كوطن بديل. لكن بحسب كرباج ونوفل، فإنه مع أقصى قدر ممكن من الموضوعية، فإن بالبحث يظهر أن "الفلسطينيين يمثلون عنصرا أساسيا في البلاد، لكنه العنصر الذي لا توجد لديه رغبة في السيطرة على كل شيء". وربما يمكن النظر إلى مسألة اندماج الفلسطينيين في الأردن، باعتبارها فرصة ملائمة للحصول على جنسية محترمة وجواز سفر، يسمح لهم بعدم التعرض للإهانات والإزعاج مثل الفلسطينيين الآخرين في الوطن العربي.

في سوريا، قدر عدد الفلسطينيين المقيمين فيها قبل عام 2011 بنحو 600 ألف نسمة، وهم بذلك يمثلون نسبة مهمة من فلسطينيي الشتات (نحو 10.7 في المئة). وبعد انطلاق الثورة والظروف التي فرضتها تداعياتها، أصبح الفلسطينيون معرضين كغيرهم من المواطنين السوريين للهجرة القسرية داخليا وخارجيا، فضلا عن وقوع آلاف عدة من الضحايا في صفوفهم جراء القتال وقصف المخيمات وحصارها. وتتخوف بعض الأوساط الفلسطينية من أن يتم استغلال سعي الفلسطينيين للهجرة إلى أي دولة أوروبية؛ بحثا عن مكان جديد للاستقرار في دفعهم للتخلي عن حق العودة. أما في لبنان، فقد انخفض الثقل الديموغرافي للفلسطينيين في الوقت الحالي عما كان عليه في عام 1948 من 10 في المئة من السكان إلى 5.5 في المئة. وبعد مرور عقود على وجودهم في لبنان، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون محرومين من حقوقهم في التعليم والطبابة والعمل والتملك تحت غطاء رفض التوطين، بحيث أضحى الخيار الوحيد أمام العديد من الأجيال الجديدة هو خيار الهجرة.

يشير الباحثان إلى أن ثمة ما يثير الدهشة في استضافة العراق لعدد صغير جدا من الفلسطينيين، بالنظر إلى عدد سكانه الكبير وموارده الكثيرة، فحتى ما قبل الحرب الأمريكية على العراق، لم يتجاوز عدد الفلسطينيين فيه أكثر من 34 ألف نسمة، وانخفض هذا الرقم في 2010 إلى عشرة آلاف فلسطيني، وهو ربما أقل من ذلك كثيرا اليوم، بحيث بات اختفاؤهم من هذا البلد محتما على المدى القصير. بينما يحتل الفلسطينيون في دول الخليج العربي أهمية خاصة بالنسبة لدول الشتات، ليس بسبب عددهم، إذ إن وزنهم الديموغرافي ليس كبيرا مقارنة بالبلدان الأخرى من الشتات، لكنه قد يكون ضروريا للإشارة إلى دورهم الاقتصادي، وبدرجات معينة تأثيرهم السياسي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لذلك قد تكون معرفة المزيد عن خصائصهم الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضرورية، وهو ما يبدو متعذرا بسبب ندرة البيانات بهذا الخصوص.

أهمية سياسية ورمزية

في موقع آخر وتحديدا في دول شمال أوروبا، لا يبدو أن الشتات الفلسطيني يشكل رقما كبيرا. نحو 10 آلاف في السويد ومثلها تقريبا في الدنمارك، وأربعة آلاف في النرويج، وبضع عشرات في آيسلندا، وأقل من أربعة آلاف في فنلندا. ويتوقع زيادة عدد هؤلاء الفلسطينيين في المستقبل، وربما تضاعفه بحلول عام 2050 نتيجة النمو الطبيعي والهجرة الوافدة. رغم ذلك، يلفت الباحثان كرباج ونوفل إلى أهمية هذا المجتمع من الناحية السياسية والرمزية بعيدا عن الناحية الديموغرافية، في ظل ارتقاب أن تؤدي هذه الدول دورا مهما على صعيد التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والحضور الفاعل على الصعيدين المالي والبحثي. لذلك؛ يبدو من الضروري أن تتم تعبئة فلسطنيي الشتات في هذه الدول على الرغم من تواضع عددهم. 

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعود الوجود الفلسطيني فيها إلى ما قبل النكبة، فلا تتوافر معطيات دقيقة عن عدد الفلسطينيين فيها، لكن يستشف من التقديرات المتوافرة أن عددهم يصل إلى إلى نحو 310 آلاف نسمة، ويمكن توقع تطور عددهم ليصل إلى 441 ألفا بحلول عام 2050. بينما يتمتع الوزن الديموغرافي للمجتمعات الفلسطينية في بلدان أمريكا اللاتينية بأهمية سياسية ورمزية واضحة، حتى وإن بدا العدد في بعض الأحيان مضخما. فهو بحسب الباحثة البرازيلية سيسيليا بايزا يصل إلى نحو 700 ألف فلسطيني، 350 ألف منهم في تشيلي. لكن بحسب باحثة أخرى هي كريستين ليغران يقدر عددهم في أقصاه بنحو 400 ألف. 

ويرى كرباج ونوفل أنه برغم البعدين الجغرافي والتاريخي اللذين يميزان هؤلاء المهاجرين، فإن لدى دولة فلسطين والمناضلين الفلسطينيين مصلحة كبيرة في الاهتمام بهذا العنصر من الشتات وتسليط الضوء عليه، خصوصا أنه يتمتع بميزة اقتصادية واضحة جدا، إضافة إلى موارده الديموغرافية. كما أن الفلسطينيين في تشيلي تحديدا يمكن أن يشكلوا مختبرا ممتازا لتطبيق تقنيات تهدف إلى فهم أفضل لعدد الفلسطينيين وخصائصهم الاجتماعية والاقتصادية. كما أن اختيار الفلسطينيين في تشيلي يرجع أيضا إلى الشعور القوي بالانتماء للشعب الفلسطيني، الذي بقي قائما على الرغم من بعدهم الجغرافي عن فلسطين ومرور الزمن على هجرتهم.

 

إن 65 في المئة من الفلسطينيين في تشيلي يعرفون أنفسهم بأنهم تشيليون/فلسطينيون، و13 في المئة كفلسطينيين/ تشيليين، و12 في المئة فقط كتشيليين فحسب. ويمثل العدد الكبير للمنظمات الفلسطينية في تشيلي ميزة، فضلا عن انتماء الفلسطينيين إلى الطبقات الأكثر تعليما في المجتمع. ويشكل الحفاظ على منزلتهم الاجتماعية المرتفعة، وتركزهم الجغرافي في أماكن محددة في البلد والمدن ميزة أخرى، تجعل من الممكن التعرف إلى هؤلاء السكان.