تقارير

حنا أبو حنا.. حارس اللغة العربية ومعلم شعراء المقاومة

الشاعر حنا أبو حنا ينتمي إلى جيل روّاد الشعر العربي المقاوم تحت الاحتلال

حين نكتب عن الأعمدة الخمسة لشعر المقاومة تحت الاحتلال، لا بدّ أن نبدأ بمعلمهم حنا أبو حنا، الذي ولد قبلهم وتوفي بعدهم، ونقل لهم التجربة؛ تجربة النهضة الثانية (في كتابه، ثلاثة شعراء، إبراهيم طوقان، عبد الرحيم مجمود، أبو سلمى)، فهو لم يكن المخضرم المستقل والبعيد عن رواد النهضة الثانية ولم يكن القديم الغريب عن رواد النهضة الثالثة للشعر المقاوم تحت الاحتلال.. بل هو الذي حمل الراية وكان الجسر بين الجيلين والنهضتين.

لفت نظري حضورُه القوي في الوثائقي على قناة الجزيرة "أصحاب البلاد"، فكان حاضر الذهن رغم تقدمه في السن، وحريصاً على إيصال رسالته وملتزماً بمواعيده، كما أخبرتني المخرجة روان الضامن.. هذه الرسالة التي كرّس لها حياته، وهي الحفاظ على اللغة العربية والهوية الفلسطينية تحت الاحتلال، حتى أنه كان يقيم الندوات والمهرجانات الشعرية في القرى العربية في فلسطين للحفاظ على وحدة اللغة ودورها الرائد والأساسي للحفاظ على الهوية الفلسطينية والكيان الفلسطيني المتجذر في أرضه.

 

                                 حنا أبو حنا

ومما يدلّ على دوره وريادته وأسبقيته، أن كتاب غسان كنفاني "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال (1948 ـ 1968)" افتتح فصل الشعر فيه بقصيدة لحنا أبو حنا، الذي عرّفه كنفاني بأنه "يُعتبر من الرعيل الطليعي المعلّم، وعلى يديه وبشعره تتلمذ معظم شعراء المقاومة العربية في فلسطين المحتلة".

وبدأ كنفاني بقصيدة أبو حنا "طفل من شعبي" التي كتب في مطلعها، مهداة إلى ذلك الطفل وصديقه، اللذين تعاونا فرفع أحدهما الآخر ليطل على شباك غرفة سجين، وغالَبَ العتمة في الداخل حتى رآني، فحيَّاني ثم قذف في داخل الغرفة بهذه الكلمات، “تخفش منهم.. كن شجاع”! (انظر القصيدة آخر المقال).

فمن هو شاعرنا؟

هو أديبٌ وشاعرٌ وقاصٌّ وباحثٌ فلسطيني، ولد في قرية الرينة قرب مدينة الناصرة في فلسطين المحتلة. ينتمي إلى جيل روّاد الشعر العربي المقاوم تحت الاحتلال.

ولد شاعرنا عام 1928، وتوفي في شباط الماضي 2022، عن عمر يناهز 94 سنة. 

تنقّل بحكم عمل أبيه في دائرة "مساحة فلسطين" بين القدس، ورام الله، وجفنا، وأسدود، وحيفا، والناصرة، ثم العودة إلى قريته الرينة. تعلم في الكُتاب في قرية أسدود، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية "المدرسة الأميرية" في حيفا، ومنها انتقل إلى الناصرة. كان من الطلاب المشاركين في ثورات عام 1936، ثم التحق بمدرسة اللاتين في قريته الرينة مدة من الزمن، انتقل بعدها لينهي دراسته الثانوية في مدرسة المعارف في الناصرة.

حصل أبو حنا، بعد المرحلة الثانوية، على منحة للدراسة في "الكلية العربية" في القدس التي كانت تستقبل الطلاب المتفوقين من مدارس فلسطين الحكومية وحاز على شهادة "الماتريك" Matriculation وإجازة التعليم، ثم حصل على "بعثة" حكومية لمتابعة الدراسة في بريطانيا عام 1947، لكن النكبة حالت دون تحقُّق هذه الفرصة. ونال درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة حيفا.

وفي "الكلية العربية" بدأ أبو حنا ينظم الشعر وينشر قصائده ومقطوعاته النثرية في المجلات الصادرة في القدس وبيروت. وشارك في إعداد برامج الطلبة في إذاعتي الشرق الأدنى والقدس.

بعد النكبة عاد إلى حيفا عام 1950، وعمل في هيئة تحرير صحيفة "الاتحاد" مع توفيق طوبي وإميل حبيبي وجبرا نقولا وإميل توما. شارك في تأسيس مجلة "الغد" ومجلة "الجديد" عام 1951 كملحق لجريدة الاتحاد، وهي مطبوعات ثقافية كانت ممراً إجبارياً لمعظم الشعراء والمثقفين.

اعتقلته سلطات الاحتلال عام 1958، في سجن الرملة. وكان يرسل القصائد والمقالات من المعتقل إلى الصحف التي عمل بها.

ساهم بتأسيس "جوقة الطليعة" في الناصرة (1949) مع الموسيقار ميشيل درملكنيان، وصار يكتب لها الأناشيد والأغاني، وكان عضواً في الهيئة الإدارية لـ"المسرح الناهض"، و"مسرح الميدان" في حيفا. وكان مدير "الكلية الأرثوذكسية العربية" من عام 1974 حتى تقاعده عام 1987، وأصدر مجلة "المواكب" عام 1984، وعمل في "كلية إعداد المعلمين العرب" في حيفا حتى سنة 1995.

نال حنا أبو حنا العديد من الأوسمة والتكريم، فحاز على "وسام القدس للإبداع الشعري" (1991)، و"جائزة فلسطين للسيرة الذاتية" عن سيرته "ظل الغيمة" (1999)، و"جائزة محمود درويش للحرية والإبداع" (2013)، و"جائزة القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية" (2015). كما أصدر بطرس أبو منّة وجوني منصور عام 2005 كتاب "زيتونة الجليل" تكريماً له.

إنتاجه الثقافي

بعد ديوانه الأوّل، "نداء الجرح"، الذي صدر عام 1969، نشر حنّا أبو حنّا ما يزيد على ثلاثين عملاً بين شعر ونثر وأبحاث في السرد والأدب والتعليم. بما فيها الأعمال الكاملة عام 2008.

في الشعر أصدر: 

نداء الجراح، 1969. قصائد من حديقة الصبر، 1988. تجرَّعتُ سُمَّك حتى المناعة، 1990.

وفي الدراسات

روحي على راحتي، ديوان عبد الرحيم محمود. تحقيق وتقديم دار المعلمين الروسية في الناصرة 1994.
رحلة البحث عن التراث، 1994.
الأدب الملحمي.
ديوان الشعر الفلسطيني.

نماذج من شعره

طفل من شعبي
خلف القضبان، من الشباك يطل جبين
كهلال طفل هلّ عليّ
وضاح الإشراق فتي
كالنعنع غض، كالريحان شذاه حنون
خلف القضبان يطل جبين
وتشع تفتش في حلك الدهليز عيون
وترف كأجنحة بيضاء
وتحوم في عزم ومضاء
تتحدى العتمة، تبحث عن آثار سجين
خلف القضبان تشع عيون
عينا طفل لما يتجاوز عشر سنين
يتسلق شباك السجن
ويطل لكي يبحث عني
ويفيض على أفقي الساجي أملاً وحنين

***

وأنا في زاوية الغرفة
أرقبه وفي قلبي لهفة
وتساورني في الأمر ظنون،
هل جاء به عبث وشجون؟
وتطفل طفل في أن يبصر شكل سجين؟
أو أرسل يبلغني أمرا
يتسلق شباكي سرا
كحمامة من يحمل لي بشري وشؤون؟
(فالشعب يحبذ بنضاله
عوناً من فيلق أطفاله
يرسلهم كحمام زاجل
وكتائب تسعى، وتنازل)
ياطير بشباكي، ما تحمل، يا غصن الزيتون؟
وصمت أراقب عينيه
وتشبث قوة كفيه
بضلوع الشباك الأخضر
كمخاطب نسر لا يقهر
وأنا أترقب.. ما سيكون؟
ويوشوش صوت في قلق، هل تبصره؟
هل تبصره؟


فيرد بوشوشة برماً، “لا أبصره
فظلام الغرفة يستره”
ويعود يحدق في عزم
ويسود سكون
وترفرف، تلمع، في حلك الدهليز، عيون
ويوشوشه الصوت الأول،
"ما بالك لا تبصر؟ انزل
انزل وارفعني، سوف أراه أنا..
ثبت قدميك"
لكن ظل على الشباك يطل شجين
يتحدى العتمة، يبحث عن آثار سجين.
تمر على الصمت ثوان
تتألق فيها العينان
ويغرد في فرح صوته،
"أبصرته..
إني أبصرته!


في الزاوية هناك توارى
يجلس ويطارد أفكارا
وعلى الطاولة الصفراء
بعض الصحف، وصحن حساء
ورغيف أسود لم، يؤكل
وسجاير بقيت لم تشعل
وأراه هناك يبتسم
ويلوح بيمناه قل
حيى، فأجبت تحيته
وكسا بالقوة طلعته
وبصوت سحري الإيحاء
منحوت من ماس وضاء
هتفت شفتاه
"اصمد، لا تخشهم أبدا
وتشجع لا ترهب أحدا
اصمد فالنصر لمن صمدا"
وتدفق في الغرفة حوله شلال رنين
شلال أحاسيس هدار
ينصب على قلبي معطار
يتدفق فيه الشعر فنون
وانطلق الطفل كطير عن الشباك
وسكنت تقيدني أفكاري دون حراك
ويعربد في الغرفة حولي شلال رنين
ومشاعر جامحة حولي شتى وشجون
طفل؟


بل هو جيل الفجر
وبشائر ألوية النصر
وربيع يعبق بالزهر
يتحدى أعشاب الشر
ويميس بأردان العطر
في حقل المأساة المر
ويصون الأشواك ليدمي كف الباغين!
طفل من شعبي.. يا مرحى..
طفل؟ بل هو وحي يوحى!
خلف القضبان من الشباك يطل جبين
وأنا شعب، في دهليز الإرهاق سجين
درعي صبري، وكفاحي الصامد عشر سنين
وسلاحي العزم أصول به وحماي حصين
وجموعي تبني وحدتها في السجن عرين
وتصد بعزم قهار كيد العادين
وتطل تشعشع في حللك الدهليز عيون
عينا فجر في مقلته نفخ النسرين
وشرار القيد تحطمه أيد ما حنون
فجر الحرية يشرق في سجني المأفون
يطأ العتمات، يبددها، ويدك سجون
ويشع على أفقي الساجي بأساً ويقين
وهتافاً يدفق في قلبي شلال رنين،
"اصمد، لا تخشهم أبدا
وتشجع لا ترهب أحدا
اصمد، فالنصر لمن صمدا"!

*كاتب شاعر فلسطيني