كتاب عربي 21

من نفس المحبرة!

1300x600
وكأنها كُتبت من نفس المحبرة وبنفس المداد.. يتعلق الأمر ببيانات أعلنت الجزائر من خلالها أولا قطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب جارها الغربي، قبل أن تتلوها مواقف تصعيدية أخرى، ثم أتبعتها بقرار تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا، الجار الشمالي في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وإن اعتبرت الأمر قطعا لأواصر الصداقة مع حكومة مدريد، بل مع رئيسها الحالي بيدرو سانشيز، الذي سبق للرئيس الجزائري أن اعتبره "مفسدا" للعلاقات الطيبة التي تجمع البلدين.

الرد المغربي كان وقتها بيانا للخارجية عبّر عن "أسفه لهذا القرار غير المبرّر تماما"، وأضاف أنه كان "متوقّعا بالنظر إلى منطق التصعيد الذي تم رصده خلال الأسابيع الأخيرة"، وانتهى إلى أن المملكة المغربية "ستظل شريكاً موثوقاً ومخلصاً للشعب الجزائري وستواصل العمل، بكل حكمة ومسؤولية، من أجل تطوير علاقات مغاربية سليمة وبنّاءة".

نفس اللغة تقريبا ردت بها مصادر ديبلوماسية إسبانية على القرار الجزائري بتعليق صداقة البلدين، حيث عبرت عن أن "الحكومة الإسبانية تأسف لإعلان الرئاسة الجزائرية"، وأن إسبانيا تعتبر "الجزائر دولة مجاورة وصديقة وتكرر استعدادها الكامل للاستمرار في الحفاظ على علاقات التعاون الخاصة بين البلدين وتنميتها".

هي مواقف وبيانات وردود تكتب من نفس المحبرة وبنفس المداد، فهذا جانب لا يزال مرتبطا بحقبة الحرب الباردة وتعبيراتها وأوهامها، وذاك جانب يبدو أنه يحسن قراءة المتغيرات الجيوستراتيجية التي تحدث بالعالم وتشهدها بالتبعية ضفتا البحر المتوسط ومنطقتا الساحل والصحراء.
مواقف وبيانات وردود تكتب من نفس المحبرة وبنفس المداد، فهذا جانب لا يزال مرتبطا بحقبة الحرب الباردة وتعبيراتها وأوهامها، وذاك جانب يبدو أنه يحسن قراءة المتغيرات الجيوستراتيجية التي تحدث بالعالم وتشهدها بالتبعية ضفتا البحر المتوسط ومنطقتا الساحل والصحراء

نحتاج للتأكيد بداية بأن الموقف الجزائري بتعليق اتفاقيته للصداقة مع الإسبان قرار سيادي لا شك فيه، ولا حق لغير الجزائريين في التدخل في التعليق عليه لولا أن الأسباب التي ساقتها الرئاسة الجزائرية لم تكن مرتبطة بتدخل ما بالشأن الداخلي أو بمشاكل أخرى ثنائية، حيث استندت في خطوتها على أن "السلطات الإسبانية تعمل على تكريس سياسة الأمر الواقع الاستعماري باستعمال مبررات زائفة.. والتي قدمت الحكومة الإسبانية الحالية من خلالها دعمها الكامل للصيغة غير القانونية وغير المشروعة للحكم الذاتي الداخلي المقترحة من قبل القوة المحتلة"، وأن تلك السلطات "باشرت حملة لتبرير الموقف الذي تبنته إزاء الصحراء، والذي يتنافى مع التزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية.. ومع التزاماتها كقوة مديرة للإقليم، والتي لا تزال تقع على عاتق مملكة إسبانيا إلى غاية إعلان الأمم المتحدة عن استكمال تصفية الاستعمار بالصحراء"، واعتبرت الموقف الإسباني "منافيا للشرعية الدولية..".

تلك كانت المبررات التي ساقتها الجزائر لتبني تصعيدها الأخير ضد إسبانيا، وهو تصعيد كان منتظرا منذ سحب السفير والتلويح بقطع إمدادات الغاز، أو على الأقل بمراجعة العقود في ظل أزمة الطاقة التي يعيش العالم على وقعها بسبب انتهاك روسيا، الحليف الأكبر للجزائر، لـ"الشرعية الدولية" وشنها حربا "استعمارية" على الجار الأوكراني. لم يخدش ذلك الشعورَ الحساس للديبلوماسية الجزائرية وسعيها الحثيث لإرساء مبادئ احترام الشرعية، بل تداعت لاستقبال وزير الخارجية سيرجي لافروف بحفاوة لم يعادلها غير الإعلان عن لقاء "قمة" مرتقب غير محدد التاريخ بين رئيسي البلدين.
المبررات التي ساقتها الجزائر لتبني تصعيدها الأخير ضد إسبانيا، وهو تصعيد كان منتظرا منذ سحب السفير والتلويح بقطع إمدادات الغاز، أو على الأقل بمراجعة العقود في ظل أزمة الطاقة التي يعيش العالم على وقعها بسبب انتهاك روسيا، الحليف الأكبر للجزائر، لـ"الشرعية الدولية" وشنها حربا "استعمارية" على الجار الأوكراني

وإن كان بيان الرئاسة الجزائرية قد حفل بكثير من التعابير غير الديبلوماسية، رغم أنها صارت مألوفة في سيل البلاغات والتصريحات التي يتناوب المسؤولون هناك عن الإعلان عنها ضد الجار الغربي، فإن السؤال الذي يطرح مجددا وبإلحاح: ما دخل الجزائر في نزاع حول أحقية السيادة على إقليم الصحراء بين الرباط وجبهة البوليساريو؟ وكيف لقصر المرادية أن يربط علاقات بلده مع الدول الأخرى بمواقفها المعلنة من هذا الصراع؟ فالمعلوم أن الحق في "المقايضة" بالمواقف في هذا الشأن جائز لطرفي الصراع دونا عن غيرهما، وإن كانت الجزائر طرفا فلتعلنه أمام الملأ، ولتُنه التخفي وراء يافطة المراقب المشغول بالشرعية الدولية وتطبيقها على أرض الصحراء دونا عن غيرها.

لقد بدا واضحا من تزامن انتهاء الجلسة البرلمانية التي ظهر فيها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مدافعا عن قراره القاضي بالاعتراف باقتراح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية النزاع" كما ورد في رسالته للعاهل المغربي في آذار/ مارس الماضي، وقرار الرئاسة الجزائرية بالتصعيد في وجه مدريد؛ كيف أن الجزائر طرف أصيل ووحيد في المواجهة مع المغرب، وأن جبهة البوليساريو مجرد أداة، وهو واقع ما اختلف عليه اثنان منذ عقود لولا النفي الجزائري المستمر.

ويبدو أن فشل استراتيجية الضغط الحزبي على رئيس حكومة مدريد أخرج الجزائر من تدبير الصراع في الخفاء إلى المبادرة العلنية، وكشف ما تبقى لها من أوراق. صحيح أن موقف سانشير لا يحظى، كما بيّنته البلاغات والجلسات البرلمانية، بدعم حزبي باستثناء الحزب الاشتراكي. لكن السؤال يبقى مطروحا حول المانع من تقدم الأحزاب الإسبانية المعارضة وتلك المشاركة في الحكومة، التي لا يروقها الموقف الجديد، من تقديم طلب نزع ثقة يمكنها من تشكيل حكومة جديدة تستجيب مع مبادئها المعلنة في دعم مقترح تقرير المصير.
يبدو أن فشل استراتيجية الضغط الحزبي على رئيس حكومة مدريد أخرج الجزائر من تدبير الصراع في الخفاء إلى المبادرة العلنية، وكشف ما تبقى لها من أوراق. صحيح أن موقف سانشير لا يحظى، كما بيّنته البلاغات والجلسات البرلمانية، بدعم حزبي باستثناء الحزب الاشتراكي

يعرف الجميع في إسبانيا وغيرها أن موضوع الصحراء يكاد يكون محسوما، وأن الاستمرار في اجترار نفس الأسطوانة المشروخة مكلف على مستوى التدبير الحكومي. لأجل ذلك، كُلفت الأبواق والمنابر بتصريف ما يسمى بالمواقف المبدئية رفعا للحرج، في وقت يعلم فيه الجميع عدم جدوى الموضوع. ذاك بالضبط ما فعلته نفس الأبواق والأحزاب وهي تزايد على حفاوة الاستقبال الذي حظي به أمير دولة قطر قبل أسابيع، علما أن الزيارة انتهت إلى توقيع اتفاقيات في الطاقة والاستثمار تشكل قبلة حياة لا يمكن للاقتصاد الإسباني أن يحيا دونها.

اليوم، يبدو أن التعويل الجزائري على أن "المطلوب من إسبانيا مراجعة نفسها وتطبيق القانون الدولي في قضية الصحراء"، كما جاء على لسان الرئيس الجزائري في حوار صحفي، رد عليه وزير خارجية بإسبانيا بعدم الرغبة في الدخول في "جدال عقيم"، قد فشل ولم يعد من مجال للتعويل عليه.

واقع الحال يقول إن المغرب، "القوة المحتلة" في مفردات البيان الجزائري، أصبح في موقع مريح يراقب فيه هذا الصراع الإسباني الجزائري، بعد أن تمكن من تصدير "أزمته" في العلاقة مع إسبانيا وبعض من دول الاتحاد الأوروبي إلى الجار الشرقي، الذي يجد نفسه اليوم في مواجهة صريحة مع مدريد وخلفها دول الاتحاد الأوروبي، في وقت متشنج تحمل فيه المواقف المعلنة ما لا تحتمل في أغلب الأحيان. هذا التحول في المواقع يعتبر في حد ذاته نصرا جيوسياسيا كبيرا لا بد أن تكون له تداعياته المستقبلية في توجيه بوصلة التصعيد ووجهته.

تشير اتفاقية الصداقة الجزائرية الإسبانية الموقعة في العام 2002، بعد اتفاقية مماثلة مع المغرب وقعت عام 1991، إلى عدم جواز التدخل في الشأن الداخلي للبلدين. ما تقدم عليه السلطات الجزائرية اليوم انتهاك لتلك البنود بدعمها السياسي الواضح لطرف حزبي ضد آخر، باستخدام سلاح وقف المعاملات التجارية والتهديد بقطع إمدادات الغاز. الموقف الحكومي الإسباني كان "ودودا" في الحالة الأولى، حيث أبدى الأسف ككل صديق يقاطعه نديم. لكن المساس بالمبادلات التجارية لا يمكن حله، كما جاء على لسان وزير خارجيتها وبعض من المسؤولين القطاعيين، إلا "برد حازم وبناء" ولجوء إلى المحاكم الدولية، وما سيترتب عنه من تداعيات مالية كتعويضات محتملة أو إساءة لسمعة الجزائر في الأسواق الدولية.
عملت الجزائر منذ عقود على رفع كلفة احتفاظ المغرب بصحرائه، وصمد الأخير وتحملها. واليوم، صار احتفاظ الجزائر بمواقفها القديمة من المسألة أكثر كلفة ليس على المستوى المالي فقط، بل على مستوى علاقاتها الدولية ومصداقيتها الاقتصادية وثقة الشركاء

لقد عملت الجزائر منذ عقود على رفع كلفة احتفاظ المغرب بصحرائه، وصمد الأخير وتحملها. واليوم، صار احتفاظ الجزائر بمواقفها القديمة من المسألة أكثر كلفة ليس على المستوى المالي فقط، بل على مستوى علاقاتها الدولية ومصداقيتها الاقتصادية وثقة الشركاء. إسبانيا مستمرة حتى اليوم في موقفها الجديد من قضية الصحراء، ودول الإيكواس صادقت على اتفاقية مرور أنبوب الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر المغرب وأراضيها، وترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا في جنوب المملكة في طريقه الصحيح. أما القنصليات في الصحراء فافتتاحها مسلسل متواصل لا يتوقف، ومعها مناورات الأسد الأفريقي التي تجمع المغرب والولايات المتحدة ودول أخرى كرّست مجال المناورات شاملا لمنطقة "المحبس" في الصحراء للمرة الثانية تواليا.

اعتماد سياسة "أنا أخسر وأنت تخسر، لكن لأنك تخسر بسببي، فأنا رابح بشكل من الأشكال" تكريس للعزلة الدولية، بما تمثله من كلفة كبيرة لمن يصر على العمل به وتطبيقه بتشنج وعنهجية لم يعد التعاون الدولي يسمح بهما.