سياسة دولية

ماكرون أمام معضلة الحكومة.. 3 سيناريوهات منها حل البرلمان

استقبل ماكرون قادة الأحزاب الفائزة للتشاور معهم بخصوص المرحلة المقبلة مستبعدا تشكيل حكومة وحدة وطنية- جيتي

دخلت فرنسا مرحلة عدم اليقين بعدما خسر تحالف الأحزاب الداعمة للرئيس إيمانويل ماكرون، أغلبيته البرلمانية، واضطراره للتحالف مع أحزاب المعارضة لتشكيل الحكومة، أو المضي في حكومة أقلية قد تنتهي إلى حل البرلمان.

وإرهاصات هذا الوضع الضبابي لم تكن مفاجأة للكثير من المراقبين، بالنظر إلى نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت قبل شهرين، وأبرزت صعودا قويا لليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، وأيضا لليسار الراديكالي بقيادة جون لوك ميلونشون، الذي حلّ ثالثا بفارق ضئيل عن لوبان.

بينما لم يفز ماكرون، في الدور الأول للرئاسيات سوى بنحو 28 بالمئة من الأصوات، أي أقل من ثلث الأصوات، لذلك فليس من المستغرب أن لا يحصل تحالفه على الأغلبية المتمثلة في 289 مقعدا.

ونتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة لن تكون لها تأثيرات سلبية على إصلاحات الرئيس ماكرون فقط، بل ستثير قلق شركاء فرنسا في الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا.

فكلٌ من تحالف اليسار وأقصى اليمين، ورغم تناقضهم الأيديولوجي، إلا أنهم يعارضون إصلاحات ماكرون، وليسوا متحمسين لعلاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي، بل متهمون بقربهم من موسكو.

فتحالف اليسار (131 نائبا من إجمالي 577) واليمين المتطرف (89 نائبا) يشكلان كتلتين كبيرتين بإمكانهما عرقلة إصلاحات ماكرون، خلال الخمس سنوات المقبلة، ما قد يدخل البلاد في أزمات سياسية.

فمن الصعب على ماكرون، أن يتحالف مع ميلونشون أو لوبان، من أجل تشكيل حكومة ائتلافية نظرا للتباين في العديد من الملفات الداخلية وحتى الدولية.

ويمثل التحالف مع حزب "الجمهوريون" الذي أسسه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي (يمين وسط) أحد الخيارات الأقل سوءا لماكرون لتفادي التحالف مع اليساري الراديكالي ميلونشون، أو اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان.

أكبر الرابحين

في الانتخابات البرلمانية التي جرت في دورتين بين 12 و19 حزيران/ يونيو الجاري، كان هناك رابحان وخاسران، لكن اليمين المتطرف كان أكبر الرابحين، و"الجمهوريون" كان الخاسر الأكبر. فاليمين المتطرف، ممثلا في حزب الجبهة الوطنية بقيادة لوبان، ضاعف عدد مقاعده في البرلمان أكثر من 11 ضعفا، وقفز من 8 مقاعد فقط في 2017، إلى 89 مقعدا في 2022.

وحقق حزب لوبان هذه النتيجة المفاجئة التي لم تتمكن نتائج سبر الآراء من رصدها، لعدة أسباب، أبرزها استمرار تصاعد اليمين المتطرف في فرنسا وأوروبا إجمالا.

ولكن أهم سبب هو ذلك الذي تحدث عنه ميلونشون، الذي اتهم حزب ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) "بتمكين أقصى اليمين، من خلال رفض إعطاء توجيهات واضحة في المقاعد، حيث كان اليسار يتنافس وجها لوجه مع مارين لوبان".

فحزب لوبان حصل على دعم غير مباشر من حزب ماكرون، من خلال اتخاذه الحياد في الدور الثاني، بالمقاعد التي تنافس عليها مرشحو تحالف اليسار ضد مرشحي اليمين المتطرف.

وهذا ما وصفه ميلونشون بالفشل الأخلاقي لـ"الماكرونية"، إلا أن زعيم اليسار الراديكالي هو ذاته لم يعط توجيهات لأنصاره للتصويت لماكرون في الدور الثاني من الرئاسيات الأخيرة، واكتفى بالتأكيد أن لوبان لن تحصل على صوت واحد منه، ما يعني ضمنا عدم معارضته تصويت أنصاره لماكرون.

ورغم هذا الدعم الضمني، إلا أن ميلونشون لم ينل جائزته من الحزب الحاكم، الذي فضل أنصاره منح أصواتهم لليمين المتطرف، وهذا مؤشر خطير على قدرة لوبان على استقطاب أصوات يمين الوسط.

 

اقرأ أيضا: ماكرون يجدد ثقته ببورن ويكلفها بتشكيل حكومة بحلول يوليو

الخاسر الأكبر

يخطئ من يظن أن حزب ماكرون، هو الخاسر الأكبر في الانتخابات التشريعية الأخيرة، رغم تضييعه للأغلبية المطلقة في البرلمان، وتراجعه من 350 مقعدا (60.65 بالمئة) في 2017، إلى 245 مقعدا (42.46 بالمئة) في 2022، بخسارة 105 مقاعد كاملة.

إلا أن تحالف ماكرون (معا)، حافظ على المرتبة الأولى بفارق كبير عن أقرب منافسيه (110 مقاعد فارق عن تحالف اليسار)، ما يتيح له قيادة أي ائتلاف حكومي مقبل، وهو ما لا يجعله الخاسر الأكبر، رغم مرارة فقدان الأغلبية البرلمانية.

لذلك فالخاسر الأكبر في هذه الانتخابات هو حزب "الجمهوريون" الذي كان يتزعم المعارضة في البرلمان السابق، قبل أن يتقهقر من المرتبة الثانية إلى الرابعة في انتخابات 2022، بعد أن تجاوزه تحالف اليسار واليمين المتطرف.

ففي برلمانيات 2017، حصل حزب "الجمهوريون" على 112 مقعدا (19.41 بالمئة)، بفارق كبير عن الحزب الاشتراكي (30 مقعدا)، لكنه في 2022، خسر 51 مقعدا، ولم يحصل سوى على 61 مقعدا (10.57 بالمئة).

لكن "الجمهوريون" بإمكانه العودة إلى واجهة الأحداث إذا شارك في حكومة ائتلافية مع تحالف ماكرون، لقطع الطريق أمام أي تحالف محتمل مع تحالف اليسار أو اليمين المتطرف.

تحالف الضرورة

في سابقة هي الأولى من نوعها في البلاد، تمكنت أحزاب اليسار من التحالف خلف ميلونشون، مؤسس حزب "فرنسا الأبية"، متجاوزة خلافاتها، بعد صدمة الرئاسيات الأخيرة، التي لم يحصل أي مرشح يساري (باستثناء ميلونشون) على نسبة تفوق 2 بالمئة، بمن فيهم آن هيدالغو (1.9 بالمئة)، مرشحة الحزب الاشتراكي الذي حكم البلاد في أكثر من دورة.

لم يكن من خيار لدى الحزب الاشتراكي (يسار وسط) والحزب الشيوعي، وحزب الخضر، لتفادي دخول عالم الأحزاب المجهرية، سوى الالتفاف حول ميلونشون، الذي حصد أكثر من 20 بالمئة من أصوات الناخبين في الدور الأول لرئاسيات نيسان/ أبريل الماضي.

كانت معركة مصيرية لأحزاب اليسار، وعلى رأسهم الحزب الاشتراكي العريق، الذي توالت نكساته منذ انتهاء ولاية زعيمه الرئاسية فرانسوا هولاند (2012-2017).

استطاع ميلونشون، تشكيل تحالف اليسار من الأحزاب الأربعة (فرنسا الأبية، الاشتراكي، الشيوعي، الخضر) تحت اسم "الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد".

وتمكن ليس فقط من تجاوز حزب مارين لوبان، التي هزمته في الرئاسيات، بل إلحاق هزيمة تاريخية بالديغوليين (نسبة للرئيس شارل ديغول) ممثلين في حزب "الجمهوريون"، الذي فقد الكثير من بريقه بعد رحيل مؤسسه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وحقق تحالف اليسار 131 مقعدا (نحو 22.7 بالمئة) في برلمانيات 2022، بينما كان مجموع ما حصلت عليه أحزابه متفرقة في 2017، لا يتجاوز 58 مقعدا (الاشتراكي 30 مقعدا، فرنسا الأبية 17 مقعدا، الشيوعي 10 مقاعد، الخضر مقعد واحد).

فصعود تحالف اليسار بـ 73 مقعدا، إلى جانب القفزة النوعية لليمين المتطرف، حرم تحالف ماكرون من الحصول على الأغلبية المطلقة التي كان يفصله عنها 44 مقعدا.

خيارات ماكرون

لا يبدو ماكرون مقتنعا أن تحالف اليسار واليمين المتطرف من حرماه من السيطرة على البرلمان وتشكيل حكومته لتطبيق إصلاحاته، بل يعتقد أن نسبة الامتناع عن التصويت القياسية وراء تراجع تحالفه بعدما بلغت 54 بالمئة.

إلا أن تشريعيات 2017، شهدت هي الأخرى نسبة امتناع كبيرة عن التصويت بلغت أكثر من 51 بالمئة، ومع ذلك فاز تحالف ماكرون بأكثر من 60 بالمئة من المقاعد، ما يجعل هذا المبرر غير مقنع، خاصة أن معظم الأحزاب تضررت بنسب متفاوتة.

لكن ما يجمع عليه أغلب المتابعين للشأن الفرنسي، أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية حتى لدى الطبقات المتوسطة، وراء هذا الامتناع القياسي عن التصويت، وما احتجاجات السترات الصفراء عنا ببعيد.

هذا الواقع، يجبر ماكرون على التكيف معه، لذلك قام باستقبال قادة الأحزاب الفائزة للتشاور معهم بخصوص المرحلة المقبلة، مستبعدا تشكيل حكومة وحدة وطنية، ما يعني أنه سيمضي نحو حكومة أقلية كما توقعت لوبان.

والسيناريو الآخر، الذي يروج له النائب اليميني السابق جان فرنسوا كوبيه، يتمثل في تحالف ماكرون مع حزب الجمهوريون، لـ"مواجهة صعود المتطرفين"، في إشارة إلى ميلونشون ولوبان.

وأما السيناريو الثالث، أن يقوم الرئيس بحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة في غضون 20 إلى 40 يوما، وهذا ما يتيحه له الدستور في مادته 12.

وهذه السيناريوهات الثلاثة مرتبطة بمدى تفاعل أحزاب المعارضة الرئيسية مع عملية تشكيل الحكومة والملفات الجدلية الساخنة التي سيناقشها البرلمان الجديد.