أفكَار

كيف انعكس تراجع "الإسلام السياسي" على تحالفات المنطقة؟

كيف تعاملت القوى الإقليمية والدولية مع تراجع حركات الإسلام السياسي؟ خبراء يجيبون..

كان من نتائج إخفاق ثورات الربيع العربي، تراجع حضور جماعات "الإسلام السياسي" إلى الحد الذي باتت تعيش فيه على هامش الأحداث المحلية والإقليمية، حتى أنها خرجت من دائرة اهتمام غالبية الأنظمة السياسية في المنطقة كورقة يمكن توظيفها في إدارة الشؤون السياسية الداخلية والخارجية، وكلاعب سياسي قادر على تحريك الشارع وضبط مساراته، والتحكم فيها. 

تراجع حضور تلك الحركات في الشأن السياسي، وإبعادها شبه الكامل عن مواقع الفاعلية والتأثير، وتصنيفها كمنظمات إرهابية، انعكس على جملة التحالفات السياسية في المنطقة، وكان أحد العوامل الهامة في تغيير مواقف رسمية، بعد تمكن قوى الثورة المضادة من سحق وإجهاض كل أشكال وصور ثورات الربيع العربي. 

تظهر تلك التحولات بجلاء في الموقف التركي الرسمي، الذي أيّد ثورات الربيع العربي، وانتقد بشدة سياسات القمع والاضطهاد السياسي، واحتضن قوى المعارضة لتلك الأنظمة بعد لجوئها إلى تركيا، لكنه وبعد طي صفحة الربيع العربي بالكامل بدأت تركيا بمطالبة قيادة المعارضة على أراضيها إما بالمغادرة أو الامتناع عن مهاجمة تلك الأنظمة السياسية، ودشنت صفحة جديدة في علاقاتها مع تلك الدول بعد سنوات من القطيعة وتوتر العلاقات. 

في قراءته للمشهد بعد إجهاض ثورات الربيع العربي وانعكاسه على الحركات الإسلامية السياسية، رأى الكاتب والباحث المغربي في العلوم السياسية، الدكتور عبد الرحمن الشعيري منظور أن "الحركات الإسلامية لم تكن ورقة ضاغطة في يوم من الأيام في المعادلات والتحالفات السياسية في المنطقة العربية، بقدر ما كانت تُوظف من قبل بعض الأنظمة لتلميع صورتها الديمقراطية أو لتبرير سياساتها السلطوية أمام الغرب". 

 



وأضاف: "لذا فإنه لم يكن الحديث عن تأثير للحركة الإسلامية في التوازنات السياسية بالمنطقة العربية من باب التجربة الناجحة في الحكم، بل من تجاربها في الفعل السياسي والمجتمعي، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي والإسهام القوي في تشكيل المزاج العام العربي الرافض لسياسات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وضرب الهوية الإسلامية للمنطقة". 

وواصل الشعيري حديثه لـ"عربي21" بالقول: "لذا فإنه يمكن القول بأن ورقة الحركات الإسلامية لم تعد مغرية للتوظيف في الابتزاز والضغط المتبادل بين دول المنطقة كما كان الحال عليه إبّان الحرب الباردة (تجربة الإخوان المسلمين مع السعودية في العهد الناصري) نظرا لإغلاق المجال العام في معظم الدول العربية وتصاعد سياسات الاستئصال ضد الحركات الإسلامية وكل الفاعلين السياسيين المطالبين بالتغيير". 

وعن انعكاس إجهاض ثورات الربيع العربي على الحركات الإسلامية، لفت الباحث المغربي في العلوم السياسية إلى أن "النتائج الدراماتيكية للثوارت المضادة، خاصة على مستوى قمع الحريات السياسية، وتصحر المجال العام في معظم دول الربيع العربي أدّت بالفعل إلى تراجع الفعل السياسي للحركات الإسلامية، وعموم قوى المعارضة".

وأردف: "وكان من المتوقع أن تحصل تحولات في المواقف السياسية للدول التي أيدت الربيع العربي مثل تركيا، وحتى قطر لكون العلاقات الدولية تحكمها مصالح وضغوط جيوسياسية واقتصادية تفوق أي ارتباطات وتعاطفات مع الحركات الدعوية والسياسية التي من المفروض أن لا ترتهن إرادتها وقراراتها بأي ارتباط خارجي". 

من جهته قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعات الأردنية، الدكتور أحمد البرصان: "حركات الإسلام السياسي ليست جديدة على المنطقة، بل موجودة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كحركة الإخوان المسلمين، وقد مرت بظروف صعبة، لكنها بقيت موجودة، ما يعني أنه لا يمكن تجاوزها، وإنما يتم تراجعها في زمن بعينه نتيجة ظروف صعبة وقاهرة". 

 

                                أحمد البرصان.. باحث أردني

وتابع: "من المعروف أن حركات الإسلام السياسي تقدم الإسلام كطريق للإصلاح المجتمعي العام، بما فيه الإصلاح السياسي، بمعنى أنه لا يوجد حاكم مخلد، وتدعو إلى تداول السلطة سلميا عبر الخيار الديمقراطي، وهذه التوجهات تشكل تحديات لكثير من الأنظمة السياسية في شرعيتها، وهو ما يزعجها في تلك الحركات، خاصة حينما تتمكن من استقطاب الجماهير لجانبها". 

ولفت البرصان في تصريحاته لـ"عربي21" إلى أن "الحركات الإسلامية السياسية حظيت في مرحلة من المراحل بشعبية قوية، وبات يُنظر إليها كبديل عن الأنظمة السياسية القائمة، بسبب فشل تلك الأنظمة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يثير تلك الأنظمة تجاهها، ويجعلها تتوجس منها خيفة". 

وعن مدى انعكاس تراجع حضور تلك الحركات على التحالفات السياسية في المنطقة، وتحول المواقف السياسية أوضح أن "التحالفات على صعيد العلاقات الدولية ليست ثابتة، بل متغيرة تبعا للمصالح، فتركيا حينما أيدت الثورات العربية، واستقطبت قادتها ورموزها ووفرت لها ملاذات آمنة، كانت تراهن على نجاح تلك الثورات وإمكانية فاعليتها في المشهد السياسي". 

وأردف: "وتركيا كغيرها من الدول دولة براغماتية، تسعى لمصالحها الوطنية والقومية، وهي بعد ما يقارب عشر سنوات وجدت أن مراهنتها على الثورات وقياداتها المعارضة مراهنة خاسرة، لعدم فاعليتها وانقسام قواها على أنفسها، وتنافسها فيما بينها، فعادت عن مواقفها السابقة وفتحت صفحات جديدة في علاقاتها مع تلك الدول سعيا وراء مصالحها السياسية والاقتصادية". 

وفي ذات الإطار رأى الكاتب السياسي اليمني، ياسين التميمي أن "الحركة الإسلامية لا تزال في قلب المعادلة السياسية والجيوسياسية للمنطقة رغم الضربات المؤلمة التي تلقتها خلال العقد المنصرم، ولا تزال تلعب دورا مؤثرا في السياسات والتوازنات التي تنتهجها دول المنطقة". 

 

                               ياسين التميمي.. باحث يمني

وتابع: "ولا تزال مؤثرة أيضا في التحالفات التي تقيمها أنظمة المنطقة فيما بينها، وكذلك مع المجتمع الدولي على أساس القطع والمواجهة الصفرية الوجودية مع الحركة الإسلامية" مضيفا أنه "نعم تراجع دور الحركات الإسلامية بشكل كبير، لكنه لم يختف فهو لا يزال حاضرا عبر أحزاب سياسية وازنة في كل من اليمن والمغرب والأردن والجزائر وتونس رغم الانقلابات التي تستهدفها".

ووفقا للتميمي في حواره مع "عربي21" فإن "الحركات الإسلامية تستفيد اليوم من التراجع الكبير على الصعيد الديمقراطي نتيجة محاولة الأنظمة الهروب من الاستحقاقات الديمقراطية التي قد تعيد الإسلاميين إلى المشهد وهذا بالتأكيد ربما يزيد من فرص الإسلاميين في تحريك الشارع". 

أما عن تحولات الموقف التركي بعد فشل الربيع العربي، فتركيا، وفق التميمي "لم تراهن على علاقاتها مع الحركات الإسلامية، بل مع الدول رغم التقارب الكبير الذي حدث عندما كان الإسلاميون يحكمون عددا من الدول المهمة في المنطقة.. وها هي اليوم تطوي فترة الجمود التي سادت العلاقات مع الأنظمة التي أفرزتها الثورات المضادة، وتلك التي دعمت ومولت الثورة المضادة، على قاعدة المصالح المتبادلة والثقة التي اكتسبتها تركيا من مواقفها الداعمة لدول واجهت تحديات كبيرة في منطقتنا".