كتب

في الوصايا العشر ودورها في التقريب بين الأديان السماوية

الوصايا القرآنية تدعو إلى الله الذي لا يجب أن يُشرك به شيء

الكتاب: "سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، الوصايا العشر وتجلّياتها في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم"
الكاتب: فتحي بن معمر
الناشر: دار وحي القلم، ط 1، دمشق، 2016
عدد الصفحات: 176 صفحة


1 ـ بين يدي الكتاب:

مع زحف النزعات المادية على مختلف مظاهر الحياة اليوم، ترتفع الأصوات المطالبة بإعادة دور الدين إلى صميم الحياة الاجتماعية وبالتقريب بين تصوراته المختلفة بحثا في القواسم المشتركة بينها كالحثّ على التضامن والدعوة إلى الأخلاق وإيثار السلم حتى يستجيب لحاجيات الفرد الروحية ويصهر ما تشذر من الوجود الإنساني الجماعي. وضمن هذا الأفق ومن منظور تاريخ الأديان المقارن يحاول الباحث فتحي بن معمّر أن يقارب مبحث " الوصايا العشر" الذي يمثل نقطة تقاطع بين الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية. 

2 ـ الوصايا العشر في التوراة 

يعدّ مبحث الوصايا العشر مبحثا راسخا في الدراسات الدينية وفي علم الأديان المقارن. وقائمة البيبلوغرافيا التي يصدر عنها الباحث فتحي بن معمّر ويعرض تبرهن على ذلك. فلِيحيط القارئَ بوضعية المسألة وحظها من الدراسة عرض نماذج منها مبيّنا إضافاتها ومبرزا وجوه القصور فيها ليعمل على تجاوزه. ثم يجعل مدار كتابه على صيغ تجلّي هذه الوصايا في التوراة وأثرها في حياة المجتمع اليهودي مبرزا مشروعية القول بوجود مثيل لهذه الوصايا في الإنجيل والقرآن الكريم، متسائلا إن كان وجودها الذي يتحقّق في سياقات مختلفة يؤّكد فكرة تكامل الكتب السماوية بحيث يضيف اللاحق منها إلى السابق في سياق تراكمي يسم المعرفة والظاهرة الدينية ووفق تطوّر المجتمعات وتحوّل الأخلاق الإنسانية.

تعني الوصايا، على المستوى المعجمي، من جانبها الديني خاصّة، الأمرَ الصريح الذي يتقضِي الإذعان والشريعةَ المُلزمة التي تحدّد قواعد السلوك أو هي وفق ما يجمله الباحث "خلاصة تجارب الإنسان يعهد بها الله إلى من أحب من البشر". أما على المستوى الاصطلاحي فهي، تبعا للأصل اليهودي للتسمية، الجزء من الناموس [ومعناه القانون أو الشريعة أو الإرشاد أو التّعليم] الذي ذُكر في الكتاب المقدّس ومداره على أنّ الله قد خطّه أو كتبه بإصبعه. فقد "قال الرّب لموسى "اصعد على الجبل وامكُث هناك لأعطيك الوصايا والشرائع التي كتبتها على لوحي الحجر لتلقّنها لهم" سفر الخروج 24:12. ويفيد إلى ذلك الجزء الوحيد من الناموس الذي وضع في تابوت العهد وكان يمثّل أساس العهد بين الله وإسرائيل. 


ولهذه الوصايا العشر أهمّية كبرى في التّوراة وأثر بيّن في المجتمع اليهودي. فهي إجمالا مصدر كلّ الأوامر والنّواهي والتّشريعات التي تزخر بها كتب اليهود وشرائعهم. ويتوسع الكاتب في شرح ذلك في فصول من أثره.

3 ـ تجليات الوصايا في الأناجيل والقرآن الكريم وأثرها في المجتمعين المسيحي والإسلامي

لهذه الوصايا الأثر الكبير في الديانة المسيحية. فقد ورد على لسان المسيح مثلا في إنجيل يوحنا "إن عملتم بوصايايَ تثبتون في محبّتِي، كما عملتُ أنا بوصايا أبي وأثبتُ في محبّته" وعامة تجد الوصايا العشر قبولا لدى المسيحيين باستثناء الوصيّة المتّصلة بتقديس يوم السبت والفراغ فيه من كلّ شغل. وفضلا عن ذلك فلهم وصايا خاصة ترد إليهم من المسيح عليه السّلام. ورغم أنّ الأناجيل تختلف فيما بينها "اختلافا قد يصل حدّ الغرابة والتناقض أحيانا" يظلّ المقصد واحدا، وهو إرشاد الإنسان حتى يتبع المسيح خادمًا لله مُستمعا لكلمته مستوعبا لها. وعليه فقد احتلت الوصايا العشر مكانة مركزية في العقائد المسيحية ولدى أهلها. فكان القدّيسون يوجّهون المؤمنين للالتزام بها بعد أن يكونوا قد تمثّلوها وحقّقوها في ذواتهم وسلوكهم.

وفي القصص القرآني صدى لهذه الوصايا. فقد جاء في الأعراف : 142-145"وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ]. ونجد في موضعين منه، في الآيات من 151 إلى 153 من سورة الأنعام وفي الآيات من 22 إلى 39 من سورة الإسراء، وصايا تشبه تماما وصايا التّوراة، فتوافقها من جهة العدد وإن اختلفت عنها من جهة المضمون والترتيب أحيانا. وينتهز السياق القرآني فرصة الحديث عن التحريم والتحليل للدّعوة إلى ما حرّم الله في وصايا عشر تمسّ العقيدة والأموال والأنفس والمعاملة والفواحش والعدل والوفاء بالعهد لينتهي الأمر إلى دعوة باتّباع الصراط المستقيم وتجنّب ما سواه "أَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [سورة الأنعام الآية 153].

4 ـ في المختلف بين وصايا الكتب المقدسة

كثيرة هي وجوه الاختلاف بين هذه الوصايا في التوراة والإنجيل والقرآن. لعلّ أهمها أن الوصايا التّوراتية تجعل الإله ربّ بني إسرائيل أساسا، أي الربّ الذي يُرافق بني إسرائيل ويُملي عليهم وصاياه وشرائعه ويعدهم إن تمسّكوا بها بأرض يورّثها لهم دون غيرهم باعتبارهم شعب الربّ المختار. وتصوّر الوصايا الإنجيلية أبا المراحم لمن يُؤمن به ويأتي إليه عن طريق محبّة المسيح عليه السّلام، حنونا عليهم يمنحهم الملكوت والخلاص. أما الوصايا القرآنية. فتدعو إلى الله الذي لا يجب أن يُشرك به شيئاً، الله القريب جدا من الإنسان الذي لا إله إلّا هو، ربّ العالمين الرحمان الرحيم الذي أرسل خاتم النبيين محمدًا بالوصايا التوجيهية التربوية لبناء مجتمع السلم والحبّ والتراحم. ولكن خلف هذا الاختلاف الظاهر تشتمل الوصايا وفق الكاتب، على قدر كبير من الاتفاق.

5 ـ من أوجه الاتفاق في الوصايا العشر في النصوص المقدسة

تحدّد هذه الوصايا في الأديان الثلاثة قاعدة الإيمان ومجاله ومحاذيره وهي الإيمان بالربّ الواحد ومنع الشّرك والتحذير من نحت مجسمات تمثلّه. وفي الآن نفسه تحدّد القواعد المنظّمة للسلوك الإنساني والضامنة لسلامة التّعامل بين البشر، وإن تفاوتت في عدد الوصايا وموضوعاتها وأسلوبها وسياقاتها وغاياتها في الكتب السماوية، فإن الباحث يحاول اختزالها في الجوهري منها فيقول: "وهي على العموم بكلّ تلك المعاني موجّهات للسّلوك الإنساني ومحددة لمجالات الفعل الإنساني السليم الذي يتحرّك في دائرة المسموح أو المنصوح به ويُفترض أن يُحجم على الفعل في دائرة الممنوع أو المنصوح بتركه".

 

كثيرة هي وجوه الاختلاف بين هذه الوصايا في التوراة والإنجيل والقرآن. لعلّ أهمها أن الوصايا التّوراتية تجعل الإله ربّ بني إسرائيل أساسا، أي الربّ الذي يُرافق بني إسرائيل ويُملي عليهم وصاياه وشرائعه ويعدهم إن تمسّكوا بها بأرض يورّثها لهم دون غيرهم باعتبارهم شعب الربّ المختار.

 



إذن فنحن إزاء وصايا مختلفة من أوجه: أزمنة وأمكنة ورسلا ومرسلا إليهم ومؤتلفة من أوجه أخرى مصدرا ومضمونا وعددا أحيانا وصيغا، وإن جزئيّا. فموعظة الجبل صدى لما جاء في الوصايا العشر التّوراتية ولما سيأتي في الوصايا العشر القرآنية وفي وصايا الرّسول التي يمكن اختصارها في ما جاء في حجة الوداع: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ـ ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها." ولكنّها في التصوّر القرآني وصايا لا تخصّ أمّة "شعبا بعينه ولا تغلّب جانبا في الإنسان على آخر بل تسعى إلى بناء تلك الأمّة التي يعمل فيها الفرد لدنياه".
 
6 ـ الوصايا العشر: هل هي دساتير الإنسان الدَّيّن؟

ينتهي الباحث إلى أنّ هذه الوصايا توراتية كانت أو إنجيلية أو قرآنية قد استطاعت أن تُقدّم للإنسانية في فقرات قصيرة نسبيّا ما تعجز عنه من تشريعات لتنظيم حياتها. فالنّسخة التوراتية، وهي الأصل والمنطلق، عرفت مع الأناجيل تغييرات تنسجم مع ذلك العصر ومع القيم التي جاء بها المسيح ثم أدركت مرحلة الاكتمال والتّمام مع النسّخة القرآنية. إذ فيها ما يصحّح عقائد بني إسرائيل وما يوجّه سلوكهم في التّوراة وما يعيد الإنسان إلى الله وما يجعل حياة الناس تقوم على المحبة والتواضع والبذل. فكانت جملة من الضوابط والقوانين موجّهة لحياة البشر توجيها صارما لا يجد له المتلقي تبريرا. فلا يجد في نفسه حرجا في عدم الأخذ به. وكانت  في النّسخة القرآنية أقرب "إلى منهج تربويّ عام ومسار منهجي علمي عقلي يُدرك تلك الوصايا ويسعى إلى تذكّرها وذكرها والتّذكير بها قولا وفعلا لكي يُحقّق التّقوى التي ستمكنّه من السير دائما في صراط الله المستقيم"، وفق الباحث.

7 ـ "سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى".. وبعد؟

رغم رفض البعض لفكرة التقريب بين الأديان ومحاصرتها بحجة أنّ إذابة الفوارق بينها يمكن أن يحرّفها عن أصلها، وأن يسيئ إلى مقولاتها، تظل الحاجة إلى البحث عن انسجام خطابها أكيدة حتى يكون الدين اليوم عنصر طمأنينة وسلام لا عنصر تشتيت وتوتر وسبب رئيسي في الحروب. وما يحسب لهذا الأثر أنه يتناول المسألة من منطلق المعاينة والمعايشة. فيذكّر الكاتب الذي نشأ ضمن خلفية إسلامية الإباضية، بحياته في جزيرة جربة التونسية موطن الحج اليهودي وبمزاملته لمعتني العقائد المختلفة "لقد كانت هذه الأحداث دوافع أوّلية لإشباع نهم السؤال والبحث عن إجابات لعديد الأسئلة ثم ما فتئ الاهتمام يزداد مع تطوّر القراءات والمطالعات والاطّلاع على هذه الكتب المقدّسة وبعض ما كُتب في مقارنة الأديان قديما وحديثا". 

ويبرز حاجة الأديان اليوم لفهم بعضها البعض فيذكر: "ولقد كان الهاجس دائما هو البحث في كلّ ما يجمع بينها ويُعدّ تكاملا من أجل إيجاد تواصل صادق بين معتنقي هذه الأديان على أساس ما يجمع بينها. ولقد كانت الوصايا العشر من أوّل النّصوص التي وقعت في يدي بالعبرية بعد أن تلقيّت دروسي الأولى فيها وصرت قادرا فكّ بعض رّموزها. فكانت منطلقا للبحث عن ترجمتها وعن ما يُضاهيها أو يُشبهها في الإنجيل والقرآن من العناصر فتولّدت الرّغبة في البحث حول المسألة باعتبار هذه الوصايا في الكتب السماوية الثلاث محاولة لتوجيه الإنسان وهدايته لما فيه خير الدّنيا والآخرة. ومن هذا المنطلق يكتسي البحث حول هذه المسائل أهمّية بالغة مُغرية ومُحفّزة للبحث ودافعة إليه".