كتاب عربي 21

الثورة التونسية على مائدة النخب

1300x600
من يستطيع أن ينكر أن ثورة 17 ديسمبر الخالدة قد عرّت زيف النخب التونسية، وكشفت حجم التضليل الذي مارسته في حق الشعب العربي في تونس منذ ما سمي بالاستقلال؟ من ينكر كيف تنكرت هذه النخب لقضايا الطبقات الفقيرة والمهمشة في أحزمة الفقر التونسية، وسعت إلى تحقيق مغانم اجتماعية شخصية على حساب القضايا التي كان حقيقا بها المدافعة عنها؟ الأخطر من هذا وذاك هو تحالف أغلب النخب العربية مع أنظمة الاستبداد ومع جلاد الشعب من أجل فتات الكراسي وبقايا موائد السلاطين. ألم تسرع أغلب النخب التونسية ليلة هروب بن علي إلى محاولة إنقاذه وإلى تهديد الجماهير الغاضبة الهادرة ليلتها بأن "بن علي" صمام أمان، وأن الرجل صادق هذه المرة؟. 

فليلة كان قناصة بن علي يزرعون الرعب في المدن التونسية، كان الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل يناقش مع الطاغية سبل القضاء على التحركات الاجتماعية، وكاد ينجح في ذلك لولا انفصال القواعد النقابية الوطنية عن المكتب التنفيذي وعن القيادات النقابية التي قررت الوقوف إلى جانب الرئيس الهارب باستثناءات قليلة لا تكاد تذكر. لكن من جهة أخرى أليس من اليسير وضع النخب العربية موضع الاتهام، في حين قد تكون هذه النخب عاجزة دون إرادتها عن استيعاب اللحظة التاريخية، وأنها ليست مؤهلة لتحقيق متطلبات المرحلة، وهي أيضا نخب غير متجانسة مفهوميا، ولا تشكل طيفا واحدا موحدا قادرا على حمل أعباء كل الاتهامات الموجهة إليه. أليس ما نسميه هنا نخبا عربية هو فقط مجموعات مُتمدرسة حققت تقدما دراسيا معينا سمح لها بالتموقع حيث هي اليوم، وهي كغيرها من المكونات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي لنفسها وتمديد ذلك الرفاه، وهي ليست مسؤولة إطلاقا عن التغيير الاجتماعي، أو تحقيق أهداف الثورات؛ لأنها ليست معنية بها أصلا إلا من ناحية ما قد تمثله من تهديد أو تأبيد لمغانمها الاجتماعية.

من هنا تبدو المسألة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في السطح، فمسألة النشأة والتطور والتكوّن والتجدّد الوظيفي والكميّ للنخب العربية عامة، والنخب التونسية خاصة، ليست مسألة خطية رأسية الاتجاه بقدر ما هي انحناءات متراكمة وتقاطعات عمودية قد تحتاج مجالا أوسع من هذا المجال لقراءتها وتفكيكها. لكن تبقى مسألة الإقرار بعجز النخب العربية عن تفعيل المكاسب التي حققتها الجماهير مسألة عصيّة على الدحض والإلغاء، في ظل عودة الدولة العميقة إلى المشهد السياسي العربي بقوة أكبر.

المرعب في المشهد التونسي، هو أن الدولة العميقة قد تعود من أخطر البوابات، وهو باب صناديق الاقتراع، فتتحول شرعية الاستبداد من شرعية المغتصَب بالقوة إلى شرعية المنتخَب ديمقراطيا. في مصر مثلا الانقلاب لا تخطئه العين، وهو لم يخرج من صناديق الاقتراع، لأننا شاهدنا كلنا كيف كانت مراكز التصويت فارغة، ما اضطر العسكر إلى التمديد في أيام الاقتراع، ورغم ذلك بقيت المراكز مهجورة. من جهة أخرى ما زالت أغلب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تحمل إلى اليوم تصريحات رؤساء الأحزاب والمنظمات التونسية والجمعيات المدنية من الجامعيين والإعلاميين من بوليس بن علي السياسي ليلة هروب الطاغية، حيث كان الجميع يسعى إلى تمكينه من حبل النجاة، لكن بعد انتصار الجماهير وهروب الجلاد امتصت هذه النخب الصدمة الأولى الناجمة عن سقوط رأس النظام، وسرعان ما استعادت عبر منابر الإعلام التونسية، التي لا تزال في قبضة الدولة العميقة ورجالاتها، مواقعها وخطابها، الذي مكّن من إنجاح عودة العصابة من الخارج، بعد أن تأكدت من أن المحاكم الثورية لن تطالها مطلقا. 

جاحد من ينكر دور عدد قليل من النخب الحقوقية الوطنية في إسقاط نظام بن علي، وفي الوقوف إلى جانب الجماهير العربية عند مواجهتها رصاص البوليس القمعي وآلته الدموية؛ لكن هذه النخب نفسها عجزت أمام آلة الدولة العميقة الرهيبة عن تطهير قطاعاتها، وعن فضح المرتشين واللصوص من القضاة والمحامين الذين استعملهم بن علي، ومن قبله بورقيبة، من أجل ترسيخ أركان الاستبداد. 
تنقسم المعارضة الوطنية إلى قسمين: قسم أصيل بقي في تونس، وواجه عصا الجلاد، وعانى السجون وأقبية زنازين التعذيب التي كان يشرف عليها أشرس الجلادين كسجن "صباط الظلام" الشهير الذي كان يديره خلال الستينات العجوز التسعيني ومرشح الدولة العميقة لرئاسة جمهورية الثورة، وقسم خيّر المنافي المريحة أحيانا والوثيرة أحيانا كثيرة أخرى، لمن يعلم حجم التعذيب الذي مارسه بن علي ونظامه في حق التونسيين، ممن رفضوا الخروج من الوطن، بل إن منهم من مات تحت التعذيب، ولم يعبروا الحدود.

اليوم يتواصل فرز النخب العربية في لحظة مصيرية من تاريخ الأمة والوطن، حيث يتحدد مصير أحزاب كثيرة وتيارات عديدة على كل مساحة الطيف السياسي. فمن جهة خيّر اليسار التونسي - أو ما بقي منه بعد اختراقه من طرف البوليس السياسي- الاصطفاف إلى جانب جلاد الأمس خاصة مع غياب مقصود لنشطاء اليسار الوطني التونسي ممّن قدموا تضحيات كبيرة خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لأجل حرية الفرد وكرامته.  ومن جهة أخرى تشتتت التيارات العروبية المحسوبة على التيار القومي مع غلبة صراع الزعامات على مختلف منتسبيها وولائها المشبوه للأنظمة الشمولية والعسكرية في المنطقة العربية. بقيت في المشهد على قتامته أطياف مختلفة من القوى الوطنية المستقلة أو المحسوبة على التيار المحافظ أو الليبرالي الكلاسيكي، التي لم تحقق على مستوى الممارسة السياسية الخبرة المطلوبة من أجل تفعيل اختراق كبير في الساحة السياسية. 

لكن الأكيد هو أن نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة ستحدد بشكل نهائي طبيعة الطيف السياسي الجديد في البلاد، كما سترسم خطا فاصلا بين النخب الوطنية الحقيقية والنخب الوطنية المزيفة، في مرجعية رئيسية وهي الولاء للثورة ولدماء الشهداء الذين تاهت صورهم في زحمة الحسابات السياسية البائسة. السياسة حسابات وخطط وممارسة، وهي كذلك علم إنساني قائم بذاته؛ لكنها ككل العلوم الإنسانية لا يمكن أن تكون علما كميا صحيحا، خاصة إذا كانت واقعة إثر ثورة تُعرّف ككل الثورات بأنها فعلٌ انفعالي أساسا، لم يخضع لحسابات السياسة، ولا لفيزياء الأيديولوجيا، كثورة 17 ديسمبر الخالدة.