مقالات مختارة

خبراء استراتيجيون.. ونظرية نتنياهو «العكسية»

1300x600
كان للتصريح بالغ الخطورة الذي أدلى به رئيس الحكومة الإسرائيلية مؤخرا حول العلاقات التي تزداد تحسنا بين الدولة العبرية وبعض الدول العربية، التداعيات المرتقبة ودلالة إضافية، ليس فقط على تحسن هذه العلاقات، ولكن ـ وهو الأهم ـ انعكاسها على طريقة التفكير الإسرائيلية حول ما يسمى بالتسوية السياسية.

يسميها نتنياهو وفقا لهذا التصريح، أن عملية التسوية يمكن لها أن تجري بطريقة معاكسة، يقول [يدرك العرب بأن العالم يتغير وبأن إسرائيل لم تعد عدوهم(!) وبالرغم من أن الاتصالات معهم لا تزال سرية، إلاّ أنها قد تصبح حافزا إلى سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، كانت هناك بعض الآراء التي تقول إن صنع السلام مع الفلسطينيين سيفتح باب العلاقات والاعتراف المتبادل بين إسرائيل والعرب ـ يتحدث هنا عن المبادرة العربية ـ إلاّ أني أعتقد أن هذه العملية يمكن أن تتحرك بشكل معاكس تماما، تطبيع العلاقات سيساعد من دون شك على الدفع بالمفاوضات وعملية السلام إلى الأمام].

حسب غريغوري غوز، الخبير في شؤون العالم العربي ودول الخليج تحديدا، وفقا لما جاء على موقع «تايمز اوف إسرائيل» فإن هذه الرؤية التي يحاول نتنياهو أن يتمترس خلفها، مجرد وهم لا أكثر، وحتى في علاقاته مع الأميركيين، فإنه عندما يطالب من قبل واشنطن بالعمل أكثر حول الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يرد نتنياهو أن نظريته هي «أننا سنتعامل مع الدول العربية أولا».

صحيح أن هناك دفئا في العلاقات الإسرائيلية ـ السعودية، منذ حزيران 2015، عندما ظهر المستشار السابق للحكومة السعودية [الصحيح أنه كان عضوا في مجلس الشورى السعودي مع مستشار نتنياهو دوري غولد، ثم اللقاء الذي جمع تركي الفيصل، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السعودي، مع يعكوف عميدور المستشار السابق لنتنياهو في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، كلها إشارات على أن هناك علاقات تتعزز شيئا فشيئا بين الدولة العبرية والسعودية، إلاّ أن رئيس قسم العلاقات الدولية في كلية بوشر للحكم والعلاقات العامة في جامعة تكساس، غريغوري غوز، لا يرى في أن هذه المؤشرات كافية لكي تصل العلاقات السعودية والعربية مع الدولة العبرية إلى اعتراف متبادل، أو على مستوى مسؤولين رسميين على الأقل.

إن العامل المشترك الذي يسمح بالتعاون الاستخباري تحديدا بين إسرائيل والسعودية، ومعظم دول الخليج، هو العداء لإيران، لكن كل طرف بحاجة إلى الآخر في هذا السياق، وطالما هناك تعاون كاف، فليس من مصلحة حكام السعودية تعزيز العلاقات أكثر مما هي عليه الآن، يعود ذلك ـ حسب غوز ـ إلى أن حالة العداء على المستوى الشعبي، في كل دول الخليج العربي، لإسرائيل لا تزال مستحكمة رغم كل ما يشاع وفي غياب تسوية سياسية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أشكّ في أن السعودية ستفتح سفارة لها في إسرائيل، وإشارات المراقبين الإسرائيليين بأن المواطنين العرب العاديين في الخليج لا يهتمون بالفلسطينيين ليس صحيحا].

ويدعم هذه الإشارات جون جينيكنز، رئيس المعهد الدولي لدراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية، والذي يقيم بالبحرين، يقول: «في الشارع مسألة فلسطين برمتها تبقى قضية قوية ومشحونة عاطفيا، أرى ذلك كل الوقت ـ ويضيف ـ هذا جزء كبير من ما يمنع القادة من الخروج في علاقتهم مع إسرائيل إلى العلن». كما أن علاقات رسمية علنية بين عواصم عربية وإسرائيل، سيمنح طهران دورا سياسيا أكبر في المنطقة، باعتبارها الحامية للحقوق العربية في فلسطين، فهل ستسمح دول الخليج العربي، كي تستثمر إيران ذلك لصالحها، خاصة في ظل موجات الإرهاب المتصاعدة في المنطقة؟!

في المحصّلة، فإن العلاقات القائمة من «تحت الطاولة» بين الدولة العبرية وبعض الدول العربية، خاصة السعودية، قد لا تتعزز أكثر مما هي عليه الآن، يعود ذلك إلى أن ما هو قائم كاف لتبادل الخبرات الاستخبارية والمعلومات، إلاّ أن الحاجز الأساسي أمام ذلك، يتمثل في أن هذه الأنظمة تعيش ظروفا خطيرة مع تزايد القوى التي صنعتها ارتدادا عليها، والأهم، أن تراجع القضية الفلسطينية، وتراجع الانتصار الشعبي العربي، للقضية الفلسطينية، لم يصل إلى حد التنصل من هذه القضية التي لا تزال في وجدان هذه الشعوب، وهو ما يدفع أي نظام إلى التردد أكثر من مرة، في تحقيق «النظرية العكسية» التي أشار إليها نتنياهو.

إلاّ أنه، وحتى في حال ظل مستوى التعاون بين الدولة العبرية وبعض العواصم الخليجية، على ما هو عليه الآن، إلاّ أنه يشكل خطرا داهما على القضية الفلسطينية، إذ يكفي تعويل نتنياهو وحكومته على هذا التعاون، لكي يستمر في خططه الاستيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس، وإدارة الظهر تماما للقرارات الدولية بشأن الملف الفلسطيني، وإذا كانت هناك مناصرة عربية للشعب الفلسطيني، فإن ذلك يجب أن يدفع بهذه الشعوب إلى الوقوف في وجه كل أشكال التعاون، حتى بما فيها السرية والعلنية على حد سواء!!

الأيام الفلسطينية