قضايا وآراء

الخليفة الرّاشدي المظلوم؛ من يكون؟!

1300x600
لئن تصفّحت منهاجا مدرسيّا أو جامعيّا يتحدّث عن الخلفاء الرّاشدين، أو سمعت خطيبا في القسم الثّاني من خطبة الجمعة يترضّى عن الخلفاء الرّاشدين، ولو سألت أحدا من عامّة المسلمين عن الخلفاء الرّاشدين فسيجيبُك على الفور عن أسمائهم: إنّهم أربعة خلفاء رضي الله عنهم، وهم أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

فهل الخلفاء الرّاشدون الذين قال فيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "عليكم بسنَّتي وسنّةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ"؛ هم أربعةٌ حقّا أم أنّهم أكثر من ذلك؟!

إنّهم خمسة خلفاء راشدين وليسوا أربعة، والخليفة الرّاشديّ الخامس ليسَ هو عمر بن عبد العزيز كما أطلق عليه جمهرة من الكتّاب ذلك تكريما له وإشادة بعدله.

بل الخليفة الرّاشديّ الخامس، الذي بانتهاء خلافته تنتهي مرحلة الخلافة الرّاشدة في الأمّة لتبدأ مرحلة المُلك العضوض؛ هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ الذي بويع بالخلافة بعد استشهاد أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مدّة ستّة أشهر.

لماذا يجبُ وصفُ الحسن بن عليّ رضي الله عنه بالخليفة الرّاشديّ؟

لقد بيّن ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك ملكا"، وهو حديثٌ صحيحٌ صحّحه عامّة أهل الحديث قديما وحديثا، فممّن صححه؛ الحاكم ووافقه الذّهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حبّان، كما صحّحه الألباني في السلسلة الصّحيحة.

وعند حساب فترة خلافة الخلفاء الرّاشدين الأربعة فإننا نجدها أقلّ من ثلاثين سنة بستّة أشهر؛ التي هي فترة خلافة الحسن رضي الله عنه.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "والدَّليل على أنّه أحد الخلفاء الرّاشدين الحديث الذي أوردناه في "دلائل النبوة"، من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. وإنما كملت الثّلاثون بخلافة الحسن بن علي".

وقد فصّل ذلك ابن أبي العزّ الحنفي شارح العقيدة الطّحاوية حيث يقول: "وكانت خلافةُ أبي بكر الصّدّيق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافةُ عمر عشر سنين ونصفا، وخلافةُ عثمان اثنتي عشرةَ سنة، وخلافةُ عليّ أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافةُ الحسن ستة أشهر".

وأمّا المناوي، فبعد أن ذكر في كتابه فيض القدير حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحسن رضي الله عنه: "ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، قال:

"وكان ذلك؛ فلمّا بويع له بعد أبيه وصارَ هو الإمام الحقّ مدّة ستّة أشهر تكملة للثّلاثين سنة التي أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم إنها مدّة الخلافة، وبعدها يكون ملكا عضوضا".

فهذا يدلُّ بجلاء أنَّ الخلفاء الرّاشدين الذين تحدّث عنهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمر بالتّمسّك بسنّتهم وطريقتهم ومنهجهم خمسة وليسوا أربعة، وأنَّ الخليفة الرّاشديّ الخامس هو الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنها.

من يظلمُ الحسنَ رضي الله عنه؟

إنَّ الذين يُغفلون ذكرَ الحسن رضي الله عنه بين الخلفاء الرّاشدين، ويتجاهلونَ الحديثَ عنه وعن سيرته ضمن الخلفاء الرّاشدين الأربعة، من الكتّاب والباحثين وأساتذة الجامعات وخطباء المساجد والدعاة؛ يظلمون الحسن رضي الله عنه، ويخالفون المنهج النبويّ الذي طالب المسلمين بالتّمسك بسنّة الخلفاء الرّاشدين، وهذا يقتضي معرفة سيرتهم وسنّتهم وسلوكهم وطريقتهم.

إنَّ المربّين الذين يربّون الجيل على حبّ الخلفاء الرّاشدين ويغفلون ذكر أحدهم؛ يظلمون الحسن رضي الله عنه.

إنَّ الذين يصرّون على وصف عمر بن عبد العزيز بأنّه الخليفة الرّاشدي الخامس تكريما له على عدله، يرسّخون من حيث يشعرون أو لا يشعرون فكرة عدم وجود خليفة راشديّ سوى الأربعة رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا يظلمون الحسن رضي الله عنه، ويظلمون أيضا عمر بن عبد العزيز بإلباسه وصفا هو استحقاقٌ شرعيّ لغيره.

إنَّ الذين يخشون بيان هذه الحقيقة خشية من اتهامهم بالتّشيّع وخوفا من أن تسلقهم الألسنة الحداد؛ يظلمون الحسن رضي الله تعالى عنه، ويظلمون أنفسهم بالتّخلّي عن الحقّ والحقيقة خضوعا للإرهاب والهياج الفكريّ.

إنَّ الذين يكتبون التّاريخَ والسّيَر والأبحاث عن حقبة الخلافة الرّاشدة، ويتجنّبون ذكر الحسن بن عليّ رضي الله عنهما بوصفه أحد أركانها ورموزها لأيّة اعتباراتٍ كانت؛ فإنّهم يظلمون الحسن رضي الله عنه، ويظلمون الحقيقة ويظلمون المنهج العلميّ ويظلمون التاريخ الرّاشديّ.

ما المطلوب إذن؟!

إنَّ المطلوب اليوم من الكتّاب والباحثين والمؤرّخين والعلماء والدّعاة وسائر المشتغلين في الحقل الإسلاميّ؛ هو إحياء وصف الحسن رضي الله عنه بالخليفة الرّاشديّ، وبيان أنَّ الخلفاء الرّاشدين خمسة وليسوا أربعة فقط، وتعزيز الأقلام القليلة جدّا التي تنادي بذلك ورفع صوتها وتكثيرها.

كما أنّه مطلوب أن يُعاد الاعتبار لسيرة الحسن رضي الله عنه ومنهاجه في الخلافة وسلوكه فيها بوصفه منهاجا وسلوكا راشديّا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالتّمسّك به والعضّ عليه بالنّواجذ.

ومطلوبٌ جدّا تسليط الضّوء والدراسة المستفيضة، واستلهام الدّروس والعبر من فترة حكم الحسن رضي الله عنه التي أعقبت استشهاد والده عليّ رضي الله عنه، وصولا إلى تنازله عن الحكم وإعلان انتهاء الخلافة الرّاشدة ودخول الأمّة في مرحلة الملك العضوض؛ الذي كان مبتدأ الكوارث السياسيّة التي ما تزال تتلاحق على الأمّة إلى يومنا هذا.