ملفات وتقارير

معارك صامتة بين روسيا والصين رغم "التحالف الاستراتيجي"

ثلاثة ملفات ساخنة بين البلدين حاليا، يبدو أن هنالك اتفاقا ضمنيا على بقائها قي طور الفعل ورد الفعل "الصامتين"- جيتي

يصف قادة روسيا والصين علاقات البلدين بـ"الاستراتيجية"، وتتقاطع مصالح موسكو وبكين بالفعل في كثير من الملفات السياسية والاقتصادية، حتى بلغت حد الحديث، وبشكل متزايد مؤخرا، عن نظام عالمي جديد، توازن فيه القوتان الولايات المتحدة الأمريكية.

واعتبر تقرير لموقع "غلوبال تايمز" المرتبط بالحزب الشيوعي الصيني، الأربعاء، أن علاقات البلدين باتت تشكل "حجر زاوية الاستقرار الاستراتيجي العالمي"، لكنه أغفل الحديث عن خلافات حادة بينهما تدور بين البلدين حاليا، وأخرى معرضة للانفجار.

 

وتسلط "عربي21" تاليا الضوء على ثلاثة ملفات ساخنة بين البلدين حاليا، بحسب عدة تقارير حديثة، فيما يبدو أن هنالك اتفاقا ضمنيا بينهما على عدم السماح بتفجر أي خلاف وخروجه عن طور الفعل ورد الفعل "الصامتين".

وفي الواقع، فقد اصطدم البلدان إبان الاتحاد السوفييتي رغم تبنيهما النظام الشيوعي، وخاضا حربا حدودية "غير معلنة"، استمرت سبعة أشهر، عام 1969، موقعة مئات القتلى. ودعمت موسكو كلا من الهند وفيتنام في حربيهما مع الصين (1962، 1979)، فيما تعاونت الأخيرة مع الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات ضد الاتحاد السوفييتي.

صراع على "فلاديفوستوك"

أقدمت سفارة موسكو لدى بكين، مطلع تموز/ يوليو الجاري، على خطوة اعتبرها صينيون "استفزازية"، إذ أحيت الذكرى الـ160 لضم مدينة "فلاديفوستوك" الساحلية في أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، والواقعة قرب الحدود مع كل من الصين وكوريا الشمالية.

وأبرزت الخطوة إلى العلن التجاذب المستمر بين البلدين بشأن المدينة الاستراتيجية، التي كانت جزءا من الصين حتى عام 1860، عندما أجبرت موسكو بكين على توقيع معاهدة، مستغلة هزيمتها في حروب "الأفيون" مع الغرب، وتتخلى بموجبها عن مساحات واسعة من الشمال الشرقي، تعرف اليوم في روسيا باسم "بريمورسكي كراي".

وأثار منشور للسفارة الروسية بهذا الشأن، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غضب صينيين، بينهم دبلوماسيون وصحفيون، وخاصة لتزامنه مع توتر بين بلادهم والهند بشأن نزاع حدودي مشابه، بحسب تقرير "يوروإيجيان تايمز".

 

 

اقرأ أيضا: مواجهة روسيا والصين في حسابات أمريكا.. أيهما أكثر تكلفة؟


وشكل هذا الجدل مادة دسمة لوسائل الإعلام الهندية، إذ استخدمته لاتهام الصين بعدم احترام المعاهدات، وبأن لديها "شهية مفتوحة" للتوسع على حساب دول الجوار، فيما لم تصدر موسكو على الفور تعليقا رسميا بهذا الخصوص.

بحر الصين الجنوبي

يشهد بحر الصين الجنوبي توترا شديدا بين الصين وبقية دول المنطقة، التي تتهم بكين بتوسيع حدودها فيه على حسابها، وسط حضور أمريكي قوي في المشهد ضد العملاق الآسيوي، ما يؤدي إلى مشاحنات بين الجانبين من وقت لآخر، تنذر بانفجار في أية لحظة.

وبعيدا عن الضوضاء، تعمل روسيا على زيادة حضورها في المنطقة، ولكن من خلال دعم المعسكر المناوئ للصين، ولا سيما فيتنام والفلبين.

ووصف تقرير لمجلة "فورين بوليسي" شركة "روسنفت" الروسية بـ"الحليف الغريب لفيتنام في صراعها مع الصين"، رغم تشديد الرئيس فلاديمير بوتين سابقا على التضامن مع بكين، ونفيه في الوقت ذاته أي دور لبلاده في المشهد.

وأوضح التقرير أن فيتنام لم تتمكن من مواجهة الصين خلال الأعوام الماضية، بل إن شركة "ريبسول" الإسبانية، التي كانت متعاقدة معها للتنقيب عن موارد الطاقة في المنطقة فضلت الانسحاب على وقع التوتر الشديد، وضبابية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لكن ملء موسكو لهذا الفراغ عزز موقف فيتنام خلال العام الماضي، بحسب التقرير، وهو ما دفع الفلبين أيضا إلى استدعاء دعم روسيا وشركاتها بحسب تقرير لمجلة "فوربس".

واعتبر تقرير "فورين بوليسي" أن روسيا تمارس لعبة في المنطقة، قد لا تقود إلى صدام مباشر، لكنها تحرج الصين التي تحاول التشبث بجميع شركائها، ولا سيما الأساسيين منهم في سعيها لتجنب حصار دولي محكم.

وفي الواقع، فإن هذا التحرك قد يكون في إطار الرد على نشاط الصين في مساحات نفوذ تقليدي لروسيا، ولا سيما وسط آسيا والقوقاز وأوكرانيا وبيلاروسيا، مستخدمة بريق استثمارات "الحزام والطريق" الكبيرة، ما ينذر بدخول هذه المعركة الصامتة أطوارا أكثر خطورة مع إصرار بكين على المضي في المشروع الاستراتيجي.

 

اقرأ أيضا: بوتين: حوار تقليص النووي في العالم يجب أن يشمل الجميع

الهند وطريق "شمال جنوب"

تسارعت في الآونة الأخيرة خطى الهند والولايات المتحدة نحو تشكيل تحالف ضد الصين، لكن ذلك لا يعني انتهاء العلاقات القوية بين نيودلهي وموسكو، والتي تعود جذورها إلى أيام الاتحاد السوفييتي كما سبقت الإشارة.

وفضلا عن أزمة الصين والهند الحدودية، فإن الأخيرة تشترك مع روسيا في مشروع تجاري كبير يربط مدينتي مومباي الهندية جنوبا، وسانت بطرسبرغ الروسية شمالا، وصولا إلى الأسواق الأوروبية، ما يشكل منافسا قويا لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

لكن ما تبدو منافسة تجارية وحسب تخفي وراءها صراعات تصل من وقت لآخر إلى حافة الحرب، سواء بين الصين والهند أو بين الأخيرة وباكستان، التي تعد محطة أساسية في "الحزام والطريق"، علاوة على المنافسة بين المبادرتين على جذب اهتمام دول تقع على مفترق الطريقين، وأهمها إيران وأذربيجان، فضلا عن أفغانستان وتركمانستان وكازاخستان وأرمينيا وغيرها.

وتختزل توجهات كل من الصين وروسيا إزاء ملف كشمير جزءا من الصورة الكاملة لهذه المعركة، إذ تدعم الأولى موقف باكستان، فيما تدعم الأخيرة موقف الهند، دون أن يظهر "الحليفان" مساعي جادة للحد من التوتر بين نيودلهي وإسلام أباد الذي قد يفضي إلى حرب رابعة بينهما.

ولفت تقرير لموقع "ذا كوينت" الهندي إلى لعب روسيا دورا في نزع فتيل التوتر بين الصين والهند عام 2017، لكنه اعتبر أن موسكو قامت بذلك في وقت كانت فيه بحاجة إلى دعم بكين اقتصاديا وسياسيا.

واستدرك التقرير بالإشارة إلى أن حسابات ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد والتوتر الصيني الأمريكي عكست الصورة تماما، ما يتيح فرصة أكبر أمام موسكو ونيودلهي لـ"ترويض التنين"، مؤكدا أن الجانبين متفقان على ضرورة احتواء تنامي قوة الجار المشترك، اقتصاديا وعسكريا.