أفكَار

إشكالية الزعامة عند الإسلاميين.. الجزائر نموذجا (1من2)

الزعامة الروحية للشيخ عبد الحميد بن باديس لدورا في صناعة "الكاريزما الدينية" في الجزائر (عربي21)
أعاد السجال الدائر بين قيادات حركة "النهضة" التونسية حول مستقبل التداول على المناصب القيادية في إدارة شأن الحركة استعدادا لمؤتمرهم 11، إلى الواجهة مسألة التناوب على المناصب القيادية لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

والحقيقة أن هذا السجال المثار في تونس هذه الأيام، ليس هو الأول من نوعه، لا في تونس ولا في باقي التنظيمات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي في المنطقة العربية والإسلامية.. لكن الجديد في هذا الملف أنه يأتي بعد نحو عقد من الزمن من اندلاع ثورات الربيع العربي، وانتقال الإسلام السياسي من المعارضة إلى الحكم، ومن السرية إلى العلن.. 

وعلى الرغم من أن عددا من الحركات الإسلامية تعاملت بسلاسة مع مطلب التداول السلمي على المناصب القيادية كما هو الحال في مصر والمغرب وموريتانيا وفلسطين مثلا، إلا أن هذا التداول لم يسلم من خدوش سياسية وأحيانا شخصية طبعت تاريخ الإسلام السياسي الحديث.. 

"عربي21"، تسأل: كيف تعاطى الإسلاميون مع مطلب التداول السلمي على المناصب القيادية في تنظيماتهم؟ 

اليوم يعرض الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار لتجربة إسلاميي الجزائر في التعاطي مع تحدي التداول على المناصب القيادية..


الزعامة والمشيخة.. صعوبة الفصل

يصعب فصل مفهوم النزوع نحو الزعامة لدى قيادات تيار الإسلام السياسي في العالم الإسلامي عموما، وفي الجزائر بشكل خاص، عن مفهوم "المشيخة" الذي يلازم عادة القيادات الروحية الإسلامية للطرق الصوفية أو غيرها، حتى أن التفريق بين شيوخ الطرق الصوفية كالتيجانية أو الرحمانية أو القادرية مثلا أو غيرها من الطرق الموجودة بالجزائر، وبين زعماء قيادات حزبية "إسلامية" مثل الراحل محفوظ نحناح أو الشيخ عبد الهو جاب الله أو الشيخ علي بلحاج وغيرهم، ينحصر في حدود ضيقة للغاية، ولعل أهم ما يجمع بين الفريقين فكرة صناعة المريدين بدل المناضلين، حيث تتراجع قيم النقاش والمعارضة والاحتكام للقوانين الداخلية إلى دائرة "السمع والطاعة" ودائرة "الاعتقاد لا الانتقاد".

وإن كانت مثل هذه المقدمة فيها بعض التجني على التيار الإسلامي الجزائري، الذي يحاول وإن في نسخه الزعاماتية الجديدة، أن يتأقلم وإن بصعوبة مع روح العصر، ويخرج من شرنقة "المشيخة" من خلال صعود أجيال جديدة من القيادات المستنيرة، إلا أن العلاج بالصدمات في مثل هكذا مواقف مهم للانتهاء من وضعية "المراوحة" التي طالت عقودا طويلة، وتسببت في إبقاء هذا التيار المتجذر في أرض الواقع، يعاني من مشكلات تنظيمية خطيرة بخلفيات فكرية أحيانا، وشخصية مرتبطة بالتكوين النفسي أحيانا أخرى، أثرت كثيرا في نتائجه الانتخابية، وفي إقناع الكثير من الطبقات الشعبية بمنطلقاته "الديمقراطية" وبفكرة التداول على المناصب القيادية.

الجذور
 
لعبت الزعامة الروحية للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، بوصفه مصلحا وداعية بخلفية فكرية سلفية، دورا بارزا في صناعة "الكاريزما الدينية" في الجزائر، في وقت كان فيه زعماء اليسار واليمين زمن الحركة الوطنية الجزائرية في ثلاثينيات القرن الماضي، من أمثال مصالي الحاج وفرحات عباس وغيرهم، يصنعون هالات خاصة بهم في المخيال الشعبي الجزائري، وطبيعي أن الزعامة الروحية والفكرية للشيخ بن باديس، في زمن الاستعمار كانت تخفي زعامة سياسية واضحة، تواصلت إلى غاية وفاته، قبل أن تنتقل إلى علماء ومفكرين فطاحل من شيوخ جمعية العلماء المسلمين مثل الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ الفضيل الورتيلاني أثناء الثورة وبعدها، لتشهد جزائر الاستقلال ميلاد التيار الإسلامي بمدارسه الفكرية المختلفة بقيادات دعوية في المجمل، كانت في عمومها تحت برنوس الشيخ أحمد سحنون الزعيم الروحي لرابطة الدعوة الإسلامية التي أسست عام 1988.

غير أن برنوس الشيخ أحمد سحنون، ورغم كونه يحظى باحترام واسع من طرف قيادات العمل الإسلامي الإخواني والسلفي على حد سواء، إلا أنه لم يكف للقضاء على شهوة "الزعامة" التي ظهرت باكرا جدا، بعد إعلان الجزائر دستور التعددية الحزبية (23 شباط / فبراير 1989) الذي افتكه الشعب عقب ثورة 5 تشرين أول / أكتوبر 1988، خاصة بين أسماء دعوية لامعة ظهرت طموحاتها في القيادة بشكل واضح وتضم أسماء كبيرة مثل: الدكتور عباسي مدني، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ علي بلحاج، الشيخ عبد الله جاب الله، الشيخ محمد بوسلماني، الدكتور أحمد بن محمد وغيرهم، الأمر الذي أدى بهذه القيادات إلى تشكيل أحزابها الخاصة بها مطلع العام 1991، فشكل عباسي مدني مع علي بلحاج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وشكل الراحل نحناح حركة المجتمع الإسلامي، وشكل جاب الله حركة النهضة، وشكل أحمد بن محمد الجزائر المسلمة المعاصرة، وفضل الراحل محمد بوسلماني العمل الجمعوي المستقل فشكل بدعم من نحناح جمعية الإرشاد والإصلاح.

حروب الزعامة


وهنا اندلعت بين أصحاب المشروع الواحد، الحاملون للشعار الكبير "الإسلام هو الحل"، حرب سرية ضمن حرب علنية ينخرط فيها الجميع، الحرب السرية هي حرب القيادة لهذا التيار الإسلامي الشعبي الواسع، بينما الحرب العلنية كانت في مواجهة التيار الفرنكفوني الاستئصالي المنغرس في دواليب السلطة، والمثير أن الحرب السرية تلك لم تكن أقل شراسة من الحرب العلنية التي خلفت في الجزائر بعد توقيف المسار الديمقراطي عشرات الآلاف من القتلى والمشردين.

لقد كان للانتصار الباهر للجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة الدكتور عباسي مدني والشيخ علي بلحاج، في الانتخابات البلدية والتشريعية، دور كبير في تضخم "الأنا" لدى قيادات هذه الجبهة، التي وصفت نفسها ب"الفيل في مواجهة النمل"، في إشارة إلى باقي الأحزاب المنافسة، وهو ما خلف غصة مكتومة لدى القيادات الإسلامية الأخرى التي وجدت نفسها معزولة شعبيا أمام طوفان "جبهة الإنقاذ"، ولعل ذلك كان له دور أساسي في موقف الشيخ محفوظ نحناح الذي كان يقود حركة مجتمع الإسلامي (الإخوانية)، عقب الانقلاب العسكري على الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية 12 (كانون الثاني / يناير 1992)، حيث قبل الشيخ وحركته مشاركة السلطة في مسارها السياسي "الانقلابي"، بما يشير إلى ما قام به حزب النور السلفي الذي شارك منظومة السيسي المنقلبة على سلطة الإخوان وحكم الرئيس مرسي العام 2013، وقد كان واضحا إثرها على الرغم من شخصية نحناح المتزنة، وجود نوازع الزعامة لديه وتقديم نفسه بديلا عن الدكتور عباسي والشيخ بلحاج اللذان سيقا إلى السجن، وقد كافأت السلطة حركة نحناح بإشراكها في التحالف الحكومي، ومنحها عشرات المقاعد البرلمانية وحقائب وزارية عديدة، بل إن الشيخ نحناح رحمه الله، قد شارك في الانتخابات الرئاسية للعام 1995، وكاد أن يفوز بها في مواجهة الرئيس زروال، حتى أن بعض التقارير تحدثت عن فوزه بالفعل، لولا التزوير الذي شاب تلك الانتخابات، ومع ذلك فقد حصل على أكثر من 3 ملايين صوت بحسب الأرقام الرسمية.

في المقابل، لم يتورط الشيخ جاب الله في عملية تلميع الانقلاب على "الإخوة" في جبهة الإنقاذ، حيث ترأس بعدها مباشرة ما عرف باسم "لجنة اختيار الشعب"، ورفض الدخول في الحكومة ، إلا أن النوازع "الزعاماتية" للشيخ جاب الله، توجهت لنواحي أخرى، بعيدا عن استغلال الانقلاب على جبهة الإنقاذ، ومنها استكمال حربه الشخصية لتزعم جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، وإحكام سطوته "الشخصية" على الأحزاب والتنظيمات التي أنشأها بعد ذلك.

لقد ظل الشيخ جاب الله يعتقد أنه صاحب مشروعية تمثيل الإخوان المسلمين في الجزائر، باعتباره أول من حمل شعاراهم وأول من سجن بسبب ذلك سنوات الثمانينات، إلا أن الظهور القوي للشيخ نحناح حسم الأمر لصالحه منذ العام 1985 ، وهو الأمر الذي لم يهضمه الشيخ جاب الله إلى يومنا هذا. في حين دخل الشيخ جاب الله منذ العام 1998 في حروب طاحنة مع قيادات كانت تعمل معه وتحت إمرته، بسبب إشكالية الزعامة نفسها، حيث انتزعت المجموعة البرلمانية لحركة النهضة بقيادة لحبيب آدمي وقتها عام 1999، صلاحيات الشيخ جاب الله كرئيس للحركة، ما أجبر الشيخ على مغادرة "النهضة"، وتأسيس حركة الإصلاح الوطني بالتوازي مع مجيئ فترة حكم بوتفيلقة، لكن ما لبث أن تكرر نفس الوضع مع الكتلة البرلمانية لحركة الإصلاح الوطني مباشرة بعد انتخابات الرئاسة عام 2004، انتهت بسيطرة النواب المعارضين للشيخ بعد مواجهات قانونية على الحركة عام 2007، وخروج الشيخ مجددا منها، وذهابه لتشكيل جبهة العدالة والتنمية سنة 2011 التي ضمنت له "الزعامة" عليها إلى يومنا هذا.

المشهد الحالي

لقد شكلت شخصية الشيخ عبد الله جاب الله لوحدها، نموذجا حيا عن الإسلامي الجزائري الباحث عن الزعامة بأي ثمن، ورغم تاريخه النضالي الحافل الذي لا ينكره أحد، إلا أن هذه "الخصلة" أو "النقيصة"، ظلت عنوانا كبيرا لمسيرة الرجل، التي يعرفها الكبير والصغير في الجزائر، غير أن الشيخ جاب الله ليس الوحيد الذي يمتلك هذه الصفات، فقد كان عباسي مدني رحمه الله ممتلئا بجبروتها أيضا، وكان الشيخ علي بلحاج في  الماضي (وليس اليوم)، عنوان الكاريزما الثورية الإسلامية، التي بإمكانها في أي لحظة أن تجمع حولها عشرات آلاف المريدين الذين يهتفون باسمه، بسبب قوة حضوره وقدرته على الخطابة، كما كان الشيخ نحناح رحمه الله رجلا ملهما بحنكته وغزارة علمه، وقد استطاع في حياته أن يوحد حركة مجتمع السلم بفضل ذلك، لكن الحركة بعد وفاته، شهدت انقسامات وتصدعات هائلة، أدت إلى خروج قيادات صغيرة تحمل بدورها ّفيروس الزعامة" بداخلها، على غرار ما قام به عمار غول الذي انشق وأسس حزب أمل الجزائر، وما قام به عبد المجيد مناصرة قبل عودته، وما قام به عبد القادر بن قرينة الذي أسس عام 2013 حركة البناء الوطني.

وعلى ذكر حركة البناء الوطني بقيادة المرشح الرئاسي الجديد عبد القادر بن قرينة الذي نافس الرئيس عبد المجيد تبون في انتخابات الرئاسة 12 كانون أول (ديسمبر) 2019، واعتقد بعد حصوله على مليون ونصف المليون صوت أنه بات رقما صعبا في المعادلة، فإن الحركة تقدم نفسها اليوم للسلطة الجديدة التي جاءت بولادة عسيرة في أعقاب حراك شعبي عظيم، بديلا عن حركة مجتمع السلم بقيادة الدكتور عبد الرزاق مقري، الذي كان له دور كبير في سحب الحركة من دوائر السلطة، التي أدخلها فيها الراحل نحناح وكرسها خلفه من بعد الشيخ أبو جرة سلطاني، والذي خالف بدوره لأسباب تتعلق بالزعامة أساسا، قيادة مقري الحالية المعارضة، والتحق بمسار السلطة ومخرجاتها، وأسس ما يعرف ب"منتدى الوسطية"، تماما كما فعل مؤخرا القيادي الهاشمي جعبوب، الذي قبل تولي وزارة العمل ضمن حكومة جراد، من دون العودة أو على الأقل إعلام قيادة الحزب التي تلقت خبر قبوله المنصب من الإعلام.

وهنا تتضح التناقضات الكبيرة بين موقف حركة البناء بقيادة عبد القادر بن قرينة، وموقف حركة مجتمع السلم بقيادة عبد الرزاق مقري، من خلال دعوة الأولى إلى الانتخاب ب"نعم" على الدستور الجديد الذي قدمه الرئيس تبون، وأثار لغطا واسعا في الجزائر بسبب مواده المثيرة للجدل خاصة في الجانب الهوياتي، ودعوة الثانية إلى الانتخاب بـ"لا".. وبين الموقفين نوازع الزعامة بين مقري وبن قرينة، أكثر من أن تخطئها العين.

وهنا نخلص إلى حقيقة مؤلمة للغاية، وهي أنه حتى وإن كان الفعل الزعاماتي، ليس مرتبطا فقط بالإسلاميين وحدهم، ونحن نشاهد في الجزائر تيارات علمانية يسارية ويمينية مختلفة تتخبط في نفس الوحل السياسي، إلا أن خطيئة الإسلاميين تحتسب في العمل السياسي خطيئتين، لا لشيء إلا لكونهم أصحاب مشروع مجتمعي راق ونظيف، يفترض في من يتصدر مشهده الالتزام والإخلاص لله وتقديم النموذج في كيفية التداول على المنصب وليس العكس.